الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / في الحاجة الى تجديد الخطاب الفلسفي

في الحاجة الى تجديد الخطاب الفلسفي

الدار البيضاء: العلوي رشيد

1 – بأي معنى يمكن للفلسفة أن تكون مادة للتدريس والبحث؟

المفارقة: تجد الفلسفة امتداداتها واستحسانا لدى الادباء والفنانين والعلماء والمفكرين وحتى الساسة في حين أن أهلها قلقون: كل إصلاح لها يثير حنق وهلع أهلها ويؤدي الى الرفض جراء التخوفات من مآلها ومستقبلها ولكن في الأخير يقبلون: كيف نفسر هذا؟

وجد تدريس الفلسفة نفسه عرضة أو ضحية هذا الفصل الفض والمشؤوم المفروض تدريجيا في التعليم الثانوي والعالي بين الآداب والعلوم، حيث صارت الفلسفة متعبة جراء اعتبارها تخصصا أدبيا: تقليد النموذج الفلسفي، غير أن هذا الفصل يعود في الحقيقة الى عصر كانط الذي خاض صراعا مريرا عبر عنه في كتابه “صراع الكليات”، حيث صرخ أمام تهميش كلية الفلسفة مقابل الإعلاء من شأو كليات الحقوق والطب لأنها تخدم الايديولوجيا السائدة، وتتقن عملية إعادة الإنتاج. فهل نستطع أن نتجاوز تقليد ارث التدريس بالنصوص؟ إن هذا العمل التكراري في الحقيقة بقدر ما هو مفيد فهو أيضا مضر بالفلسفة.

أين نحن اليوم؟ إننا لانزال في درجة الحفاظ على التراث الفلسفي وعلى الأدوات الأكثر عراقة: التوليد والتساؤل والترداد الممل ولكن الحقيقة أن إرثنا التاريخي للخطاب الحجاجي لا يزال ضعيفا جدا علينا أن نتجه صوب إعادة الربط بين الفلسفة وباقي المجالات العلمية والقانونية: الاتجاه صوب التفكير العلمي والقانوني والسياسي والتقني والاخلاقي والانثربولوجي والمنطق… إذا اعتبرنا أن الفلسفة هي فن طرح السؤال في كل مجالات المعرفة أي نمط من الحجاج الذي يسمح للبشر أن يفكر في ما يؤرقه موجها بمنظور كوني وغايات انسانية.

2 – في الحاجة إلى تجديد الخطاب الفلسفي

يستند الإقرار بالحاجة الى تجديد الخطاب الفلسفي المدرسي على الواقع المزري الذي آل أليه وضع تدريس الفلسفة، وهو ما يمكن إجماله في:

  • غياب المناقشة داخل الفصول الدراسية، بحيث تحول الدرس الفلسفي إلى مجرد تدريس للنصوص بشكل ميكانيكي لا يسمح للمتعلم بالخوض في النقاش الحر؛
  • طغيان المقاربة الديداكتيكية والتسليم بمجموع الوصفات الجاهزة وكأنها قدر لا مجال للشك في نجاعتها
  • اكراهات لا تتعلق لا بالمدرس ولا بالمتعلم وإنما بالمنظومة التعليمية ككل: إيقاعات الزمن المدرسي، توزيع الحصص، عقم بعض المذكرات المنظمة للشأن الداخلي وعدم مراعاتها للبعد التربوي في سير العملية التعليمية – التعلمية
  • ضعف التكوين الذاتي لدى المتعلمين، وغياب تحفيزهم على القراءة والمناقشة والتحليل…

تنضاف إلى هذه العوامل تمظهرات جمّة لا تخفى على الممارسين في واقعهم اليومي، لكن رغم كل ذلك فإننا مفعمون بالأمل (كل الأمل) في تجاوز هذه الوضعية وقبل أن نتلمس بعض الخيوط التي يمكن أن تنير الدرب نتساءل: ماذا نقصد بالخطاب الفلسفي؟

يتضمن الخطاب الفلسفي (كأي خطاب: أدبي، علمي، سياسي، فني…) رسائل موجهة لجمهور محدد في سياق خاص لغايات معينة، ويسعى إلى الإجابة على جملة إشكالات معلنة أو غير معلنة أو على الأقل إعادة طرحها من جديد بغية تحفيز التساؤلات وفتح المناقشة في صفوف المعنيين. ويرتكز على حجج وبراهين تسير في اتجاه بيان المفارقات الثاوية وراء الاشكالات المطروحة لصياغة أطروحة متماسكة بهذا القدر أو ذاك بغرض عرضها أمام جمهور معين. غير أن نظام الحجج يفترض نزع الطابع الوثوقي عن الخطاب الفلسفي لجعله خطاباً محفزاً للنقاش وتبادل الرأي.

ينتج المدرس بشكل مستمر ويومي خطاباً فلسفياً موجهاً للمتعلمين، وقد يكون خطاباً خاصاً به كفرد يدلي بدلوه حول القضايا التي يعالجها، وقد يكون خطاباً مستوحى من متون فلسفيّة حسب زاده المعرفي وتكوينه النظري الذي تسلح به في مراحل معينة من حياته، إلا أنه في كلتا الحالتين يتخذ لبوسات عدة: أخلاقية، إيديولوجية، سياسية، دينية، ثقافية…

لا ينفصل الخطاب المنتج داخل الفصل عن مجموع الشروط السياقية التي تحيط به والتي عادة ما ترتبط باليومي وبما يدور في المجتمع من قضايا وإشكالات متداولة في الاعلام العمومي ويعجز النقاش العمومي الرسمي عن مقاربتها بشكل موضوعي. غير أن هذا الخطاب لا يتحاشى الدخول في المناقشة الحرة، لأن الهوة ساحقة جداً بين المتعلمين والمدرس، ولا يراعي هذه الخصوصيّة إلا عند المربي الذي يتقن فن إدارة الخطاب. وهنا نثير الانتباه إلى هذا التمايز الصارخ بين المدرسين: لماذا يجد البعض منهم الطريق نحو مقاربة الاشكالات والقضايا الراهنة دون أن يفرض بعض الوصاية على مريديه، في الوقت الذي يمارس البعض الآخر الوصاية الكلية على المتعلمين؟ هل نستطيع أن نترك الخطاب الوثوقي بعيداً لصالح خطاب حجاجي يحترم الآراء ويعطي للمتعلم حقه في صوغ رأيه بكل حرية؟ كيف السبيل نحو خطاب فلسفي حجاجي يرتكز على الممارسة متحرر من سلطة النصوص؟

3 – رهانات الدرس الفلسفي:

ماذا عساه يفعل مدرس الفلسفة بعد أن يفرغ من وظيفته التربوية والتعليمية؟

يبدو أنه آن الآوان للتمييز بين الأستاذ العمومي والمفكر الحر بغرض حصول انتقال واع من الدور الوظيفي إلى الدور الطبيعي. نعم أقول الدور الطبيعي لأن المنخرط في حركية ودينامية الفكر الفلسفي تنتظره مهام جمة لدعم التفكير الحر وحفز الناس على التساؤل والنقد والهدم وبناء الخطاب الحجاجي.

يقوم الأستاذ العمومي بمهام وظيفية منهكة لا تتجاوز سقف إعادة إنتاج المتداول في تاريخ الفلسفة كعملية لا تكتمل أغلب الظن بل تشوبها اختلالات فضيعة، وتضمن له تلك الوظيفة أجرة (كجراية لا غير) لتجديد قوة عمله الذهنية (في عصر بلترة العمل الذهني)، في حين يتجه المفكر الحر نحو الانفلات من تقلبات اليومي وانشغالات الوظيفي ليكتسح قارات حساسة منتقاة من المعيش ومن معاناة البشر في عالم توتاليتاري مسكون بأصنام غير واعية: الاستهلاك، الاستغلال، اللهو، الوهم، التسليع…

التسليع: أكبر صنم عززته الرأسمالية وشرعت له الليبرالية، يخترق وجدان الإنسان المعاصر بشكل جنوني ولا نستطيع الانفلات منه.

الاستهلاك: صنم ثنائية الطلب والعرض يقود إلى إيهام الناس بأن الرفاهية تكمن في القدرة على الاستهلاك المفرط والجنوني دون الانتباه إلى الخطر الذي يحدق بمصير الكوكب. ويؤدي العماء السلعي جراء الوفرة الملحوظة في الأسواق إلى استلاب حقيقي لمعنى الحياة ولفن العيش.

الوهم: لا أحد منا بممكنته التخلص من أوهام العصر التي هي أوهام الذات حول نفسها وحول العالم. وهي أوهام شتى تحيط بالبشر من كل حدب وصوب، وصارت أقنعة لا بد منها لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي والمادي والسياسي أيضا. تأتي الأوهام من التنشئة الاجتماعية ومن القلق المفزع الملازم للحياة المعاصرة.

اللهو: يزداد اليقين أن اللهو هو الطريق الملكي نحو السعادة، في الوقت الذي لا يعدو أن يكون غير لعبة لتجديد قوة العمل يدويا كان أو ذهنيا. فلماذا نلهو وفي أي سياق؟ لا نلهو لأننا لهاة بالطبيعة، وإنما لأننا مرهقون من فرط الاستغلال، لأننا مبعدون كليا عن شروط حياتية طبيعية، نسكن الأقفاص حيث تحيط بنا الجدران من كل صوب، ونخرج إلى الجدران، لنسير بين الجدران، تلك التي تصد في وجهك أي أفق بصري.

إن الاستكانة لأصنام العصر يوصد الأبواب أمام التفكير الحر، ويجعل الأستاذ العمومي في ترداد واجترار لعبارات وأقوال عادة ما تصطدم بآراء المتعلمين.

4 – نحو فلسفة أخرى:

  • ليست الفلسفة مجرد مفاهيم ولا مجرد لغة تسبح في سماء المعقولات بل هي فكر حي ينمو ويتطور بيننا، إنها إحساس وشعور ووجدان.
  • ليست الفلسفة مجرد ميدان معرفي وفكري قائم الذات له أهله، بل هي أيضا توجد في الفنون والأدب والعلم ورؤى العالم وفي الدين، توجد بين الناس في يومهم المقيت والمثقل بفيض من التمردات والمقاومات الجياشة…
  • ليست الفلسفة مجرد مهنة لتجديد قوة العمل الذهني، بل هي ممارسة يومية تكرس النقد وتسعى الى بناء نظام حجاجي عقلاني.
  • ليست الفلسفة مجرد تراث محفوظ في الكتب، بل هي أيضا تراث شفوي يدعم المكتوب والمتداول.
  • ليست الفلسفة رهينة الاقسام والمدرجات بل هي فكر ترحالي يجوب الشوارع والمقاهي والبلدات

من المؤكد جدا أن هذا لا يعني السعي نحو الابتذال ولكنه يقف ضد من يختزل الفلسفة في التفكير المجرد والميتافيزيقي ويشحن المتعلمين بالمثاليات، في سبيل فلسفة فعل تتجذر في تربتها وواقعها وتواكب وتفعل في الممارسة العملية للناس، للمهمشين للمضطهدين وللمقصيين من دائرة الإنتاج، فلسفة تنبني على الاحساس والانفعال والشعور، فلسفة تستشعر عمق الذات الإنسانية كما نحياها… فأي نفع وفائدة وأية غايات للفلسفة غير هذا؟

شاهد أيضاً

استكتاب لموقع كوة حول وضع تدريس الفلسفة

يسعد موقع كوة التوجه الى مدرسي الفلسفة في مختلف البلدان المغاربية والعربية والمفكرين والمثقفين للكتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *