الرئيسية / تربية و تعليم / الحلقة العاشرة: مستقبل الجامعة المغربيَّة

الحلقة العاشرة: مستقبل الجامعة المغربيَّة

الحلقة العاشرة: مستقبل الجامعة المغربيَّة

عديدة هي القضايا التي تطرحها الجامعة كمؤسسة للبحث العلمي والأكاديمي، وكمجال للحياة الطلابيَّة في مختلف أبعادها السيَّاسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، فمنذ ما يقارب نصف قرن من الاستقلال لا تزال الجامعة المغربيَّة تراوح مكانها، رغم التوسع الذي شهدته جغرافيا، وبحكم القلق الذي يساورنا بخصوص وضع الجامعة المغربيَّة اليوم وغدا نتساءل: ما هو وضع الجامعة المغربية اليوم؟ وما هي الرهانات المنوطة بها كمؤسسة وكفضاء في الرقي بأوضاع البلد؟

في محاضرته الشهر الماضي استعمل عميد كلية الآداب بنمسيك – الدار البيضاء مصطلح: “تلاميذ – دكاترة”، في إشارة إلى التحول الذي وقع في الجامعة المغربيَّة على مستوى الفِئات التي تلتحق بها والتي فقدت صفة الطالب، حيث صرح أن السنوات الثلاثة التي يقضيها المتعلم في الجامعة لم تعد كافيَّة لا من الناحيَّة البيداغوجيَّة والمعرفيَّة فقط، لأن هؤلاء “التلاميذ” بتعبيره، سرعان ما يصبحون أساتذة – تلاميذ يدرسون – تلاميذ أمثالهم، ناهيك عمَّا يمكن أن يقال عن التلاميذ – الدكاترة. ما أثار انتباهي هو استعماله لهذا المصطلح للإشارة إلى غيَّاب صفة الطالب كما كان ينعم ويتمتع بها الشاب المغربي في مرحلة سابقة من تاريخ الجامعة المغربيَّة: فكيف حصل هذا التحول؟

مع نهاية الثمانينات سيكتسح مد حركات الإسلام السيَّاسي السَّاحة الجامعيَّة لمنافسة فصائل اليسار الفاعِلة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وبطبيعة الحال يتحمل النِّظام السيَّاسي مسؤوليته في قبر هذه المنظمة من خلال الحصار العملي والسيَّاسي لفصائِلها التاريخيَّة وتشدِيد خناقه على طلائِعها السيَّاسيَّة وأطرها. وأواسط التسعينيات سيبدأ التفكير في مراجعة الهندسة البيداغوجيَّة والتربويَّة للجامعة ككل كوصفة تيكنوقراطيَّة (أو تقنويَّة ان صح التعبير) سيتم تعميمها مع بداية نظام LMD: “إجازة – ماستر – دكتوراه”، والذي قلص عدد سنوات الدراسة إلى ثلاث سنوات في الإجازة وسنتين في الماستر وخمس سنوات في الدكتوراه. وما نجم عن ذلك من ضعف المكتسبات المعرفيَّة والمهاريَّة التي يتلقاها الطالب.

صحيح أن النظام الجديد كما هو معمول به في مختلف الجامعة في العالم بما فيها تلك التي تتمتع باستقلاليَّة نِسبيَّة عن هذا النظام الذي فرضته القوى الرأسمالية لغايات وأهداف استراتيجيَّة، ليس وحده كافيا لتفسير التحولات الجارية، بل إن في ضعف المقاومات والمعارضات – التي يمكن ان تقدم بديلاً ممكنا – السيَّاسيَّة والاجتماعيَّة تفسير مقبول، فيكفي أن ننظر مثلا إلى برامج أحزابنا السياسية في المغرب ولنتساءل: أي نموذج تريده هذه الأحزاب للجامعة؟ هذا إن كان لها فعلاً برنامج حول الجامعة. وتبقى جهود نقابة التعليم العالي ضعيفة للغاية ولا تستطيع أن تفرض تصورها ومقترحاتها على الوزارة الوصيَّة.

تهدف المقاربة التكنوقراطيَّة حول الجامعة إلى تسيِّيد منطق الطلب والعرض وتعزيز سيطرة القطاع الخاص على برامج وشعب وتكوينات الجامعة العموميَّة، بل وإدخال ثقافة البيع والشراء إلى المؤسسات الجامعيَّة العموميَّة بدعوى ربطها بالتنميَّة الوطنيَّة وبتطلعات الاقتصاد الوطني الذي صار يواجه هجوماً عولميا ولن يستطيع الصمود إلا بانخراط الجامعة في تحقيق تطلعات الباطرونا، هكذا تم فرض العديد من التكوينات ذات الصلة المباشرة بمصالح الرأسمال الخاص.

تدعي هذه المقاربة الاختزالية أن بإمكانها تحويل الجامعة إلى مجال للجودة والفعاليَّة من خلال ربط بعض الشعب والتكوينات بسوق الشغل، غير أن واقع الحال ليس كذلك، لأن المستهدف في نهاية المطاف هو تحويل الجامعة العموميَّة إلى جامعة خاصة، بغض النَّظر عن تناسل مؤسسات التعليم العمومي الخاصة في العديد من المجالات، ولأن المغاربة بفعل وضعهم المادي وقدرتهم الشرائيَّة لا يمكنهم جميعاً مواصلة مشوارهم التعليمي في جامعات ومؤسسات مؤدى عنها، فإن الوصفة الممكنة حالياً والأكثر واقعيَّة هي دفعهم إلى أداء رسوم تسجيل ورسوم حول استكمال التكوين في بعض المجالات في أفق اقتناعهم بلا جدوى الجامعة العموميَّة.

أفرزت هذه المقاربة العديد من الظواهر التي أدت بطبيعة الحال إلى واقع “التلميذ الجامعي”: في السنوات ما بعد 2005 لاحظت أن بعض تلامذتي آنذاك يفضلون التسجيل في الكلية في شعبة ما ومواصلة الدراسة في شعب التكوين المهني، لاقتناعهم أن الشهادة الجامعيَّة لا تُغني ولا تُسمن من جوع وهو ما ساهمت في تكريسه أيضاً حركات النضال ضد البطالة من حاملي الشواهد في مختلف المجالات والمستويات. ليس التلاميذ وحدهم من اقتنع في المغرب أن الجامعة لم تعد تضمن الترقي الاجتماعي كما كان عليه الأمر فيما قبل، بل إن للأسر أيضا دور في التمثلات التي يحملونها عن الجامعة.

الحديث عن التلميذ بدل الطالب يوحي أول الأمر إلى التغير الحاصل في القناعات السيَّاسيَّة لدى طلبة الجامعات، بعد نفورهم من منظمتهم “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” نتيجة أزمتها السيَّاسيَّة والتنظيميَّة بالدرجة الأولى، في حين أن معنى الطالب يتجاوز البعد السياسي لوحده، بل هو أولاً ثقافة: فالطالب يجب أن يحظى بمكانة اجتماعيَّة ورمزيَّة كحامل للعلم والقيم النبيلة وكرمز شبابي يخدم المجتمع والأسرة والأقارب لا لغاية إلا لكونه في مرحلة نضج وعنفوان، كما أن الطالب هو الشاب المتحرر من القيم التي يفرض المجتمع أو بعض فئاته، وهو ذلك الذي لا يمكن لومه على سلوكاتِه أو تصرفاتِه مهما بدت نشازة في محيطه أو طائِشة… صفة الحريَّة هاته والحظوة الاجتماعيَّة والرمزيَّة لم تعد تشغلُ حيزاً لا في وعي الطالب “التلميذ”، ولا في سلوكه وممارسته اليوميَّة، ولا يعود الأمر للطالب نفسه، بل إن تحولات اجتماعيَّة وسيَّاسيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة عميقة اخترقت المجتمع المغربي جراء الانفتاح على العولمة، حيث تنامت أكثر ثقافة النفعيَّة والبرغماتيَّة الجوفاء، والتي تدفع نحو السعي وراء الربح السريع والنقود السهلة دون التضحية أو حتى الايمان بقيمة العمل الذي ينجزه كفرد، ناهيك عن مسؤوليَّة الدولة والنظام السيَّاسي الذي يتعامل مع الجامعة بهم أمني ومقاربة الحفاظ على الاستقرار السيَّاسي للبلد وللنظام الحاكم.

تنامي ثقافة جديدة في المجتمع المغربي يستوجب نقاشاً حقيقيّاً حول المستقبل عماده الأساس: ما هي التحولات الجاريَّة في المجتمع ككل؟ ما هو المشروع المجتمعي المُناسب لمواجهة التحولات العميقة التي يفرضها الوضع الدولي والمحلي معاً؟

لا يقتصر الأمر في نظرنا على الطالب “التلميذ”، بل أيضاً على هيئة التدريس التي تعاطت بفضل ضغوط العيش وتكلفة القفة اليوميَّة وهاجز الترقي السريع والتسلُّق الطبقي، بحيث صار استاذاً مأجوراً يقدم الدروس في معاهد ومؤسسات خاصة وهو ما ينعكس على أدائِه وجودته في المؤسسات الجامعيَّة العموميَّة، ناهيك عن تراجع عطائِه الأكاديمي، وتدل التقارير المنجزة في هذا المجال على تهاوي المنشور الأكاديمي والنشاط الفكري والمعرفي والعلمي للأساتذة الجامعيين بمختلف فئاتِهم.

لا نستطيع أن نعالج هنا كل المشكلات التي يطرحها وضع جامعتنا العموميَّة اليوم: سؤال التنميَّة، العلاقة مع المجتمع، مع الاقتصاد، مستقبل الجامعة العموميَّة، الهندسة البيداغوجيا، وضعية الشعب والمواد… وربما تتاح الفرصة للعودة إليها في حلقات أخرى.

شاهد أيضاً

الفلسفة  والجامعة  في الواقع الاجتماعي

بدر نخلة / القنيطرة، المغرب إن مهمة الفلسفة، ليست في حيادها المعرفي أو العلمي، وليست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *