الرئيسية / تربية و تعليم / الحلقة السابعة: في أزمة تربيتنا

الحلقة السابعة: في أزمة تربيتنا

الحلقة السابعة: في أزمة تربيتنا

اسأل أي مغربي عن التربية التي يتمناها لأبنائه أو يتبعها معهم حتى يكبروا، فسيجيبك بدون أدنى تفكير: أنا أربي أبنائي على التقوى والانضباط والاجتهاد في التعلم، على الاعتماد على النفس واتباع الدين الحنيف والاجتهاد في الدراسة ليصير موظفا كبيرا أو مهندسا أو طبيبا، أربيهم على القيم الحسنة ليكونوا أفضل مني ويحسنوا ظني مع جيراني وزملائي وعائلتي…

كثيرة هي الاجابات المتشابهة والمتماثلة التي ستحصل عليها عندما تسأل بعض المغاربة عن التربية التي يريدونها لفلذة كبدهم، وهم يتطلعون وراء ذلك إلى إضفاء معنى على وجودهم في هذا العالم (القرية الصغيرة)، دون أن ننتبه إلى أن تصورنا للتربية لا يخرج عن نطاق: إعادة الانتاج بشكل سيء أغلب الأحيان، الحفاظ على ما تلقيناه من تنشئة وتربية أخلاقية من خلال الاستكانة والانصياع لأمر الواقع.

تستمد أزمة التربية في المغرب أساسها من السياسة ومن الاجتماع، وبطبيعة الحال لا يتعلق الأمر بتربية الأسرة والعائلة وحدها أو الجيران أو الشارع، بل بتربية المدرسة، فقد شدَّد كانط على أننا نذهب إلى المدرسة لا لنتلقى المعارف والعلوم وإنما لنتعلم الوقوف والجلوس (أي الانصياع للأوامر)، إلا أن هذا المبدأ الآمر بلغة كانط والذي يدخل في صلب الحداثة لم يعد لا مطلباً ملحاً ولا مبدأ موجهاً لتربية الأجيال. فاسأل معلمينا ماذا يفعلون في أقسام لا تقل عن الأربعين نفراً، ناهيك عن التي تتسع لسعبين متعلما.

كان الفقيه في المغرب ما قبل الثمانينات يحمل عصاه ويحث الأطفال على الانضباط والانصياع لأوامره، ويقف يوم الأربعاء ليتسلم فديته أو حقه الشرعي. وكذلك كان المعلم حيث يلجأ إلى الضرب لينضبط التلاميذ لأوامره  في التعليم والتعلم باعتباره قائدا ومسؤولا أمام الادارة والاسرة، غير أن العديد من التقاليد والأعراف التي كانت سائدة في المدارس المغربية لم يعد لها أثر في الوجود.

لو سألت وزير التربية عندنا أي تربية تتبعونها في مدارسكم لما أجابك ببساطة لأنه لا يولي أي اهتمام لهذا الأمر ولكن بامكانه أن يجيبك عن ميزانية وزارته ومشاكل النقابات والمدرسين والمخططات الجارية باسم الإصلاح، وعن خططه في ادخال التكنولوجيا للمدارس، وعن صراعه مع رئيس الحكومة. تلك هي مقاصد السياسة التعليمية التي ترجع كل شيء إلى الأرقام: البنايات، التجهيزات، ميزانية التسيير… أما نوع التربية أو التنشئة التي نتطلع اليها فلا معنى لها في الخطاب السياسي، لهذا توكل للمدرس مهمة التربية التي لا يقوم بها إلا النزر القليل منهم، وكل حسب اعتقاداته أو تصوره للعالم وللمجتمع، مما ينعكس سلبا على الفرد، بحيث صار المجتمع قويا على المدرسة ويؤثر فيها بشكل كبير نتيجة تفاقم مشكلات المدرسة وتراكم الازمات الهيكلية والبنيوية التي عانت منها طول عقود.

هل يدرك المغاربة أن سؤال التربية هو بالدرجة الأولى سؤال سياسي؟ فلنتأمل جيدا ما يقال عن أزمة التعليم ولعل خير مثال على ذلك ما يقوله المجلس الأعلى للتعليم استنادا على تقارير مضبوطة ومدروسة بدقة متناهية: لا تزال المدرسة المغربية “تعاني من اختلالات مزمنة، وقف عليها المجلس، خصوصا، من خلال التقرير الذي أعدته الهيئة الوطنية للتقييم سنة 2014، حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبحث العلمي 2000 – 2013: المكتسبات، والمعيقات والتحديات”:

  • محدودية المردودية الداخلية للمدرسة، متجلية أساسا في:
  • ضعف التمكن من اللغات والمعارف والكفايات والقيم؛
  • محدودية نجاعة أداء الفاعلين التربويين، وما يعانيه التكوين الاساسي والمستمر من نقائص؛
  • استمرار الهدر المدرسي والمهني والجامعي،
  • الولوج المحدود للتعليم عبر التكنولوجيات التربوية؛
  • ضعف المردودية الكمية والكيفية للبحث العلمي؛
  • التردد في معالجة الاشكالات العرضانية، لاسيما مسألة تعليم اللغات ولغات التدريس”
  • ضعف المردودية الخارجة، متمثلة في:
  • صعوبات الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي للخريجين؛
  • محدودية انفتاح وتفاعل المدرسة مع محيطها، مع نقص في قدرتها على المواكبة السريعة والملائمة لتحولات محيطها المحلي والعالمي وادماج مستجداته ومبتكراته”.

لا يعير هذا الكلام أي اهتمام لسؤال التربية ولربما تشكل آخر اهتماماته، في حين أن سؤال التربية هو شأن مجتمعي يؤرق كل المتدخلين في العملية التعليمية – التعلمية، فالمدرسون يشتكون من قلة التربيَّة واختلاف الأجيال فيما يتصل بالتنشئة، كما يشتكي الآباء بدورهم من صعوبة تربية أبنائهم داخل المنازل، أو ضبط سلوكهم في الشارع العام أو في المدرسة، فإلى ما يعزى هذا الخلل؟ هل يتحمل الطفل فعلا مسؤولية ضعف تربيته؟ أم أن الآباء لم يعد بمقدورهم القيام بالمهام المنوطة بهم للحفاظ على الحد الأدنى من تربية ابنائهم؟ في الغالب الأعم لا يمكن تحميل الأبناء أو المدرسين مسؤولية ضعف التربية لأن تحولات مجتمعية حقيقية قد وقعت وتجد أساسها في السياسة وفي الاقتصاد وفي الثقافة وفي طبيعة النظام القائم؟

قد يتساءل متساءل: ما علاقة نظام الحكم بالتربية؟ أو ما علاقة الفساد السياسي ونظام الريع بالتربية؟ مما لا شك فيه أن قواعد وبروتوكولات الحكام لها علاقة مباشرة بما يسري في المجتمع اذا اقتنعنا أن نظام الزعامة والكاريزم ليس فقط نظاما سياسيا بل هو نظام اجتماعي يسري من قمة الهرم إلى أسفله، كما أن وجود الفساد في المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، يسيد نمطا معينا من التربية: تربية الغش والنقود السهلة، والنفوذ و”باك صاحبي”… فما الفرق بين ابن متنفذ يغش في الامتحان ولا يعاقب أو يجد طريقا سهلا لعدم معاقبته في القضاء، وبين ابن موظف بسيط أو فلاح في القرية يغش ويعاقب ولا يجد أي طريق لافلاته من العقاب. بطبيعة الحال يلعب الوسط الاجتماعي والمحيط الثقافي والنفوذ العائلي دورا هاما في التربية وفي تنشئة الاجيال، دون أن يعني ذلك أن للتنشئة والتربية علاقة بالتقسيم الطبقي للمجتمع، فقد تجد شبابا في أسفل الدرك الاجتماعي وهم في تنشئة متميزة كما هو حال العديد من شباب ينتمي الى البرجوازية الكبيرة او الصغيرة، والعكس صحيح.

للتربية علاقة بالنماذج الاجتماعية والسياسية التي تقدم عادة كزعامات وقيادات، فالسجال (البوليميك) السياسي الذي يخوضه السياسيون من طينة الشعبويين، له بكل تأكيد تأثير على الناشئة وعلى كل بنيات المجتمع: فمن له المصلحة في تسييد ثقافة الميوعة السياسية؟

بالقدر الذي يكون الانضباط مطلوبا اجتماعيا، فإن التمرد أيضا مطلوب: فكيف يمكن أن نحقق الحرية دون التمرد: نموذج التمرد والانضباط كلاهما يمثل معيارا أساسيا في سير المجتمع وفي الدينامية الاجتماعية الجارية، فما الذي ينادي به المغاربة في تربية أبنائهم؟ الطاعة والانضباط أم التمرد؟ أي نوع من التربية يتطلع اليها المغاربة: محافظة أم حداثية أم انفصامية؟

شاهد أيضاً

الفلسفة  والجامعة  في الواقع الاجتماعي

بدر نخلة / القنيطرة، المغرب إن مهمة الفلسفة، ليست في حيادها المعرفي أو العلمي، وليست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *