الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟

لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟

لماذا الفلسفة بصيغة المؤنث؟

الدار البيضاء: العلوي رشيد

عديدة هي الكتب التي تحدثت عن موضوع المرأة والفلسفة من قبيل: نساء – فلاسفة، والفلاسفة والمرأة، ونساء الفلاسفة… وأغلب الظن أنها عالجت علاقة الفلاسفة بالمرأة لبيان مواقفهم الحياتيَّة من المرأة عامة، أو لإبراز دور بعض النِّسوة في حياة الفلاسفة، ووقف البعض منها عند تجارب الحب التي خاضها بعض الفلاسفة مع النِّساء…

دشنا في سلسلة مقالاتنا على صفحة فضاءات فلسفيَّة البحث في سيرة وفلسفة بعض النِّساء اللَّواتي دخلنا عالم التفلسف من بابِه الواسع، وتحملن عِبء التفرُّغ للفكر الفلسفي تدريساً وتأليفاً في مجتمعات ذكوريَّة بامتياز حيث جدَّدت الرأسماليَّة آليات السّيطرة والهيمنة الذكوريّة على عالم الفكر. وخصصن مُعظم أوقاتِهن للتَّنقل بين الجامعات، ومِنهُنَّ من تَحمَّلت ويلات الحُروب والاضطِهاد الفاشِي والدِّيني واللّغوي والثقافِي خاصة في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانيَّة، كما نجد مِنهن من تخلين عن الحياة الأُسريّة وعزفن عن الانجاب للتفرُّغ للفلسفة، إن لم نجد منهن من لها ميولات جنسيّة مختلفة ضداً على المجتمع الذُكوري، وبحثاً عن اعتراف من نوع آخر.

من المعلوم جيداً أن الفلاسفة – الذكور قد هيمنوا على تاريخ الفلسفة، فلاسفة –  ذكور لم ينفلت منهم من سُلطة المجتمعات الذكوريّة إلا النّزر اليسير، ولكن مع تناسل مقاومات الحركة النسائيّة وانتزاعها لحق المساواة والحريّة والانصاف لولوج مجالات عمل كانت إلى عهد قريب حكراً على الرجال، ومع الدور الذي لعبته الأنظمة الديموقراطيّة والحركات النسائيّة في العالم، سيتعزز دور المرأة في المجتمعات الغربيَّة التي أقرت أنظمة علمانيَّة منحت للنِّساء حقوقاً لم يكن يسمح بها من ذي قبل.

لم يعد السؤال في مجتمعات اليوم يتعلق بالحاجة إلى تحرير المرأة كما طرح في بداية القرن العشرين (مع الموجة النسويَّة الأولى)، بل صار سؤالاً ينصبُ حول مستقبل هذا التحرر، من جهة أن هناك مشكلات جديدة صاحبت الاعتراف بالمرأة ودورها السيَّاسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، من قبيل الحقوق الجِنسيَّة، والاختلاف الجنسي والتحول الجنسي… ناهيك عن التَّعدد الثقافي والدِيني واللُّغوي.

ماذا لو قلبنا التاريخ رأساً على عقب، فإذا كان تاريخ الفكر الفلسفي في مجمله تاريخاً ذكورياً بامتياز كتبه فلاسفة ذكور، فماذا عساه يصير لو كان تاريخاً نسوياً؟ ماذا لو كانت النِّساء هنَّ اللَّواتِي لعِبن دوراً هاماً في تاريخ هذا الفكر؟ ألن نجد أنفسنا أمام قضايا فلسفيَّة مغايرة، ومنهجيَّات فلسفيَّة مختلفة، ولربما أمام فكر مختلف جذرياً عن فلسفة الفلاسفة الذُكور، وأمام فلسفة جديدة حتى لا نقول فلسفة نِسويَّة، لأن هذا النَّعت يضمر بين ثناياه نزعة ذكوريَّة حيث يتم التمييز بين فلسفة ذكوريَّة ونسويَّة؟

ستكون لثورة المساواة في الحقوق ولولوج عالم الشغل والفكر والثقافة انعكاسات جديدة على بنيات التفكير، وعلى طبيعة القضايا الفلسفيَّة كما نجد ذلك في عالم السيَّاسة والاقتصاد. لذا نعتقد – دون الجزم في ذلك – أن التاريخ المقبل للفلسفة سيكون تاريخاً مغايراً ومختلفاً، ليس بسبب ثورة المساواة والحقوق وحدها، وإنما بسبب اجتياح النساء لنسب الساكنة العالميّة، وتفوقهن في مجالات التعليم والسيّاسة والاقتصاد على حد سواء، وبسبب ثورة الحب كما نظَّر لها لوك فيري وألان باديو.

إننا أمام فكر فلسفي طرح قضايا سيّاسيّة راهنة تتصل بالفلسفة السيّاسيّة تحديداً، حيث التقينا بوجوه بارزة لعبت أدوراً هامة في التَّنظير لقضايا لم تطرح من قبل، كما هو الشأن بالنسبة للفيلسوفة جوديث بتلر Judith Butler أو سيلا بنحبيب Seyla Benhabib، أو نانسي فريزر Nancy Fraser، وبوجوه لم تلقى كامل الحفاوة والاهتمام في الجامعات وكليات الفلسفة على الأقل في عالمنا العربي من قبيل سيمون فايل Simon Weill وصبا محمود  Saba Mahmoodواديث شتاين Edith Stein وآين راند Ayn Rand، وبفيلسوفة نقدية معاصرة تنتمي الى المدرسة الماركسيَّة وتحاول إعادة النظر في موضوع البطريركيَّة (الأبويَّة) وفق مستجدات البحث الأنثربولوجي والسوسيولوجي الراهن: نادية دو موند  Nadia de Monde.

إذا كان اهتمام إديث شتاين قد انحصر أساساً في الفينومينولوجيا متأثرة بأستاذها ادموند هوسرل E, Husserl وفي الأنثربولوجيا الفلسفيَّة، وتكبدت عناء العيش في كنف حيث حرمتها الحياة من الأبوة، واختارت عنوةً حضن الكنيس هرباً من ويلات النازيَّة التي لاحقتها إلى كرمليَّة هولندا لتتخلص منها بمعيَّة أختها روز في أبشع الصور في محرقة أشفيتز الغازيّة سنة 1942، فإن اهتمام آين راند التي اختارت الهروب من الاتحاد السوفياتي في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، سينصب حول النَّزعة الموضوعيَّة حيث تبحث عن عالم خاص بجون غالت (بطل روايتها الاضراب): عالم فرداني بامتياز، حيث تعلى قيم “فضيلة الأنانيَّة” (عنوان كتابِها المُميَّز) بدل قيم كانط المتعاليَّة، فعبارتُها المدويّة: «امنحني الحريَّة أو الموت»، تقر أن الفرد يمتلك قيمته في ذاته، من جهة أنه مكتفٍ بذاته ولا يتوجب أن تحبسهُ الغيريّة التي أفسدت على الفرد قيمه الأخلاقيّة النبيلة، ووراء السعي نحو التخلص من قيم الغيريّة فإن من واجبات الدولة العمل فقط على حفظ مصلحة الأفراد الذاتيّة، لأننا «لسنا دولةً ولا مجتمعًا بقدر ما نحن تجمُّع بشري مبني على إرادتنا ويستجيب لمصلحتنا الفرديّة». وهؤلاء الأفراد يتقاسمون مجموعة من القيّم خارج أيّة قوانين أو قواعد، لذا لا ينبغي ألا نقبل إلا القيّم الموضوعيّة الضامنة لروح الأنانيّة العقليّة أو أنانيّة المصلحة الفرديّة التي تمثل نقيض الغيريّة أو عقليّة القطيع (الجماعيّة)، حيث الفرد هو أساس كل الأخلاق يوجد لذاته وليس لغيره.

ما يجمع هاته الوجوه في اعتقادنا هو ذلك الصوت النِّسوي النقدي الذي تغفله بعض الأقلام الفلسفيَّة ولا تمنحه ما يستحق من اهتمام. فجميعهن رغم اختلاف مشاربهن واتجاهاتهن الفلسفيَّة وانتماءاتهن العقديَّة واختياراتهن السيّاسيّة تركن أثراً فلسفيّاً عميقاً، ناهيك عن الخيوط الناظمة لبعض المفاهيم التي نحتناها حيث التداعي قائم: الحق في كافة الحقوق، الشَّر، التوتاليتاريا، الاعتراف والرغبة (حيث التوليف بين سبينوزا وهيجل كما فعلت بتلر)…

لا يسعنا في مجتمعاتنا الذكوريَّة بامتياز رغم الكليشيهات التي تظهرها بعض الأنظمة السيّاسيّة في هذه الرقعة من العالم، إلا أن نعلي من شأو التفكير الفلسفي الذي تركته هاته الوجوه النقديّة وغيرها (وأغلبهن لا يزال على قيد الحياة) في سبيل الدفع بتفكير من هذا النوع في مجتمعاتنا، حيث لا تزال النساء عرضت لكل أنواع الاضطهاد والتهميش والتحقير بفضل بنيات التسلط الذكوريّة المتعششة في تربتنا، والتي ترسخها في عالم اليوم تيارات محافظة لن تزيدنا إلا انتكاسة نحو الوراء (الماضي الذهبي الذي يحلمون به وينادون به حيث تُطالب المرأة بالخنوع والطاعة والخضوع لسلطة الرجل بدعوى “ناقصة عقل وودين”). فالتنوير يقتضي أول الأمر الخروج مع حالة الوصاية والخضوع، فكيف يمكن قبول ما نشاهده يومياً من مآسي وجرائم في حق النساء، والدَّعوة الى جهاد النكاح، وإلى حق سبي نساء العدو (هذا اذا صحَّ فعلا انه عدو؟)…؟ كيف لنا السكوت عن أنظمة الذل التي تبتغي ابقاء الوضع على ما هو عليه؟

يزداد لدي اليقين أن ثورة الحقوق والمساواة قد أدت فعلاً إلى تحولات عميقة بدأت تظهر بوادرها في مجموع الكوكب الأزرق. ورغم أن هدف الليبراليّة السيّاسيّة والرأسماليّة العالميّة هو إدخال النساء في اطار أسطورة “مقاربة النوع” إلى عالم المال والأعمال بهدف تلطيف الاستغلال وترسيخ الاستعباد الجديد للنساء، فإنها في حقيقة الأمر تحفر قبرها بنفسها، لأن الفردانيّة كمبدأ قد يؤدي بالمجتمعات المعاصرة إلى نتائج عكسيّة. يتم تبرير الفردانيّة بدعوى الحريّة الفرديّة التي هي شرط الديمقراطيّة الليبراليّة، لكن يتم تناسي أن الحرية في شموليتها والسيّاسيّة تحديداً هي شرط لا مناص منه لأن منح الاستقلاليّة الماديّة للمرأة هو مفتاح تحررها الشامل. هكذا ترى نادية دو موند أن “النساء تستعمل كجيش احتياطي للصناعة (ماركس) في الاقتصاد الرأسمالي – يُدمِج في فترات التوسع الاقتصادي ولكنه يُسرِّح في فترة الانكماش الاقتصادي أو فترات الأزمة… ويتم تبرير هذه الممارسة بفكرة ايديولوجيّة مفادها أن الرجل هو من يلبي أساساً حاجيات الأسرة، وأن المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل كربة بيت. وتستخدم النِّساء مكان قوة العمل الذكوريّة لأضعاف الطبقة العاملة وتقسيمها. كما تستعمل النِّساء بطبيعة الحال في أقسام “ضعيفة” و”هامشيّة” من الطبقة العاملة كما هو حال المهاجرين والمهاجرات”.

تجد الفلسفة بصيغة المؤنث إذن شرعيتها في طبيعة الموضوعات التي تناولتها تلك الوجوه المنتقاة بقليل من التفصيل، ولكن بعمق فلسفي حي يروم إبراز دورها في تاريخ الفلسفة المعاصرة.

 

شاهد أيضاً

بيتر سلوتردايك: فتجنشتاين

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي نصف قرن تقريبا بعد وفاته، ما يزال اسم الفيلسوف لودفيغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *