الرئيسية / كتاب كوة / سعيد ناشيد / الفلسفة والسلطة المضادة

الفلسفة والسلطة المضادة

قديما قال أفلاطون، مكان الفلاسفة هو السلطة اليوم بوسعنا القول، مكان الفلاسفة هو السلطة المضادّة (المجتمع المدني) ولعله الخيار الأفضل.

العرب سعيد ناشيد [نُشر في 2016/06/20، العدد: 10312، ص(9)]

كان أفلاطون يظنّ بأن السلطة هي المكان الطبيعي للفلاسفة. هل كان محقا أم لا؟ في كل الأحوال، ليس هذا هو السؤال المناسب. السؤال المناسب يحتاج إلى صياغة أكثر دقّة. بل، نحن أمام سؤالين اثنين: الأول، ما معنى القول إن الفلاسفة هم الأحق بالحكم؟ نقصد بالذات سؤال المعنى. لنقارب الإجابة، معناه أن الحكم لا يجب أن يقوم على أساس المشروعية الدينية الكهنوتية، ولا على أساس المشروعية العصبية السلالية. وهما المشروعيتان الوحيدتان وقتها عند كافة المجتمعات البشرية. بهذا المعنى فنحن أمام ثورة في مشروعية السلطة. السؤال الثاني، ما مبرر القول إن المكان الطبيعي للفلاسفة هو السلطة؟ نقصد هنا سؤال المعقولية.

لكي نلامس الجواب سنحتاج إلى شيء من التحليل: بادئ الأمر فنحن نتكلم عن تصور قديم للعالم، كان لكل شيء فيه مكانه الطبيعي بنحو قطعي ونهائي. لكن، حتى بهذا المعنى، هل السّلطة بالفعل هي المكان الطبيعي للفلاسفة؟ هل يستطيع الفلاسفة العيش داخل دائرة السلطة كما لو أنها مكانهم الطبيعي؟ إذا كانت الفلسفة تستدعي القدرة على إثارة السؤال، واستعمال الحس النقدي، وزرع بذور الشك في كل البداهات والمسلمات، فكيف نجرؤ على حمل كل هذه الألغام إلى داخل السلطة دون أن نفسد قواعد اللعبة؟ هل بوسعنا أن نمارس ذلك النوع من التفكير النقدي المتمرد، والذي يسمى بالفلسفة، ونحن متربعون على عرش السلطة؟ ألا تتطلب الفلسفة قدرا من الزّهد في “المغريات غير الطبيعية” بما فيها مغريات السلطة والمنصب والجاه؟ بعبارة واضحة: هل السّلطة هي المكان المناسب للتأمل والشك والنقد والتفكيك؟ يُحكى عن هيراقليطس أنه تنازل عن العرش لأخيه وتفرغ للحكمة في الأخير، ويقال بالمناسبة قول آخر، لو تمسك هيراقليطس بالعرش لكان شعبه قد كسب حاكما صغيرا، لكن البشرية كانت ستخسر فيلسوفا كبيرا. وإن كانت السلطة لا تبدو، ظاهريا على الأقل، بالمكان المناسب لممارسة الحكمة والتأمل والتفكير، فكيف يجرؤ أفلاطون على المجازفة بقلب المعادلة؟

لربّما هناك جزئية مهمة لا نظنّ بأن أفلاطون غفل عنها أو أغفلها، لكن لا بأس باستذكارها حتى نواصل التحليل: وُلدت الفلسفة رسميا مع سقراط (أب الفلسفة) الذي لم يكن يمارس نشاطه داخل دائرة السلطة، وإنما كان يعيش في فضاء الساحة العمومية (الأغورا)، حيث ظل يمارس شغفه الكبير بمحاورة الناس، كل الناس، لغاية المساهمة قدر الإمكان في تنمية قدرتهم على التفكير النقدي، دون أن يبشرهم في المقابل بأي حقيقة مطلقة. لم يكن سقراط ضدّ مبدأ الحقيقة من حيث هي كذلك، لكنه كان يعتقد بأن الحقيقة المطلقة والتي لا تخضع للنقد والشك والمراجعة تشل القدرة على التفكير ومن ثم تنتهي إلى تهديد مطلب الحقيقة؛ لأن مطلب الحقيقة أهم من الحقيقة نفسها، كما أن محبة الحكمة، كما أدرك اليونانيون، أهم من الحكمة، كما أن طريق الوصول، كما أدرك المتصوفة، أهم من الوصول.

لن نجانب الصواب إذا قلنا ما يلي: لم يكن مسقط رأس الفلسفة شيئا آخر سوى الساحة العمومية، وليس ضمن الوظائف الأصلية للفلسفة، تبعا لشهادة ميلادها، الوصول إلى مربع السلطة. ذلك أن السلطة في كل أحوالها مُلك يبلى ومجد يفنى، أما غاية الفيلسوف فمتعلقة بنوع آخر من المجد الذي يعمر طويلا. وهو محق في هذا المسعى. فبعد خمسة وعشرين قرنا عن إعدامه مازلنا نتكلم عن سقراط، ولا يزال أب الفلسفة يتحدّث إلينا ويعلمنا، ولا نزال نصغي إليه بشغف واهتمام كما لو أنه يعاصرنا، لكن، في المقابل، لا أحد يعرف شيئا عن الملك الذي عاصره سقراط. كما أن لا أحد تقريبا، يعرف اسم أخ هيراقليطس الذي كان ملكا. يقول نيتشه، “بعض الناس يولدون بعد موتهم”. فأي مجد يفوق هذا المجد؟ غير أن قدرة الفلسفة على الاستغناء عن السلطة لا تعني في المقابل أنها قادرة على ممارسة أنشطتها بفاعلية وبصرف النظر عن موقف السلطة من الفلسفة. المؤكد أن الفلسفة تفقد قدراتها الإبداعية حالما تضطر إلى مواجهة سلطة معادية. هذا ما حدث للفلسفة الإسلامية التي ضيعت الكثير من الجهد النظري في تبرير مشروعيتها في مواجهة سلطات فقهية معادية.

عموما، فإن السلطة قادرة على التخلص من الفيلسوف كلما أزعجها، وهو الذي يبقى في كل أحواله أعزل بلا عصبية تحضنه ولا منعة تحميه. هذا هو الدرس الذي استخلصه أفلاطون من إعدام أستاذه سقراط. في الواقع فقد كانت خلفية أفلاطون تحمل نوعا من الرغبة في الثأر الفلسفي من السلطة التي لا يمكن أن يُستأمن جانبها. يبدو أن أفلاطون قد تعلم من الدرس المؤلم لإعدام سقراط أن الفيلسوف لا يجب أن يبقى تحت رحمة السلطة، بل يجب أن يصبح هو صاحب السلطة. المعادلة واضحة: إما أن تمارس السلطة أو ستمارس عليك، إما أن تمارسها بحكمة لأنك فيلسوف، أو أنها ستمارس عليك بقسوة لأنك أيضا فيلسوف. في هذا الموقف لم يكن لدى أفلاطون أي أوهام. غير أن أفلاطون سيفتح الباب أمام مجازفة بلا ضمانات: هل يمكن للفلسفة أن تعيش داخل السلطة وبعيدا عن مسقط رأسها الذي هو الساحة العمومية؟ في واقع الحال لم ينجح أفلاطون في إدخال الفلسفة إلى السلطة، وهذا من حسن حظه ومن حسن حظنا، لكنه بعد أن أخرجها من الساحة العمومية فقد أدخلها إلى مجال آخر، الأكاديمية. بهذا النحو استطاع أن يضمن لها نوعا من الهدنة مع السلطة، لكنه حشرها في المقابل داخل الزاوية الضيقة للعمل الأكاديمي.

بخلاف الساحة العمومية فإن الأكاديمية فضاء تتحكم فيه السلطة الرّسمية بنحو شبه مطلق، لا مجال فيه للانفلاتات إلا في ما ندر، ومن ثمة فهو فضاء لا يزعجها بأي حال من الأحوال. وبهذا النحو أمكن للسلطة أن تستأمن جانب الفلسفة لمدة قرون طويلة.

لقد أكد أفلاطون، في مستوى النوايا على الأقل، أنه يسعى إلى تمكين الفلاسفة من السلطة، لكن الذي فعله في الواقع شيء آخر، النقيض؛ فعندما أدخل الفلسفة إلى الأكاديمية فقد أخضعها بذلك للسلطة. هذا يعني أن الفلسفة خرجت من الهامش الواسع والمنفلت (الأغورا)، ودخلت إلى الهامش الضيق والخاضع للسلطة (الأكاديمية الجامعة)، فلا هي تستفيد من حرية الفضاء العمومي كما كان يفعل سقراط، ولا هي تستفيد من القدرة على التحكم في القرار السياسي وفق النوايا المعلنة لأفلاطون. لكن، للإنصاف أيضا، لعلها الطريقة التي حافظت بها الفلسفة على نفسها، في عصر كانت فيه الهيمنة المطلقة لرجال الدين وحراس الكهنوت.

منذ نيتشه بدأت الفلسفة تدشن طريق الخروج عن الأكاديمية، ومن ثمة العودة إلى الحياة، وإلى الساحة العمومية، وإلى استثمار الإعلام العمومي، وإلى المشاركة في منتديات التواصل الاجتماعي، وبعبارة واضحة بدأت الفلسفة تعود إلى مجال التنوير العمومي. لكن، للإنصاف أيضا، فإن الخروج عن الأكاديمية بدأه فلاسفة التنوير الفرنسي، روسو، فولتير، ديدرو… وبذلك النحو مهدوا فكريا للثورة الفرنسية.

يكمن جوهر الثورة الفلسفية التي أحدثها نيتشه في أنه نجح في استبدال مسألة الحقيقة بمسألة المعنى. والفرق بينهما كبير: الحقيقة مفتوحة على التفسير، لكن المعنى مفتوح على التأويل؛ الحقيقة لا تكون إلا واحدة، لكن المعنى يقبل التعدد؛ الحقيقة هي منطق السلطة بمعناها الضيق، لكن المعنى هو منطق الحياة بمعناها الواسع. لقد فتح هذا المنحى أفقا جديدا للفلسفة المعاصرة، وسمح لها بالانفلات من قبضة الأكاديمية والعودة من ثمة إلى رحاب الحياة، لغاية تثقيف الناس، وعدم تركهم للدجالين والكذابين والمخادعين. بهذا المعنى، كان كتاب نيتشه “هكذا تكلم زارادشت” علامة فارقة، وكان توصيف بيتر سلوتردايك له في منتهى الدقة والبلاغة “الإنجيل الخامس لنيتشه”.

لقد أكد الفيلسوف الفرنسي آلان باديو في إحدى المناسبات بأنه لا يكتب لكي يقرأه الحكام، وإنما يكتب لكي يقرأه من يقرؤون، من يؤثرون على الرأي العام، من يصوتون وينتخبون ويقترعون، من يحسمون نتائج التصويت، من يؤثرون على قرارات السلطة داخل الأنظمة الديمقراطية، بمعنى، أنه يكتب لأغلبية المواطنين. ولأجل نفس الغاية يؤكد مشيل أونفراي تفرغه للجامعة الشعبية التي أنشأها وبلغت شهرتها الآفاق. ولذات السبب يقترح سبونفيل دروسا فلسفية داخل المؤسسات الإنتاجية. فضلا عن الحلقات الدراسية شبه اليومية لمعظم الفلاسفة الجدد.

والواقع أننا حين نستحضر معارك فوكو وتشومسكي وسارتر وهابرماس وباديو، ندرك بأن إستراتيجية الفلسفة المعاصرة تتعلق بدعم قدرات المجتمع المدني باعتباره نوعا من السلطة المضادة. ما معنى ذلك؟

إن كان أفلاطون قد حشر الفلسفة في الزاوية الضيقة عندما استدرجها داخل الأكاديمية بعيداً عن رحابة الساحة والحياة، إلا أنه لم يبتعد عن الصواب في ادعائه بأن الفلاسفة هم الأحق بالسلطة، لكن، لربما يحتاج موقفه إلى إجراء تعديل في الصياغة. ذلك التعديل هو ما يفعله الفلاسفة الجدد اليوم. فلاسفة اليوم لا ينشطون في موقع السلطة بمعناها الضيق، ولا على هامشها، وإنما ينشطون في مواقع السلطة المضادة (المجتمع المدني)، وبذلك النحو فإنهم يساهمون في الارتقاء بمستوى النقاش العمومي، وفي تنمية مستوى الذكاء الشعبي، وفي تثقيف الرّأي العام، وفي التنوير العمومي، ويبعثون الرّوح في رسالة سقراط. قديما قال أفلاطون، مكان الفلاسفة هو السلطة. اليوم بوسعنا القول، مكان الفلاسفة هو السلطة المضادّة (المجتمع المدني). ولعله الخيار الأفضل.

ربما بهذا النحو يكون قد تحقق هدف عزيز على أفلاطون: انتقام الفلسفة لمقتل سقراط.

شاهد أيضاً

الوصايا العشر للفلسفة… الجزء الأول

سعيد ناشيد الوصية الأولى: اعرف نفسك بنفسك يتعلق الأمر بعبارة قالها سقراط مستلهما إياها من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *