الرئيسية / تربية و تعليم / الحلقة الرابعة: دفاعا عن مدرستنا العمومية

الحلقة الرابعة: دفاعا عن مدرستنا العمومية

الحلقة الرابعة: دفاعا عن مدرستنا العمومية

1 – في نقد أوهام التعليم الخصوصي

سيدرك المتتبع للشأن المغربي منذ العقد الثامن من القرن الماضي حجم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي حدثت في المغرب جراء الوفاء التام لتوجيهات وإملاءات المؤسسات الماليَّة الدوليَّة وتخاذل النخبة الحاكمة، فمنذ برنامج التقويم الهيكلي في شطريه، ستتواصل سلسلة الهجومات المتتاليَّة على الخدمات الاجتماعية العمومية: الصحة، التعليم، التقاعد، صندوق المقاصة… وفي سبيل القضاء على التعليم العمومي المجاني بالنظر إلى ولاء النظام السياسي للدوائر الامبريالية العالمية يتم تقديم وتشجيع التعليم الخصوصي من خلال منحه امتيازات وإعفاءات ضريبية متواصلة وقروض مضمونة و وعاءات عقارية جمة ليؤدي دوره المنوط به سياسيا وايديولوجيا. وقد تتبعتم كيف تم تفويض 488 مؤسسة تعليمية عمومية بموجب عقود التدبير المفوض، وسيستفحل الأمر مستقبلا إذا لم نتعبأ جميعا لتحصين المدرسة العمومية التي تعتبر أساس سيادتنا وأمننا ومستقبل مجتمعنا.

يذكي التعليم الخصوصي (رغم عمره القصير) جملة أوهام لدى الأسر المغربية، منها أساسا: أن مستوى المتعلم سيتحسن بكثير في اتقان اللغات، ضمان النجاح بتميز لجميع المتعلمين، جودة الخدمات بفضل طاقم فعال في خدمة المتعلم (أنظر في الجدول أدناه ما تقدمه المدارس الخصوصية حول الخدمات وحجم هيئة الخدمات)، الترفيه المؤدى عنه…

  • تحسين اتقان اللغات:

صحيح أن الأسر المغربية التي تمكنت من تسجيل أبنائها في المدارس الخصوصية تستحسن مستوى أبنائها في اتقان اللغة الفرنسية، غير أن هذا الأمر يستوجب الانتباه كثيرا لأن مستوى التعليم الاولي الخصوصي، يمنح اللغة الفرنسية مكانة أساسية في التربية على حساب المستوى الحسي والحركي وفي المرحلة الابتدائي على المستوى الوجداني والعاطفي، ومع كامل الأسف فالطفل الذي لم يبلغ بعد ربيعه السادس ينبغي أن ينال حظه من هذه المستويات الثلاثة: الحركي والحسي والوجداني، قبل تعلم اللغة، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار أن أغلب الاسر التي تلجأ إلى هذا النوع من التعليم لا تمنح لاطفالها ما يكفي من الوقت لتدارك ما فاته في الروض بسبب اشتغالها في ظروف لا تقل عن ظروف الاستعباد الجديد. هذا ناهيك عن مشكلة الاختيار اللغوي في المغرب الذي لم يسحم بعد تدبير الشأن اللغوي بما يستجيب للمصلحة الوطنية وللهوية المغربية، وقد تتبعنا جميعا النقاش الذي أثار زوبعة كبرى حول العربية والدارجة… ولم يحقق أية استقلالية تذكر اتجاه الدولة الفرنسية.

  • ضمان النجاح بتميز:

هلا تساءلت يوما في قرارة نفسك: كيف يصنع النجاح في المدارس الخصوصية؟ هل تعلم أن ما هو مطلوب في امتحان السنة السادسة ابتدائي يلقن في السنة الرابعة والخامسة؟ ما هي الآثار التي يمكن أن تترتب عن هذا الخيار؟ أقول بصريح العبارة أن النجاح يصنع وصار صناعة لها قواعدها ولها متقنوها، وهو ما سأسميه فيما سيأتي بالنزعة التقنوية التي غزت المنظومة التعليمية المغربية وصارت خيارا واستراتيجية وايديولوجية لا تقبل النقد أو النقاش.

  • جودة الخدمات:

قد يتساءل المرء لماذا تستثمر المدارس الخصوصية في الخدمات وفي الهيئة الادارية؟ الأمر في غاية البساطة: الخدمات تتوجه الى نفسية وذهنية الاسر والمتعلمين معا، لأن المدارس العمومية لا تهتم بجودة الخدمات ولا توفرها أصلا، ففي التعليم الابتدائي العمومي حيث بلغ عدد التلاميذ ما مجموعه ثلاثة ملايين ونصف تقريبا لا يقدم الخدمات (النظافة والامن تحديدا) إلا ما مجموعه 4058 مستخدم، في حين أن ما يتجاوز بقليل نصف مليون من التلاميذ المسجلين في التعليم الخصوصي يضع أرباب المدارس رهن اشارتها ما مجموعه 19768 مستخدم خاص بالخدمات.

  • الترفيه المؤدى عنه:

في السابق كانت المدرسة العمومية حضن الرياضات المدرسية ومجال اكتشاف العوالم الاخرى: المخيمات الرحلات الجبلية، المسرح، التنشيط، الالعاب الجماعية، تربة خصبة لصقل المواهب والطاقات الابداعية… كانت المدرسة العمومية مختبرا وفضاء حرا يسع الجميع ويساهم في بناء الشخصية والاحتكاك، فضاء جغرافي تتوفر في كل مقومات معايير التربية الحديثة بامتياز، ولكن ماذا عن المدارس الخصوصية؟ صناديق اسمنتية لا تتوفر حتى على الساحات ناهيك عن الملاعب او مجالات تحرك الاطفال: يحتاج الطفل بحكم سنه وخصائصه الفيزيولوجية: الحركة الزائدة والنشاط والحيوية…

وعوض أن تلزم الدولة هذه المدارس بتوفير بناءات لها نفس معايير المدارس العمومية وتتبع المساطر الجاري بها العمل والصرامة في منح الرخص، تلجأ المدارس الخصوصية في الرياضات الى اعفاء الاطفال منها او كراء بعض الملاعب الجماعية او الاستفادة من ملاعب المدارس العمومية بموجب شراكة هزيلة وخادعة، وفي الآن ذاته إلى تنزيه وترفيه مؤدى عنه بحيث يقدم الاطفال والمتعلمين عموما مبلغا ماليا مقابل زيارة مزرعة أو مطعم او منتزه…

تدل الأرقام الواردة في هذا الجدول على المفارقة الكبرى بين القطاع العمومي والخصوصي، ونتركم لك حرية التعليق عليها، غير أننا نروم منها أساسا تبيان حجم المدرسة العمومية التي يتم التبخيس من قيمتها اليوم في بلدنا، وذلك بغرض الاجهاز عليها، وافراغها من كل مضامينها وادوارها في سبيل خدمة كمشة صغيرة ترعى مصالحها بعناية. فهل الاغنياء يدرسون في المدرسة العمومية كي نفرض عليهم رسوم التسجيل؟

 

التعلم الابتدائي التعليم الثانوي الإعدادي التعليم الثانوي التأهيلي
العمومي الخصوصي العمومي الخصوصي العمومي الخصوصي
عدد المؤسسات 7667 2779 1927 1214 1162 654
عدد المتعلمين 3447639 654104 1499218 146023 890663 89258
عدد الاساتذة 119823 34429 53635 18489 49280 14812
هيئة الادارة 9410 9847 10609 6135 8136 3986
هيئة الخدمات 4058 19768 2042 11420 1742 6683

المرجع: التربية الوطنية بالأرقام 2015 – 2016، مديرية الاستراتيجية والاحصاء والتخطيط، قسم الدارسات والاحصاء، وهو متاح في موقع الوزارة.

  • – في نقد النزعة التقنوية القاتلة لروح التربية والتعليم

تناسل خطاب بيداغوجيا الكفايات في المغرب مع بداية الألفية الثالثة (بعد المصادقة على الميثاق الوطني للتربية والتكوين ودخوله حيز التنفيذ) وتم التطبيل له ليعوض بيداغوجيا الأهداف، وبدأ الخطاب التربوي يستسلم لهذه الوصفة الجديدة التي جربتها دول صناعية عدة استلهمتها من الاستراتيجيات العسكرية لأغراض ايديولوجية: ففي التربية تسعى الانظمة السياسية والدول الى افراغ المنظومة التربوية من كل حس وبعد نقديين، مما سيمكنها من خلق جيل الضبعة بتعبير جسوس. بحيث تمكن تذرير وتفتيت البرامج والمناهج الدراسية الى وحدات منفصلة (رغم أزعومة التقاطعات بين المواد المتآخية) من تشتيت القدرات النقدية والمهارات الابداعية المفترضة لدى المتعلم.

بعد عقد من الزمن تحول الخطاب التربوي حول البيداغوجيا والديداكتيك الى نهج عام بل الى نزعة تقنوية تختزل التربية الى مجموعة من الوصفات التي تقدم للمتعلم ليجتاز الامتحان بتفوق. وقد ساهم القطاع الخاص بدوره في تكريس هذا النهج من خلال رهن كل العملية التعليمية – التعلمية بالنجاح، وتحولت مهمة المدرس إلى تقنوي وأجير يكمن دوره الأساس في اعداد المتعلمين للامتحان، ومهمة المتعلم الحصول على معدل متميز، أما مهمة الأسرة فتقتصر على الأداء مقابل الخدمة دون أن تزعج نفسها بشأن تعلم ابنائها.

إن في اختزال العملية التعليمية – التعلمية إلى مجرد وصفات للنجاح قتل لروح التربية والتكوين في الآن ذاته، بحيث لم يعد البحث عن منح المتعلم فرصة التعبير والابداع والنقاش، بل حفظ الوصفات، وهو ما ساهم في ولادة توجه مجتمعي صغير وضعيف جداً يعمل على تكريس الطابع النخبوي والتقنوي على خيارات مجموع المجتمع: كيف ذلك؟

أدخل التعليم الخصوصي مبدأ التنافسية في اتجاهين:

تنافسية بين المدارس الخصوصية نفسها وذلك بغرض الظفر بأكبر قدر ممكن من الأسر التي تمنح ثقتها لهذه المدرسة أو تلك لتربية وتعليم أبنائها (وهي تنافسية فجة)؛

تنافسية مع المدرسة العمومية لجلب الزبناء المحتملين بفضل أوهام عدة يتم تسويقها لتفضيل خيار المدارس الخصوصية.

فئة صغيرة جدا من الطبقة الوسطى المشكلة أساسا من نخبة المجتمع، دافعت بقوة بعد أن لم تجد الطريق نحو الريع السياسي والاقتصادي والاداري إلى الدفاع عن مصلحة أبنائها لاحتلال مواقع مشرفة في التركيبة الطبقية بالبلاد، وجزء هام من أبناء هذه النخبة هم زبناء التعليم الخصوصي الذي فرخ معضلة التقويم، إلى جانب ارتفاع المنافسة جراء التعميم والمجانية، ومع كامل الاسف أن جملة مخططات كبرى تتعلق بالتعمير ورخص السكن والتخطيط الحضري قد ساهم في ذلك من خلال تحكمه في خريطة العرض المدرسي، ومنح الرخص. ينضاف إلى هذا عامل مهم جدا فمع تزايد عدد مترشحي البكالوريا (الذي يبلغ حاليا ما يقدر بنصف مليون) كان من العوامل التي أدت إلى ترسيخ النهج التقنوي من خلال الاتجار في النقط والدروس الخصوصية، ناهيك عن تخاذل الدولة في توفير التطلعات المستقبلية للأجيال الناشئة.

صار المدرس بدوره أسير هذا النهج التقنوي من خلال استسلامه (جراء مسلسل التفقير الذي لحقه: غلاء الاسعار وتجميد الاجور، تزايد الاستهلاك الفردي، غلاء السكن، تزايد الحاجات والرغبات، التطلع الى تحسين وضعه ووضع ابناءه…) للساعات الاضافية والدروس الخصوصية والساعات المرخصة في المدارس الخاصة: “الشغل الثاني”، وهو شغل مذر للربح ويمكنه من سد عوزه  وفاقته غير أنه يفقد أثمن وظيفة يمكن أن يؤديها باعتباره مشروع نخبة حاملة لهم المجتمع: أي مهمة تنوير الشعب والعمل على تقوية الدور النقدي والوظيفة النقدية للبرامج التعليمية والتربوية، والانخراط في الدينامية الاجتماعية والسياسية. هكذا تحول من دوره كمدرس نقدي ومربي إلى تقنوي محض، يقدم ويبحث عن وصفات ليحافظ على مكانته الاجتماعيَّة وزبنائه المفترضين جراء ما يقدمه من خدمات في خدمة النجاح: إنه استعباد جديد ما بعده استعباد.

لا أحد يستطيع الفكاك من هول الكارثة لا المتعلم ولا المدرس ولا الأسرة ولا المدرسة التي تهدف الى الربح، فالخاسر الأكبر هو المجتمع بأمنه وسيادته، فلنتعبأ جميعا من أجل إنقاذ ما يمكن انقاذه: أيها المدرس كنت بالامس القريب حامل مشعل التنوير والنقد، حامل هم المجتمع، فماذا حصل اليوم كي تصطف إلى جانب من يبخسون من قيمتك ويزيحونك عن مكانتك وينعتونك بالكسلان والمتخاذل ومعرقل الاصلاح؟

 

شاهد أيضاً

الفلسفة  والجامعة  في الواقع الاجتماعي

بدر نخلة / القنيطرة، المغرب إن مهمة الفلسفة، ليست في حيادها المعرفي أو العلمي، وليست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *