الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / درس الفلسفة بالمغرب وسؤال الحداثة:

درس الفلسفة بالمغرب وسؤال الحداثة:

رشيد العلوي. طالب باحث – المغرب.

يبدو جلياَ من خلال الوضع العام للمدرسة المغربية والذي يمكن اعتباره وضعاً مأزوماً بشكل بنيوي أن نطرح السؤال التالي: هل يمكن للدّرس الفلسفي بالمغرب أن يكون فضاءً لنمو فكر الحداثة؟ هل يمكن لهذا الدرس أن يؤدي وظيفته النقديَّة اتجاه المجتمع والدولة معاً؟

مَرّ على استقلال المغرب أزيد من نصف قرن، ومرّ على سيّاسة المًغرَبَة والتعرِيب والتوحِيد ما يزيد عن ثلاثة عقود، ولا يزال الدّرس الفلسفي يُراوِح المكان إن لم نقُل بوجيز العِبارة أن واقِعه اليوم يستدعِي أكثر من تأمُّل. ما الذي يمنع من أن يكون الدّرس الفلسفي درساً في الحداثة والديمقراطيّة، درساً في العَقلنة والنَّقد البَنَّاء اتجاه كل ما هو ثابِت ومُطلق، درساً يُسائِل الأخلاق والقيّم والدّين والتقاليد والأعراف البَائِدة، درساً ضِد المُحافظة والفِكر الخُرافِي المُتغَلغِل والمُتعَشِّش في العُقول، والتَصرُفات والسُّلوكَات المُنافيَّة لثقافة حقوق الانسان؟.

كان مُبرِّر الهُجوم على الدّرس الفلسفي في المغرب هو انتِشار الماركسيّة وازدهار التيارات اليسارية الرَّادِيكاليّة في السبعِينيات من القرن الماضي، وتمَّ الإجهازُ على تدرِيس هذه المادة وإقحام الفِكر الإسلامي وقضاياه محلّ القضايا المعيشة والمرتبطة باليومي وبالحالة الرّاهنة للعالم. وبعد تطور الفكر السلفَي المتزمت واحكام قبضته على عقول الشباب بعد أربعة عقود ضد الحداثة والعقلانية والفكر النَّقدي، صار اللُّجوء إلى الفلسفة أمراً لا مفر مِنه. أليس هناك خيارُ آخر بين المُحافظة والحداثة؟

إن تحميل درس الفلسفة تبعات الصِراع السيَّاسي والايديولوجي القائِم في المجتمع مخاطِر عديدة على الفكر الفلسفي ذاتِه. ولهذا صار من الضروري فتح النّقاش العمومي حول وظيفة الفلسفة في المجتمع: كيف استطاع مدرس الفلسفة اليوم أن يكون هو أول حارسٍ للمعبد؟ بعد أن كان أول من ينتقد المعبد؟

لا يرتبط تدريس الفلسفة بالانتِماء الايديولوجي ولا السيّاسي، ولكن يجب أن يرتبِط بالوفاء للرُّوح النّقديّة التي حافظِ عليها الفلاسفة طوال تاريخ الفلسفة. كما لا يجب إلهاء المدرسين بالديداكتيك والنظريات البيداغوجية التي لا تُسمِن ولا تُغنِي من جوع ما لم يكن هناك درسُ فلسفي في مستوى الوظيفة النقديّة للفلسفة. ولا يعني هذا أن التدريس لا يخضع للمناهج والأدوات والوسائل التعليمية، والتي ينبغي أن تحضر دوماً في كل درس مع تنويعِها كل ما أمكن، ولكن لا يتوجب أن يتحول النّقاش حول المناهج والأدوات إلى غاية في ذاتِها، في حين يجب أن يكون مجرد وسيلة كي يؤدِي درس الفلسفة دوره ووظيفته النقديّة.

لا يسيء للفلسفة غير بعض المهتمين بشأنها وبتدريسها وتعليمها وترجمتها، ويمكن تسميتهم بأعداء الفلسفة من الداخل، في حين أن هناك عدواً خارجياً للفلسفة، يتمثل في السُّلطة التي تملك القرار في تعزيز الفلسفة داخل المنظومة التعليمية من عدمه، بحيث يمكن اتخاذ قرار في الحكومة أو الوزارة ضد الفلسفة، ففي كل المجتمعات توجد قِوى محافظة يمكنها الوقوف أمام الفكر الفلسفي بالنظر إلى ما قد يشكله من تهديد لبنيتها الايديولوجية التي تخدم مصالح كمشة معينة أو قوى معينة. لكنه لا يتوجب النظر إلى الفلسفة وكأنها طبيب المجتمع، أو “المُنقذ من الضلال” لأن من شأن ذلك أن يضر بها وأن يضعها في صف سيّاسي ضد صف سيّاسي آخر.

صحيح أن جزء كبيراً من المجتمع يساهم في انتعاش التمثُلات التي يحملها التِلميذ معه في أولِ لقاءٍ له بالفلسفة، وصحيح أيضاً أن القوى المحافِظة والرجعيّة تعمل ما بوسعها لمناهضة التفكير الفلسفي، إلا أن هذا الصراع سيظل حاضراً وباستمرار في الدينامية المجتمعية كمعبر عن صراع تيارات المجتمع واختياراته، ولكن ما الذي يمنع درس الفلسفة اليوم من أداء وظيفته؟

أيُّ درسٍ فلسفي؟

يتخِذُ الدرس الفلسفي صبغة عامة: هو درسٌ في الكليّة وفي الثانويّة وفي دور الثقافة والجامعات الشعبيّة (سابقاً)، وفي المقاهي واللقاءات، أي خارج المؤسسة التعليمية (الفضاء العمومي)… هو درسٌ بالمعنى الواسع للكلِمة. ولكن يستوجب التحليل هنا الحديث فقط عن الدرس الفلسفي في الجامعة المغربية وفي الثانويات.

  • عن درس الفلسفة في الجامعة: تعيش الجامعة المغربية أزمة هويّة في مختلف الحقول المعرفيّة والعلميّة… وترتبط هذه الأزمة بنيوياً بأزمة المجتمع ككل. وهي أزمة عامة تنعكس على درس الفلسفة حقيقة. إلا أن تدريس الفلسفة على العموم في الجامعة لم يعد قادراً على أداءِ وظيفتِه النقديّة، كما لم يعد قادراً على تخطِّي مُعضِلاتِه نتيجة التّغيرات والتّحولات التي وقعت في المغرب. وقد صار هذا الدّرس مجرد رؤوس أقلام تحفظ للامتحان، وليس محاضرات تساءل القيّم والثقافة والسُّلوكات والأحداث الرّاهنة التي تؤرق المجتمع. لا نجد اليوم أي مُبرِّرٍ كي لا يهتم هذا الدّرس بسؤال الحداثة، ولكن ليس بمنظور إعادة قراءة كانط Kant أو هيجلHegel أو نيتشه Nietzsche  أو فرويد Freud، ولا بتلقين دروس في التّحلِيل النّفسي أو في التعريف بالمشروع النقدي الكانطي، لأن ما يميز مجتمع المعرفة اليوم هو وفرة المعلومة ويُسر الوصول إليها، إننا بحاجة إلى تعليم طرق الوصول إلى ما يفيد البحث، وإلزام بتقديم بحوثِه بشكل أصيل غير منقول، والدفاع عن الأطروحات التي توصل إليها أو تقديم خطة بحث عمّا سيواصل فيه البحث، ودفعه أيضا إلى التساؤل حول مُمكِنات قيام الحداثة بالمجتمع المغربي، والدفع به للتشبع بالقيم الكونيّة وبالمنظومة العالمية لحقوق الانسان، والانخراط في هموم الوطن، والبحث في الاشكالات التي تعترِض مجتمعنا نحو التّقدم والحريّة والتّحرر.
  • عن درس الفلسفة في الثانوي: إن ربط درس الفلسفة بالامتحان الوطني يمثل أحد العوائق التي تقف أمام هذا الدرس، حيث صار رهين وحبيس النّقطة، فلم تعد الحاجة مرتبطة بتلقين قيّم معيّنة ولا بالتساؤل عن مشكلات معينة وإنما بالعمل من أجل الظفر برتبةٍ مشرِّفة. إلا أن هذا المشكل ليس وحده العائق، فما الذي يمنع نجاح الدرس الفلسفي في السنة الاولى والثانية من التعليم الثانوي التأهيلي؟ ما الذي يمنع من أن يقوم المُدرِّس بدوره كمربي على التفكير النّقدي، وكمتسائِل أول عن القيم السائدة؟ وما الذي يمنع مدرس الفلسفة من أن يكون الفاعِل الأول في الحياة المدرسيّة حيث التلاميذ بحاجة إلى تعلُّم أدوات التعبير عن الذات وعن الرأي، بحاجة إلى التساؤل عن هويته وادراكِها كما هي ليرفضها أو يقبلها؟ ما الذي يمنع هذا المدرس من أن يكون نموذجاً يقتدى به في حيّه ومجتمعِه الصغير؟

من البديهي جداً أن الترابُط بين المستوى الثانوي والجامعي قائم في علاقة جدلية لا ينكرها أحد. فأستاذ التعليم الجامعي يشتكي من ضعف مستوى الطلبة الذين يلتحقون بالجامعة، دون أن يسأل نفسه عن مصير أولئك الطلبة بعد أن يقضوا ثلاث سنوات أو خمس أو ثماني سنوات في الجامعة. كما يشتكي أساتذة الثانوي من ضعف مستوى الدّرس الفلسفي بالجامعة. أصبح التعليم في المغرب يعيش واقعاً محرجاً والكل يعرف عُمق الأزمة البنيويّة التي تطال البلد ككل وليس التعليم وحده. ولكن لا أحد يجرؤ على إعلان القطيعة الممكنة مع هذا الواقع.

ما مصير هذا الدّرس؟

صار من اللاّزم إعادة النِقاش حول واقِع الفلسفة بالمغرب اليوم، والبحث بجديّة عن المخارِج الممكِنة للأزمة التي نتخبط فيها بحدة. كما صار من اللازم إعادة التّأكيد على دور هذا الدّرس في الدفع بعجلة التقدم إلى الأمام. وهو ما ليس ممكنا إلا بإعادة النظر في الموضوعات المدرسة وفي الطرق التقليدية للتدريس، وفي الطابع التجاري (التسليع) الذي ينخُر جِسم الفلسفة. ولا سبيل غير الجرأة والشجاعة في طرح موضوعات: الدعاية، الجسد، الموت، الدين، الفن، الاختلاف، التعدد والتنوع، الخاص والعام، التواصل، النوع، الحق، العدالة، الدولة، الديمقراطية، الحرية، السعادة، العنف، الاقصاء، الغيرية، الاستبداد بالرأي… وهو ما يستدعي تضافر جهود الجميع.

 

شاهد أيضاً

استكتاب لموقع كوة حول وضع تدريس الفلسفة

يسعد موقع كوة التوجه الى مدرسي الفلسفة في مختلف البلدان المغاربية والعربية والمفكرين والمثقفين للكتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *