الرئيسية / كتاب كوة / سعيد ناشيد / دوائر الاستبداد الثلاث

دوائر الاستبداد الثلاث

هل أصبحنا أخيرا محشورين في الزاوية الضيقة بين مطرقة الإرهاب وسندان الترهيب، إرهاب التطرف الديني وترهيب الاستبداد السياسي (أو كليهما)، أم أن الأمر مجرد بؤس في الرؤية ويأس في النظرة.

العرب سعيد ناشيد [نُشر في 2016/08/01، العدد: 10352، ص(8)]

هل أصبحنا نقف أمام مفترق الطرق بين طريقين اثنين لا ثالث لهما؟ هل غدونا أمام قضيتين اثنتين ثالثتهما مرفوعة بلغة المناطقة؟ هل صرنا الآن، وربّما كنا على الدوام، أمام أمرين أحلاهما مرّ: إما تطرّف ديني يحرق اليابس ويسحق الأخضر على منوال ما تفعله جماعات داعش والنصرة والقاعدة وبوكو حرام، وإما استبداد سياسي جائر يمسح الأرض من الفكر والثقافة، ويمنع النقاش العمومي الذي يصقل الوعي ويهذب السلوك، ثم يأخذ الناس بالظنة ويعاقبهم لمجرّد الشّبهة، ويلقي الرعب في قلوب الأحياء، وكل هذا لقاء أمن مسيج بأسوار الخوف والتّرهيب، على طريقة الأسد والقذافي وبن علي إلخ، دون أن ننسى أنّ الوصفة أحيانا قد تكون مزيجا من التطرّف الديني والاستبداد السياسي، على منوال الخميني والنميري والترابي، ومن يدري ربّما أردوغان سائر اليوم على نفس الطريق، إلخ.

هل أصبحنا أخيرا، وربما دائما، محشورين في الزاوية الضيقة بين الإرهاب والترهيب، إرهاب التطرف الديني وترهيب الاستبداد السياسي (أو كليهما)، أم أن الأمر مجرّد بؤس في الرّؤية ويأس في النظرة؟

لن أتردّد في ترجيح الإجابة الثانية، وهي إجابة قد تدفعنا إلى الغوص في البنيات الذهنية التي تحكم رؤيتنا إلى العالم والطبيعة والأشياء. ولا بأس بهذا الغوص ولو قليلا لكن سنحاول البدء من نقطة البدء:

اعتاد الفقهاء على ترديد عبارة اشتهروا بها وشاعت بينهم: بين ضررين اثنين نختار بالضرورة أخف الضررين. بمعنى، أننا بين الفعل السيء والفعل الأسوأ يجوز لنا أن نختار الفعل السيء بلا تردد. ما معنى هذا الكلام؟ معناه أننا سنختار الاستبداد على الأرجح طالما أن البديل الآخر يبقى أسوأ حالا: الفتنة. هذا ما فعله الفقهاء بالتمام. ثم أنهم قالوا ومازالوا يقولون: إمام جائر خير من عدمه. ظاهريا، تبدو المسألة بهذا النحو كأنها تريح بال بعض الحكام من صداع النقد ولو لبعض الوقت. لكن الوجه الآخر للمسألة يخفي فتنة نائمة على الدوام تحت رماد الاستبداد: ماذا يحدث عندما نصبح فجأة أمام تنوع في العروض؟ ماذا يحدث في هذه الحالة لا سيما وأن السؤال حول جواز إمامة المفضول بوجود الأفضل لم يتم حسمه إلى الآن، ولا سيما أيضا وأن شروط الإمامة بقيت تقديرية يغلب عليها الطابع الانطباعي في معظم الأحيان؟ لهذه الأسباب ظلت الفتنة ترقد باستمرار داخل الفجوات الفاصلة بين كل الجماعات والفرق والخلايا الدينية، فلا تنطفئ بمقدار إلا لكي تشتعل بمقدار.

في واقع الحال، حتى من دون الحاجة إلى تفكير عميق، ستبدو معادلة “أخف الضررين” كأنها حل ناجع ومسلك إجرائي فعال، لا بديل عنه غير المآلات الأشد سوءا. لكن، تكمن المعضلة في تلك العبارة بالذات “حتى من دون الحاجة إلى تفكير عميق”. إنها في واقع الأمر ليست مجرّد عبارة عرضية كما تبدو، لكنها قضية كبرى تصنع الفرق بين عقل مهموم بالتفكير، وعقل مهجوس بالتبرير.

لا بأس أن نتجرّأ على التفكير في تلك “البداهة الفقهية”: العمل بأخف الضررين. والحق يقال، علينا التجرؤ على التفكير في كل البداهات بلا خوف أو تردد، وإلاّ فما معنى التفكير إذن؟ ما جدوى التفكير أصلا؟

بالجملة، ماذا نلاحظ؟ في سياق عقل ذرائعي لا يعمل إلا تحت إمرة الأمر الواقع، جرّاء توازن المصالح وموازين القوى، على طريقة العقيدة الجبرية، وفي ما يسميه البعض من باب المزايدة بفقه الواقع (التمكين، الغلبة، المنعة، قدر الله، غضب الله، إلخ)، قد تبدو المسألة كأنها حل نافع في أجواء مفعمة بالتدافع والاحتراب. لكن، هل أحوال التدافع والاحتراب هي ما يجب أن نصبو إليه في ممارستنا السياسية؟ طبعا في السياسة هناك “ما يكون”، أي الوقائع، وهي أمور تحددها توازنات المصالح، لكن هناك أيضا “ما يجب أن يكون”، أي القيم، وهي الأمور التي تحددها ملَكة العقل عند الإنسان. إن قوة الحضارة المعاصرة لا تكمن دائما وبالضرورة في “ما يكون”، وإنما في تحديدها لما “يجب أن يكون”: المساواة بين البشر، وحدة النوع البشري، كونية العقل التشريعي، تقليص دائرة العنف، تقليص دائرة المقدس، الحريات الفردية، التطلع للهجرة إلى ما وراء النجوم. بمعنى أننا أمام أفق تفكير غير مسبوق في تاريخ البشرية. في المقابل، لربما لا يزال يطغى على طريقة تفكيرنا الطابع الحسي الانفعالي: رد الفعل بدل الفعل، التبرير بدل التفسير، إصدار الحُكم بدل إعمال الفهم.

عودة إلى السؤال، هل صحيح أن الواقع يضعنا في كل أحواله أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما أم أننا فقط نرى العالم وفق شبكة قراءة محفورة مسبقا في أذهاننا على طريقة المنطق ثنائي القيم “إما وإما”؛ إما “الاستبداد أو الفتنة” كما يبدو ظاهر الأمر.. إما “الأسد أو لا أحد” وفق شعار أنصار النظام الأسدي في سوريا اليوم.. إما “الإسلام أو الطوفان” كما كان يردد الشيخ المغربي عبدالسلام ياسين؟ ألا يكون منطق “إما وإما”، ذو الطبيعة العسكرية، هو الفخ الكبير الذي يهدد العقل السياسي المدني في مجتمعاتنا؟

لا أذكر من قالها لكنها قيلت: حين أجد نفسي أمام خيارين اثنين، لا أتردد في قبول الخيار الثالث، وربما الرابع، وهكذا. بهذا النحو يشتغل ما يُسمى بالتفكير السياسي المبدع. أو هكذا يُفترض. في كل الأحوال، يبقى السؤال مطروحا على المثقف التنويري اليوم، وثمة من ينتظر الإجابة منه هو بالذات: في مواجهة تغول التطرف الديني هل يمكننا الرهان على الاستبداد السياسي؟

بإيجاز، بعيدا عن خلط الأوراق في مسائل الاستبداد السياسي، فإن الأمور بالنسبة إلى المثقف التنويري يمكن بسطها بالنحو التالي:

– الاستبداد سيء.

– أسوأ منه الاستبداد المدعوم برؤية أيديولوجية.

– أسوأ منه الاستبداد المدعوم برؤية أيديولوجية مستمدة من الدين.

هذه الدائرة الثالثة محكمة الإغلاق، تضرب بجذروها في أعماق الذهنيات والعقليات، هي التي سحقت قديما كل الفرق الكلامية ثم أبادت المعتزلة، وأفضت إلى ما يسمى بالانقلاب المتوكلي في التاريخ الإسلامي مدعوما بتديّن الغوغاء.. هنا بالذات يكمن المعنى الحقيقي لكلمة الانقلاب، ذلك الانقلاب الأكبر الذي لا يزال ساري المفعول في ثقافتنا الإسلامية إلى اليوم، في حين أن الخروج من الاستبداد أيا كان لونه، يعني الخروج من تلك الدائرة الانقلابية أوّلا: الاستبداد المدعوم بتديّن الغوغاء.

شاهد أيضاً

الوصايا العشر للفلسفة… الجزء الأول

سعيد ناشيد الوصية الأولى: اعرف نفسك بنفسك يتعلق الأمر بعبارة قالها سقراط مستلهما إياها من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *