الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / فِيمَ تُفيدُ الفلسفة اليوم؟ أطروحات غير مكتملة

فِيمَ تُفيدُ الفلسفة اليوم؟ أطروحات غير مكتملة

الدار البيضاء: العلوي رشيد

“فيم تفيد الفلسفة اليوم، سؤالٌ يحكُمهُ الانصات بالفِعل لِهَمِّ الفلسفة بِما هو هَمّ هذا الكون”.

يتعلق الأمر بسؤال طرح في تاريخ الفلسفة بصيغ عديدة، واتخذت مقارباته وجهات مختلفة في الفلسفة الغربية وفي الفلسفة العربية على حد سواء. ينطوي السؤال: فِيمَ تُفيدُ الفلسفة اليوم؟ على نزعَةٍ نفعيّة – برغماتيّة من جهة لا تقل عن نفعيّة أُجرة الفلسفة، وعلى همٍّ فكريٍّ – معرفي من جهة أخرى لضمان استمراريّة الفلسفة واستقرار الأوضاع على حالها. ولهذا نتساءل: هل تُتقِن الفلسفة وظيفة إعادة الانتاج؟ ألا ينبغي لها أن تنخرط في مهام أخرى؟ هل ستصِيرُ الفلسفة مُنقِذاً من الضلال؟ هل تكمن وظِيفتُها البرغماتيّة في مسايرة الايديولوجيّة السائدة في الوقت الذي تستكِينُ في وظيفتها المعرفيّة إلى نقد الايديولوجيا؟

1 – الفلسفة والإرهاب: ابتزاز ما بعده ابتزاز

من البديهي جداً أن يتحلى الفلاسفة بنزعة إنسانيّة كوسموبوليتيّة حيث ينشدون الحق والعدل، ويطمحون إلى تحقيق السلم الدائم بين الشعوب، ولا أجد أحداً منهم دافع عن الإرهاب وعن قتل الناس والفتك بهم. وفي المقابل بحث الفلاسفة عن مصوغات نظرية وعملية للخروج من التيه الذي يعيشه العالم في عصر العبث والعدمية. ولقد فكر جاك دريدا J, Derrida ويورغن هابرماس J, Habermas معاً في أحداث 11 شتنبر 2001 وقدما مناظرة فلسفيّة في غاية الأهميّة. غير أن العديد من فلاسفة العصر قد اتخذوا الحذر كل الحذر من السقوط في لعبة التوازنات الدوليّة حيث موازين القوى غير متكافئة بين قوى تحكم العالم بقبضة من حديد وتجعل ما عداها مجرد دول في خدمة سيادة عظمى، وبين شعوب لا قدرة لها على الخروج من تخلفها بسبب ازدواجيّة التسلُّط.

لا شك في أنكم جميعاً تحسون وتدركون أن اختلالات العالم تعود إلى التحكم الكلياني للشركات المتعددة الجنسيات في 90 % من خيرات الكوكب الأزرق، وإلى قبول الساسة عالمياً بهذا التحكم وتسويغه والدفاع عنه وكأن مصالحهم مشدودة إلى ضغط هذه الشركات كقدر لا محيد عنه.

2 – الفلسفة والسياسة: لا تطابق ولا انفصال

لا أحد ينكر الصلات البينة بين كلا المجالين، وسيكون من قبيل المجازفة إقامة حد فاصل بين الفلسفة والسياسة، غير أن تلك الصلات تطرح استفهامات عدة، من جهة أن الفلسفة السياسية ليست هي فلسفة السياسة وليست هي علم السياسة، ومن جهة أن السياسة ليست هي السياسات ولا السياسي.

لا يوجد أي تطابق كلي بين الفلسفة والسياسة ولا أي انفصال بينهما، ففي الوقت الذي تتجه فيه السياسة – بتعبير سلافوي جيجيك S, Zizik – نحو الاهتمام بقضايا الشأن العام، نحو إيجاد أجوبة عمليّة وملموسة لمشكلات البشر، تتجه الفلسفة نحو إثارة المشكلات التي تعترض البشر في وجوده الملموس. وبهذا المعنى لا يمكن للفلسفة أن تلعب أدواراً سيّاسيّة كتلك التي تلعبها الأحزاب والجماعات الضاغطة وتنظيمات المجتمع المدني، كما لا يمكن للسياسة أن تقوم مقام الفلسفة.

صحيح أن الفلاسفة لعبوا أدوارا سيّاسيّة في الدفاع والتنظير والتشريع لأنماط سيّاسيّة معينة ضد أخرى، غير أنهم لم يفعلوا ذلك باسم الفلسفة بقدر ما فعلوا ذلك كمواطنين في مجالهم وشأنهم العام. وكثيرة هي الخطابات التي روجها الفلاسفة حول إصلاح الفلسفة وحول مستقبل الفلسفة كما فعل لودفيغ فيورباخ L, Feuerbach، وحول نهاية الفلسفة وضرورة تحولها إلى حارس ايديولوجيا البروليتاريا كما فعل كارل ماركس K, Marx، أو مماهاتها مع النظام العقلي – الواقِعي لحال ألمانيا مع جوروج وليام فريديريك هيجل G, W, F, Hegel، وحول صياغتها للدّستور كما فعل أرسطو Aristote وإيمانويل كانط E , Kant وهابرماس. وفي المقابل كثيرةٌ هي الخطابَات التي روَّجها الفلاسفة حول هدم القيَّم كما فعل فريديريك نيتشه F, Nietzsche، وحول نقد الدِّين (كما فعل فيورباخ وآخرون) ورفض رؤى للعالم بعينها، وحول حاجتها إلى الانخراط في عبثيَّة الوجود…

إن ازدواجيَّة الخِطاب الفلسفي وانتقاله من القضيّة إلى نقيضها لهي سمة طبعت تاريخاً مديداً، وجعلت من الفكر الفلسفي فكراً مشروطاً بعصره فكراً زمنياً ومكانياً وسيَّاقيّاً. هكذا نظرت حنة آرنت H, Arendt لمناهضة التوتاليتاريا وتصحر العالم وواجه لينين النزعة التجريبيّة، ووقف جيجيك ضد آلة الرأسماليّة الجهنميّة، وفضح ثيودور أدورنو T, Adornoوماكس هوركهايمر M, Horkheimer وهربرت ماركيوز M, Marcus نزعة الاستهلاك المتناميّة في المجتمعات الصناعيّة، ونظر فرانز فانون F, Fanon للمعدمِين، وأسَّس برتراند راسل P, Russel ومن معه لمحاكمة الصهيونيّة.

لقد صرخ ماكس هوركهايمر يوماً: “في مملكة الشَّر التوتاليتاريّة، يدين الإنسان بقدرته على المحافظة ليس فقط على وجوده بل على هويته أيضا إلى الصُدفة وحدها… لذلك فإن كل فلسفة تفكر في إيجاد السِّلم في ذاته، في حقيقة ما، لا علاقة لها بالنظريّة النقديّة”.

4 – من قاعة الدرس الى إعلان باريس “من أجل الفلسفة” 1995:

ثمّة جدلُ صاعِد ونازِل بين ما يجري في حصة مادة الفلسفة وبين ما راج في “إعلان باريس من أجل الفلسفة” (بيان الفلاسفة) الذي دعمته وأعدته اليونسكو في 15 / 16 فبراير 1995، ففي درس الفلسفة داخل الفصل الدراسي يستشهد المدرس بأقوال فلسفيّة ويستحضر فلاسفة بعينهم لمقاربة إشكاليّة فلسفيّة، ويتخطى مختلف مراحل تاريخ الفلسفة خِفية بوعي أو عن غير وعي فمن طاليس إلى هابرماس، ثمة مسافات زمنيّة غير هينة، ويغطي مختلف المجالات المعرفيّة: العلوم، الأخلاق، السيّاسة، الفن، الأدب، الاقتصاد، الانثربولوجية، التاريخ، القانون… يعلم الطلبة فن التوليد والمناقشة الحرة وطرح السؤال، واحترام الرأي، ويؤدّبهم عبر سلسلة معقدة من العمليّات: مراقبة الدفاتر، الغياب، التشجيع والتنويه، الامحانات…

وفي بيان “مجلس الفلاسفة” تناقش كبار الفلاسفة حول قضايا الديمقراطيّة وحقوق الانسان والحريات العامة والمواطنة والتعدديّة الثقافيّة والحق في الاختلاف الجنسي، ناهيك عن سعيهم الدؤوب نحو تعميم تدريس الفلسفة في كل بقاع العالم، كما تناقشوا حول وضع الدرس الفلسفي وهواجس تكوين المدرسين ومآلات مناهج التدريس مع السعي نحو تنزيل التطبيقات الفلسفيّة الجديدة…

لا يخفى عليكم أن هذه الحركة المزدوجة من الفصل إلى المجلس ومن المجلس إلى الفصل ليست بالأمر الهين رغم ما يمكن أن يقال عنها حول الايديولوجيا التي تسعى إليها اليونسكو وحول وجود هيئة أركان فلسفية دوليّة تتدخل في شؤون الدول الوطنيّة.

تكمن قيمة هذه الجدليّة في نظرنا في هذا الربط العجيب وغير الميكانيكي بين الكوني والخصوصي، بين العالمي والمحلي، بين الإنسانيّة والأنا الفرديّة. ففي هذا الجدل الصاعد والنازل تكمن حيوية التفلسف، وتضمن الحفاظ على ذاتها وتراثها أي على عملية إعادة إنتاج الفكر الفلسفي وفق قضايا العصر ووفق انشغالات اليومي. إن عملية التكرار والترداد الممل كل سنة لنفس المواقف ولنفس الاشكالات ولنفس المفاهيم ولنفس الأفكار رغم إحساس المدرس بالملل وبالروتين، هي عملية ضرورية لضمان الحفاظ على التراث الفلسفي ولضمان الظفر بمريدين أو بعشاق محتملين لهذه المادة.

في مختلف جامعات العالم نجد متخصصين في بعض الفلاسفة أو في ثيمات معينة أو في إشكالات محددة، وهناك من يقضي حياته كاملة وفاء لتخصصه، وهو تقليد راق جداً بالمقارنة مع ما يجري في جامعاتنا مع استثناء بعض الأسماء الذين تعرفونهم جيداً والذين كرسوا هذا التقليد وزرعوه: محمد المصباحي وجمال الدين العلوي وسبيلا وأبي يعرب المرزوقي وحسين مروة وسامي النشار والجابري وغيرهم… إننا بحاجة إلى هذا التقليد وإلى إعادة إحيائه والدفع به وتشجيع الباحثين لسلوك سبيله. لذا فصحيح أننا بحاجة إلى “عمال الفلسفة” بتعبير نيتشه، أولئك الذين يهدفون من وراء أعمالهم إلى إيفاء إشكاليّة أو فيلسوف أو منهج أو مذهب حقه في البروز والتشيع.

من المستحيل تصور قطيعة بين هذين البعدين لأن هناك ثقوب سوداء تمثل جوهر هذا الجدل النازل والصاعد، والتي يمكن تلخيصها في: ثقب اللغات، ثقب التخصص الأعمى، ثقب الانفصام…

الثقب الأول: من المستحيل ضمان استمرارية الجدل النازل والصاعد دون لغات متعددة ومتنوعة تعكس تنوع وتعدد ثقافات العالم، تحضر في المدارس والجامعات بشكل قوي، لان غيابها وضعف إتقانها سيقودنا إلى فقدان القدرة على نقل ما لدينا إلى غيرنا، ولا لنقل ما لدى الغير إلينا.

الثقب الثاني: إن الاعتقاد بكونك وبكوني أنا متخصصاً في الفلسفة أو في علم النفس أو في السوسيولوجية بل وفي أحد فروع هذه المجالات يحول دون إدراك الروابط القائمة بين مختلف فروع المعرفة، ووحده التفكير النقدي يمكننا من بيان الترابطات تلك ومن بيان تهافت الدعاوي التي تنكر الصلات بين المعارف، فالبشرية واحدة لم تقتسم بعد ما راكمته مع حيوان آخر. البشرية فهم وسلوك وفعل وأثر – هذا المصطلح الفعّال عند آرنت – يتحقق في الزمان والمكان ولا ينتظر أن يتحقق في عالم آخر غير العالم الذي نحن فيه، نحن فيه ونحيا فيه ونفعل فيه، وبدون فعل لا وجود ولا معنى لهذا العالم.

الثقب الثالث: خارج الانفصام يوجد السواء – لا أؤمن بالسواء بالمعنى المتداول أي الانكماش والركون للأوضاع والاستسلام لسلطة ما غير سلطة الذات على نفسها – يوجد الانسجام بالمعنى الأبيقوري للكلمة بين العدد والنوتة (الموسيقية)، بل التناغم بين الاحساس والتعبير (حتى لا نقول المعنى لأن هذا الاخير يحمل التأويل)، فأن تكون منفصماً في فكرك وتعبيرك وآرائك معناه أنك لم تتجاوز بعد مستوى الدوكسا. ثمة خيار واحد بين إثنين: إما أنك أنت هو هو وإما أنك لست أنت بل سواك.

شاهد أيضاً

استكتاب لموقع كوة حول وضع تدريس الفلسفة

يسعد موقع كوة التوجه الى مدرسي الفلسفة في مختلف البلدان المغاربية والعربية والمفكرين والمثقفين للكتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *