الرئيسية / كتاب كوة / سعيد ناشيد / الحريات الفردية أولا، أما الباقي فمجرد تفاصيل

الحريات الفردية أولا، أما الباقي فمجرد تفاصيل

المعضلة لا تقف عند حدود إنكار الحريات الفردية وإنما تصل إلى درجة إعلان الحرب عليها بل قد يبلغ الأمر حد اعتبار حرب الجميع على الحياة الخاصة للجميع كما لو أنها حرب مقدسة.

العرب سعيد ناشيد [نُشر في 2016/07/25، العدد: 10345، ص(8)]

يبدو أننا في معظم مجتمعاتنا الإسلامية اليوم، لا نزال نتغاضى عن طَرق الباب الذي من دون طرقه لن ننجح في الانتقال من العالم القديم إلى العالم الجديد، علما وأن هذا الانتقال بات ضرورة أَمنية قبل أن يكون حاجة تنمويّة. بل هو ضرورة أمنية لنا وللعالم أجمع من حولنا. لذلك، رغم مظاهر العمران ومعدلات النمو المرتفعة لدى بعض المجتمعات الإسلامية، ممّا لا يمكن إنكاره، إلاّ أن إمكانية تحرير وعي الإنسان المسلم من كهف القدامة، لا تزال مستعصية عن التحقق وبعيدة المنال. هذا ما يجعل المناعة واهنة، وقابلية النكوص واردة، والهشاشة الثقافية كامنة، وتكفي أحيانا حالة انفعالية جارفة حتى ينزع الناس عنهم قمصان المواطنة ليَرْتَدُوا فروات القطيع. بل تبدو الهشاشة في بنية الشخصية العامة أكثر رسوخا عند الأجيال الشابة وفق معاينات نستذكرها من باب التحذير. لكن، ماذا عن الباب الذي هو مقصد القول في ما نبتغي قوله؟

وفي مجمل نقاشاتنا حول قضايا النهضة والتنمية والتقدّم والتمدّن، ثمّة باب للعبور دأبنا على غض البصر عنه إمّا جهلا أو تجاهلا، وكان الواجب يقتضي أن نعمل على طرقه بدل الإصرار على تركه. لا يتعلق الأمر بمَعبر سري كما يخال البعض، ولا يتعلق الأمر بنفق تحت الأرض تحرسه قوى شيطانيّة تحاصرنا وتتحكّم في كل مفاصلنا وتفاصيلنا لكي لا نحرز التقدّم المنشود، مما يستوجب النفير للمبارزة والقتال قبل أن نشق طريق الخلاص المبين كما ظنّ البعثيون والجهاديون والخمينيون والشيوعيون القدامى، وكان هذا الظنّ الاحترابي باهظ الكلفة على أوطاننا وعلى الناس أجمعين، لكن، بل يتعلق الأمر بباب رئيس من أبواب التقدم، لا يمنعنا عنه إلاّ ما بأنفسنا من غشاوة وأوهام، ولا يحجبه عنا سوى الجهل المستشري في شراييننا إلى حد الثرثرة، باب قد نرمقه بنظرات خاطفة، قد ندنو من عتبته أحيانا، لكننا سرعان ما نعرض عنه ونولي الأدبار خائبين خائفين متوجّسين. إلى متى؟ هذا الباب هو نفس الباب الذي يحمل نفس الاسم الذي اشتهر به: الحريات الفردية.. تحديدا أو توضيحا، نقصد، الحريات الفردية في مختلف أبعادها الثقافية والفكرية والسياسية والدينية والجنسية إلخ.

غير أن الحرية الفردية تستدعي أن يكون للفرد وجود. إذ يجب أن يكون الفرد موجودا ومُعترَفا بكينونته الحرّة ووجوده المستقل. في حين أنّ الفرد كان ولا يزال غائبا في ثقافتنا غيبة كبرى. وبالأحرى فإنه مغيّب بفعل تكالب منظومات شمولية تزجّ به وتقبره عنوة داخل مفاهيم الأمّة والشّعب والجماعة والطبقة والطائفة إلخ، ولا تسمح له بالتعبير عن نفسه خارج هوية عصبية جامعة تلفه وتسيّجه. المؤكد أن المسألة من وجهة نظر أنثروبولوجية متعلقة ببقايا غرائز القطيع البدائية، في زمن البراري، حيث تنقضّ السباع على الطرائد وتمزق أنيابها الفرائس المنفردة بعد عزلها عن القطيع. لقد كان العيش في البراري يجعل الالتحام بالقطيع ضرورة وجودية مرتبطة بدافع البقاء لدى كل الكائنات الحية ومن ضمنها الإنسان. وبما أن تاريخ البشرية ليس تاريخ قطائع كما يتصور البعض، وإنما هو تاريخ استيعاب وتجاوز على طريقة كرة الثلج الهيغلية، فمن الطبيعي أن تبقى غريزة القطيع كامنة في الإنسان إلى يومنا هذا. وهي أكثر أداة تستثمرها الأيديولوجيات الشمولية لغاية إلغاء كينونة الفرد والزج به داخل بوتقة الهوية الجماعاتية، ومن ثمة دفعه إلى التصرف على هذا الأساس، سواء تعلق الأمر بالمشاركة في تظاهرة نقابية، أو حضور إحدى خطب الزّعيم، أو مباراة في كرة القدم، أو صلاة جمعة مجيّشة، أو قداس مهيج ليوم الأحد، أو تعلق الأمر بالكرنافالات الاحتفالية والتي قد نعتبرها بمثابة تحوير جمالي لغرائز القطيع، تحوير محمود في كل أحواله لكنه مفقود في مجتمعاتنا. ولهذا الفقدان كلفة باهظة.

مسألة أخرى، أحيانا قد يذهب الظن ببعض نخبنا إلى الاعتقاد بأن الحريات الفردية ستضعف الأحزاب والنقابات والمؤسسات، وتضعف الدولة والأمة والملة، بل وتضعف المعارضة بالنسبة إلى المعارضين، والمقاومة بالنسبة إلى المقاومين، والممانعة بالنسبة إلى الممانعين، والإسلام بالنسبة إلى الإسلاميين، والجهاد بالنسبة إلى المجاهدين، ومن ثمة فإنها قد تكون مجرّد دعوى مشبوهة لتقويض كل أشكال الانتماء الجماعي. وهذا ليس مجرّد اعتقاد سطحي فحسب، لكنه أيضا خطأ جسيم في التقدير.

الفرد هو الحلقة المفقودة في كل معارك الانتقال من عالم القدامة إلى عالم الحداثة. لأن الفرد من حيث هو وعي أوّلا، هو الحامل الأساسي لعملية التفكير (‘أنا أفكر’، ولا معنى لعبارة ‘نحن نفكر’).. والفرد من حيث هو إرادة ثانيا، هو الحامل الأساسي للإرادة الخاصة، والتي هي النواة الأصلية للإرادة العامة.. والفرد من حيث هو ذات ثالثا، هو الحامل الأساسي للعقد الاجتماعي الذي هو أرضية لنشوء الدولة الحديثة.. والفرد من حيث هو مواطن رابعا، هو حامل الصوت الانتخابي، والذي هو العنصر الحاسم ضمن الممارسة الديمقراطية.. والفرد من حيث هو شخص خامسا، هو الحامل الأساسي لحقوق الإنسان، ذلك أن الحقوق متعلقة بكرامة الشخص، ويصدق هذا الاستنتاج على كافة الحقوق، بما فيها الحقوق الاجتماعية أو ذات الطابع الاجتماعي، بل يصدق أيضا على حقوق الأقليات، طالما يبقى الفرد بمثابة الأقلية الجوهرية لجميع الأقليات.

المعضلة لا تقف عند حدود إنكار الحريات الفردية، وإنما تصل إلى درجة إعلان الحرب عليها. بل قد يبلغ الأمر حد اعتبار حرب الجميع على الحياة الخاصة للجميع كما لو أنها حرب مقدّسة، تدخل ضمن مسمّى “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. على أن دعاة تغيير المنكر لا يقصدون في الغالب مكافحة الجريمة أو المخدرات أو السّرقة أو الرّشوة أو التهرّب الضريبي، ولا المطالبة بتفعيل القانون في هذه المجالات، وإنما مقصودهم إعلان الحرب الغوغائية على أفعال شخصية لا تمثل أيّ خطر أو ضرر على أي أحد، من قبيل نوعية اللباس، وطريقة المشي، ووسائل التجميل، وتسريحة الشّعر، ومايوهات السباحة، وطريقة التنزه، والأذواق الموسيقية.

تلك الحرب القذرة على الحريات الشخصية تناقض روح الإسلام وتندرج ضمن بقايا المعتقدات البدائية. وبالفعل، ضمن الخصائص النفسية للعشيرة البدائية، ثمة خوف دائم من انتقام الآلهة من العشيرة كلها بسبب الأفعال الشخصية لفرد واحد أو لبضعة أفراد، في ما يُصطلح عليه اليوم باسم العقاب الجماعي. وهذا ما ترفضه العدالة المعاصرة في كل الأحوال، فضلا عن مخالفة قيم الخطاب القرآني أيضا “كل يعمل على شاكلته” (الإسراء 84) “لكل وجهة هو موليها” (البقرة 148) “ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى” (الأنعام 164) وبأحسن القول نختم المقال.

شاهد أيضاً

الوصايا العشر للفلسفة… الجزء الأول

سعيد ناشيد الوصية الأولى: اعرف نفسك بنفسك يتعلق الأمر بعبارة قالها سقراط مستلهما إياها من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *