بقلم: نبيل عبدالفتاح
تبدو حالات الأحزاب السياسية في المنطقة العربية غائمة وشاحبة وغائبة، ما بعد نهاية عالم الإيديولوجيات، والسرديات الكبرى الفلسفية، والأممية، والقومية، والوطنية. لم تعد حاضرة في ظل السلطويات الشعبوية ما بعد الربيع العربي على الرغم من تكاثر بعضها في بعض الدول. لا تظهر غالب هذه الأحزاب إلا من خلال البيانات السياسية العابرة على الحياة الرقمية، أو صور بعض قياداتها، وأعضاءها، واجتماعاتها، ولا تأثير لها في ظل طوفان المنشورات، والتغريدات والصور، والفيديوهات الطلقة التي تنتجها الجموع الرقمية الغفيرة على تعدد انتماءاتها الاجتماعية.
حالة الضعف البنيوي، والسياسي، والاجتماعي للأحزاب السياسية ما قبل، وما بعد الربيع العربي، تثير أسئلة عديدة، بما فيها الأحزاب السلطوية، أو الداعمة للسلطة الحاكمة في عديد البلدان العربية. هل أزمة الأحزاب هي انعكاس لأزمات الدول الوطنية الهشة ما بعد الاستقلال، أم مرجعها النظام السياسي وطبيعة السلطويات المسيطرة ؟! أم أنها أزمات بنيوية في نشأة وتكوين هذه الأحزاب، وسردياتها السياسية والاجتماعية، وما تأثير الثورة الرقمية على وضعية هذه الأحزاب، ووظائفها السياسية؟
سنحاول تقديم بعض الملاحظات حول أزمات الأحزاب السياسية في المقال التالي علي النحو التالي:
أولا: أزمات الأحزاب السياسية ما قبل الاستقلال.
ثانيا: أزمات الأحزاب السلطوية ما بعد الاستقلال.
ثالثا: الثورة الرقمية والأحزاب السلطوية.
أولا: أزمات الأحزاب السياسية ما قبل الاستقلال
نشأة بعض الأحزاب السياسية، في بعض الدول العربية ما قبل الاستقلال، على نحو ما ظهر في الحالة المصرية شبه الليبرالية، بعض هذه الأحزاب كان مواليا للقصر الملكي، وبعضها كان يقود الحركة القومية المصرية مثل حزب الوفد. كانت الأحزاب الليبرالية وقادتها من النخب السياسية من كبار الملاك، والطبقة شبه الرأسمالية الصاعدة، ومن ثم كانت قواعدها الاجتماعية محدودة، بينما كان حزب الوفد، ومطالبه بالاستقلال، والدستور، هو تعبير عن صعود طبقة الأفندية، ورجال القانون -المحامين- الذين لعبوا دورًا كبيرا في الانتفاضة الجماهيرية الكبرى عام 1919، وكان بعضهم أعضاء في أحزاب الأقلية، وغالبهم داخل حزب الوفد.
الحيوية السياسية للوفد، ودوره الوطني وسع قاعدته الشعبية في المدن الكوزموبولتيانية، والأرياف، إلا أن محاصرة القصر، والسفارة البريطانية، ودعم بعض أحزاب الأقلية السياسية لهم ، ساهم مع بعض التغيرات في إحداث تغير في التركيبة القيادية للحزب، من خلال سيطرت طبقتي كبار الملاك، وشبه الرأسمالية، على نحو أدى إلى بعض التناقضات والفجوات بين القاعدة الاجتماعية للحزب، وبين قيادته، ناهيك عن الخطاب السياسي النمطي للحزب، وبرامجه السياسية، وهو ما أدى إلى خروج بعض من قواعده من الطبقة الوسطى إلى الأحزاب الماركسية لاسيما من بعض المصريين النوبيين، والأقباط، وبعضهم من الأقباط انتقل إلى الحركة الرهبانية، لإصلاح الكنيسة القبطية مثل البابا شنودة الثالث الذي تبوأ موقعه في عهد السادات ومعه أساقفة كبار م.
3- كانت بعضأحزاب الأقلية في السلطةأداة من أدوات القصر الملكي ، ةوالمندوب السامي البريطاني، وبعض قواعدهم الاجتماعية المحدودة.
4- كانت الأحزاب الماركسية، تعمل في سرية بعد فرض قيود على شرعية وجودها القانوني، وكانت أحزاب صغيرة، ومن الطبقة الوسطى، وبعض العمال، والقادة من الأقليات الدينية -المسيحيين واليهود والنوبيين-، وكانت أحزاب مغلقة تركز جُل اهتماماتها على القضايا التنظيمية، وأمنها الداخلي، والتنشئة الإيديولوجية لكوادرها، ولعب بعض الأدوار السياسية.
5- الأحزاب السياسية العربية ما قبل الاستقلال كان جُل اهتماماتها مسألة تعبئة الشعور الوطني في مواجهة الاحتلال -البريطاني والفرنسي والإيطالي- وكانت غالبُ قواعدها الاجتماعية، من المتعلمين وبعض الفئات الوسطى، ولم تكن تشكل أحزابا متماسكة تنظيميا، لأن وضعية مواجهة الاستعمار، كانت تتطلب أداء أدوار التعبئة للشعور الوطني، والمطالبة بالاستقلال، أو تنظيم المقاومة المسلحة ضد الاحتلال . بعض هذه الحركات الوطنية، اتسمت محمولاتها بجذور وخلفيات الانقسامية المجتمعية العرقية، والدينية والمذهبية والمناطقية والقبلية والعشائرية.
كان السمت الأساس للأحزاب العربية الوطنية ما قبل الاستقلال تتسم بالسيولة، وبعض من عدم النضج التنظيمي، والسياسي، وشيوع النزعة الشعاراتية، وبعض الاستثناء كانت في الأحزاب الماركسية، والعروبية.
من هنا لا نستطيع القول أن تجارب الأحزاب السياسية ما قبل الاستقلال، لم تكن على مستوى من النضج السياسي، والتنظيمي والبرنامجي،وكانت أحزاب وتنظيمات للحركات الوطنية ضد المستعمر، وركزت على الأبعاد السياسية في التعبئة للشعور الوطني الجماعي، ومقاومة الاحتلال الاستعماري سياسيا، والمقاومة المسلحة، على نحو ما ثم في الجزائر.
من هنا كان الإرث الحزبي، ما قبل الاستقلال يتسم بالهشاشة والسيولة، والشعارات السياسية التعبوية، وهو ما تم استصحاب غالبه ما بعد الاستقلال من قادة حركات التحرر الوطني العربية، في بناء الحزب الواحد ومعه بعض من قواعدهم في الجماعات التكوينية الدينية والمذهبية والقبلية والعشائرية والعرقية والمناطقية .
ثانيا: أزمات الأحزاب السلطوية ما بعد الاستقلال
الأحزاب السياسية ما بعد الاستقلال، بعضها استصحب معه أدواره في مواجهة الاستعمار، وفي انجاز الاستقلال الوطني، وفي قلب ذلك الدور التاريخي لأباء الاستقلال، ومن ثم محمولاتهم اثناء عمليات بناء الدولة في مجتمعات انقسامية -باستثناء مصر والمغرب-، وتقاليد الإدارة أغير المباشرة البريطانية ، والمباشرة الفرنسية ، ومن ثم- تأثرت الأحزاب السلطوية، والمعارضة بأنماط تراث وتقاليد البيروقراطية ما قبل الاستقلال وهو ماشكل جذور بعض المشكلا الهيكلية للدولة، وذلك على النحو التالي:
- في بناء الدولة الهشة العربية، ركز قادة ما بعد الاستقلال على مفاهيم السيادة، والوطنية، والتحرر الوطني، من خلال أجهزة الدولة الإيديولوجية، ونظام التعليم والتنشئة السياسية، والتركيز على الأجهزة الامنية والاستخباراتية، على حساب بناء المؤسسات المدنية، وهو ما أدى إلى إضعاف آية محاولات لبناء ثقافة سياسية مدنية، وديمقراطية، ومشاركة المواطنين، في حياة سياسية تعددية خاصة في ظل ظاهرة موت السياسة .
2- اعتماد قادة ما بعد الاستقلال علي الموالين والاتباع من بعض قواعدهم الاجتماعية -القبلية والعشائرية والدينية والمذهبية والعرقية ومناطقهم كما حدث في العراق وسوريا واليمن والسودان وتونس والجزائر – وغيرهم من المحاسيب ، ودمج بعضهم في مواقع أساسية داخل أجهزة الدولة والحزب الحاكم لضمان موالاتهم في دعم الحاكم الفرد الشعبوي .
3- ركزت السلطويات الشعوبية، وأيديولوجياتها الصاخبة على بناء أحزاب سلطوية داعمة للاولجاركية الحاكمة، وحول الحاكم الفرد، مع إضعاف السلطتين التشريعية الموالية، والقضائية غير المستقلة، ومن ثم غياب الفصل بين السلطات، وتوزيع القوة فيما بينهم، لصالح الحاكم الفرد، على نحو ما ساد ولايزال في غالب البلدان العربية.
3- أدى النظام الارليجاركي ، والدمج بين السلطات، إلى إضعاف عمليات بناء الدولة وسلطاتها ، وهشاشة واضطراب الوعي الجمعي بها، وإضعاف النزعة المؤسسية، وثقافة المؤسسات، وإدارتها لصالح النزعة الشخصانية السياسية للحاكم الفرد، الشعبوي ومراكز القوى حوله، وجذورها في بعض الجماعات التكوينية في مجتمعات انقسامية.
4- تم التركيز على الحزب الواحد، لأداء وظائف التعبئة السياسية، والاجتماعية، وغالب هذه التنظيمات السياسية الواحدية -وحتى في ظل الجبهات الوطنية الحزبية الهشة- لم تكن ذات تجانس اجتماعي معبر عن الواقع الموضوعي ، وإنما كانت تعبيرا عن حشود من مكونات اجتماعية ومصالح متنافرة ،ولا دور فاعل لها داخل هذه الأحزاب التي وجهت من أعلى قيادتها التابعة للحكم، إلى كافة هياكلها الأسمية الهشة، تعبيرًا عن الموالاة والتبعية للاوليجاركية الحاكمة، ومن ثم كافة شعارات تحالف القوى الاجتماعية، كانت فارغة من مضامينها على مستوى الفكر والممارسة والواقع الاجتماعي الموضوعي.
ضعف البرامج السياسية للحزب الواحد، والأحزاب المشاركة في الجبهات القومية”، ودونما مشاركة ديمقراطية، فاعلة نظرا لفرض قيود باهظة امنيا واستخباراتيا وقانونيا على الأنشطة الحزبية- على المثال البعثي السلطوي في سوريا-، ومن ثم هيمنت البيروقراطية الحزبية، والنزعة التعبوية، ولا ديمقراطية القرارات السياسية في نظم الحزب الواحدة.
6- القواعد الاجتماعية للأحزاب اتسمت بالمحدودية في التعبير عن مصالح قواعدها المفترضة ، والهشاشة الاجتماعية لبعض من تمثلهم شعاراتياً ،وارتبطت بعض هذه القواعد في اطر الحزب الواحد بالمصالح الشخصية، والقبلية، والعرقية، والعشائرية، من خلال علاقات الزبائنية السياسية، والمحسوبية.
7- غالب الأحزاب السياسية السلطوية كانت نشأتها وتأسيسها، ذات طابع أمني، ومن ثم تغلغلت، وسيطرت الأجهزة الأمنية السلطوية على تركيبة، وأنشطة هذه الأحزاب الحاكمة وداخل المعارضات ، وخضعت لرقاباتها.
8- السيولة، والتغيرات الإيديولوجية، مع تغير الأولجاريكية ، الحاكمة، على نحو ما تم في مصر في عهدي السادات، ومبارك، وتونس في عهد زين العابدين بن على.
من هنا كانت الأحزاب الحاكمة ذات أدوار تعبوية، وتديرها أجهزة الأمن، والاستخبارات -حزب البعث في عهديالأسد الأب والأبن-، ويعتمد بعضها على تضامنات بين مجموعات أقلوية دينية، أو قواعد مذهبية وعشائرية ومناطقية في مواجهة مكونات مذهبية أخرى، وقومية كالشيعة والأكراد في ظل حكم صدام حسين.
بعض الأحزاب الطائفية، ذات قاعدة طائفية دينية مثل الخاتمية، والمهدية في السودان، في ظل
ثنائية الحكم المدني، والعسكري بعد الاستقلال، وتهميش المكونات العرقية الأخرى، لصالح قبائل الوسط النيلي العربية، وهو ما أدى إلى تمدد الإسلام السياسي مع انقلاب حسن الترابي، وعمر البشير، ثم انقلاب بعض تلامذة الترابي عليه مع البشير والجيش ، ونشأة حزب المؤتمر الوطني -الإسلاموي- وهيمنته على الحكم وأجهزة الدولة، والجيش، والاقتصاد والتجارة ، ثم استقلال جنوب السودان، وانفجار الحرب الأهلية بين الدعم السريع، والجيش.
بعض الأحزاب السياسية اللبنانية، ارتكزت على البناء الطائفي، وقواعده الدينية والمذهبية، وسيطرت بعض البيوتات الطائفية على الأحزاب، وأجهزة الدولة، وسلطاتها، ومن ثم إضعاف الدولة لصالح مفهوم المحاصصات الطائفية في أجهزتها، وهو ما أدى ضمن أسباب أخرى إلى الحرب الأهلية واتفاقية الطائف، وضعف الدولة لصالح الأحزاب الطائفية لاسيما حزب الله. الذي اصبح فاعلاً سياسياً إقليميا مادون الدولة ، في علاقات الوثيقة بايران ، وتوظيف المظلومية التاريخية للطلئفة الشيعية في لبنان .
٩- مع هيمنة النظم التسلطية الشعبوية في مصر وتونس في اعقاب الربيع العربي لم تعد الأحزاب السياسية السلطوية القديمة ، ما قبل الانتفاضات الشعبية الكبرى ، ذات قيمة او وزن ،وانهار الحزب الوطني الديموقراطي سند مبارك ، والتجمع الدستوري ظهير بن علي . وفشلت الأحزاب الجديدة وبقايا القديمة في ان تدير مرحلة الانتقال كالمشكوك في تونس والإخوان المسلمين والسلفيين في مصر ، بعد تواطئهم مع المؤسستين العسكريتين ، وأيضا الرؤساء الانتقاليين في تونس .فشلت الأحزاب المصرية ، وبعض الشخصيات العامة في فهم طبيعة مواقع القوة في دولة يوليو ونظامها ، وغلب علي بعضهم طموحاتهم الشخصية في لعب أدوار في السلطة الانتقالية ، وتم التلاعب بهم ، في عملية إدارة مرحال النتقال السياسي .
١٠ – الأحزاب الجديدة في تونس فشلت ، ومعها معارضات نظام بن علي في فهم وتحليل أسباب انفجار الانتفاضات الشعبية – التي اطلقوا عيها مجازا مجافيا لطبيعتها وأجيالها وقاعدتها الاجتماعية بالثورة – وامتداحها من اجل تعبئتها لصالح بعضهم في منافسات مرحلة الانتقال ، والانتخابات البرلمانية والرئاسية في تونس ومصر ، وفشلوا جميعا .حتي بعضهم كالرئيس التونسي المنصف المرزوقي ، ثم الرئيس الباجي قائد السبسي الذي ينتمي للتقاليد البورقيبية ، والحزب الدستوري ثم مع زين العابدين بن علي ، ومع ذلك لم يستطع كليهما الإدارة السياسية الفعالة لمراحل الانتقال ، ووفق بعض الأفكار التقليدية المجافية للواقع المتغير بعد الانتفاضات ، وتفاقم مشكلات الطبقات المعسورة ، وبعض الأجيال الجديدة من الفئات الوسطي . من ثم اعتمد الشعبوي قيس سعيد علي تعبئة هذه الفئات من الجنوب والوسط التونسي ، وهوامش العاصمة ، في دعمه وانتصاره انتخابيا ، وحول فساد ” الطبقة السياسية ” ، والأحزاب السياسية القديمة والجديدة ، الأهم ان خطابه الشعبوي كان مؤثرا ، وادخل تعديلات دستورية ، ودستور٢٥ يوليو ٢٠٢٢، والذي انطوي علي نصوص خطرة علي الحريات ، إلا ان اخطر ماحدث هو بعض التوافق وربما تحالف المؤسستين الأمنية والعسكرية مع الرئيس الشعبوي ، والأخطر عدم استقلال السلطة القضائية في عديد القضايا التي قدمت للمحاكمة دونما ضمانات للدفاع ، وصدور احكام قضائية تتسم بالقسوة لاسيما في قضايا الرأي والتعبير .
١١- من الملاحظ ان الرئيس قيس سعيد وسياسته السلطوية الشعبوية ترتكز علي خطاب سياسي شعبوي دونما سند حزبي داعم له علي نحو ماكان في جمهوريتي بورقيبة ، وزين العابدين بن علي وطغمته الأمنية والسياسية والحزبية ومراكز القوة حوله وعائلته وزوجته من الفاسدين ، ومعهم بعض رجال الأعمال .
١٢- في الحالة الشعبوية المصرية ، لم تعتمد في اعقاب نهاية حكم الاخوان والسلفيين علي حزب يقوده رئيس الدولة بعد المرحلة الانتقالية الثانية ، والرئيس المؤقت –عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية السابق آنذاك – ، وذلك ارتكازا علي غياب قيادات حقيقية وتنظيمات مدنية فاعلة –خارج جماعة الاخوان المسلمين – واجيال جديدة من الفئات الوسطي الوسطي ، والصغيرة ، نمت عمريا في ظل موت السياسة ، وجمود النظام التسلطي لمبارك ، وشيخوخته الجيلية ، ومن ثم غالبها لم يكن لديه خبرات سياسية ، وبعضهم كان جزءا من حركات احتجاجية رقمية وفعلية محدودة التنظيم ، والفكر السياسي ، وبعض القلة من اليساريين ، والنشطاء الحقوقيين لم تكن لديهم قواعد اجتماعية داعمة لهم ، وهو ما سهل لمواقع القوة في الدولة والنظام من التصدي لهم مذاك والآن ! مرجع ذلك خبرات أجهزة الدولة ، وادي هجوم الاخوان والسلفيين علي المحاكم والقضاة الي استشعار الأجهزة القضائية علي مكانتها ، وسلطتها ، واستمرارية نظام الدمج بين السلطات في ظل موت السياسية ، وإغلاق المجال العام السياسي ، وهندسة النظام للأحزاب السياسية وتمثيلها البرلماني عبر القانون ، وعدم ممارستها لأي أنشطة جماهيرية سياسية .
من هنا لم تعد السلطوية الشعبوية في كلا البلدين بحاجة لحزب سياسي قائد يستند اليه رئيسا الدولة ، والحكومات التي يتم تشكيلها بين فترة زمنية وأخري .
ثالثا: الثورة الرقمية والأحزاب السياسية السلطوية
في ظل الثورة الرقمية ، وإغلاق المجال العام السياسي، والقيود علي حريات الرأي والتعبير ، وجمود وتقليدية الصحف الورقية ، وأجهزة الدولة الأيديولوجية وتراجع أدوارها وفاعليتها وتأثيرها علي الواقع الفعلي والرقمي ، افتقدت الأنظمة الاستبدادية والسلطوية الشعبوية قدراتها علي التأثير الجماهيري في دول العسر لأسباب عديدة منها تمثيلا لاحصراً مايلي :
ا- الجمود الفكري والإعلامي لكوادر أجهزة الدولة الإعلامية ، وعدم تطور الصحف لمواكبة التحولات في المجال الصحفي في ظل القيود علي حرية التعبير ، وهيمنة الخطاب الإعلامي الداعم لسلطة الدولة وأجهزتها الأمنية ، وتأييد كل السياسات السلطوية والحكومية ، وتغيراتها ، وعلي نحو يتسم بعدم الكفاءة والتأييد الآلي ، والسطحية ، وخطاب الوصم بالانضمام لجماعات إرهابية او معارضة لأية آراء مختلفة ، آيا كانت داعمة للحكم او معارضة ، وهو ما افقد أجهزة الدولة الإعلامية والصحف القومية ، والتابعة للشركة المتحدة في الحالة المصرية القابلية للتأثير والاهتمام والمصداقية لدي قطاعات واسعة من المجتمع ،وخاصة أجيال Y Z .
٢- رحلت قطاعات اجتماعية وجيلية واسعة في دول العسر العربية الي قنوات التلفازات الفضائية العربية والأجنبية لمن يعرفون لغات اجنبية ، وتحول المجال العام السياسي الرقمي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الي فضاءات حرة للتعبير عن الرأي ، من خلال الجموع الرقمية الغفيرة علي تعدد انتماءاتها الاجتماعية ، ومن ثم سيل يومي من الانتقادات الحادة للسياسات والقرارات السلطوية ، والحكومية والبيروقراطية الداخلية ، والخارجية ، وتعرت الدول والحكومات والبيروقراطيات وموظفي الدولة ، وباتت الفضاءات الرقمية تمثل أنظمة رقابية علي الحكم ، وذلك علي الرغم من برامج الرقابة الأمنية والاستخباراتية لمتابعة مايجري علي هذه الفضاءات في ظل رقابات متبادلة
٣- أدت الثورة الرقمية الي هيمنة سلطة الصورة في إبراز الوزراء وقيادات البيروقراطية ، في تحول الأداء الفعلي في تخصصاتهم الي الصورة ، والفيديوهات الطلقة علي الحياة الرقمية ، ومعهم الأحزاب المغارضة والحكومية ، من خلال بث صور اجتماعاتهم ، ومنشوراتهم أيا كانت ، وباتت الصورة والفيديوهات تعبيرا عن فعل غائب أيا كانت مواقعه ، ومجالاته ، وحتي في بعض تظاهرات النشطاء امام النقابات ، او التظاهرات المسموح بها في تونس والمغرب ، علي الحياة الفعلية والمحاصرة امنياً ، إلا انالصورة والفيديو باتت هي آداة التأثير المحدودة ، وبعضها يموت في الصورة في ظل النظرات الومضة من الجماعات الرقمية الغفيرة والأفراد الرقميين .
٤- في ظل نهاية الأيديولوجيات والسرديات الكبرى ، لم تعد الأجيال الجديدة تهتم بالأفكار النقلية والأيديولوجية الكبرى ، بما فيها شعارات مراحل التحرر الوطني العالم ثالثية في اعقاب الاستقلال ، وبناء الدولة ابوطنية الهشة ، في مجتمعات عربية انقسامية !
٥- أدي فشل النظم الاستبدادية والسلطوية العربية وشعبوياتها ، في بناء تكامل وطني عبر استراتيجية بوتقة الصهر بقوة أجهزة الدولة الهشة وايديولوجياتها وسندها الاجتماعي داخل بعض تركيباتها –الدينية والمذهبية، والعرقية. ،والقبلية والعشائرية والمناطقية – وهو ما اديالي شروخ حادة في مفهومي الوطنية السلطوية الجامعة ، والهوية الجامعة لصالح هويات متصارعة ، ومن ثم اثر ذلك سلباًعلي الأخزاب السياسية وخطابها الوطني والعروبي والأممي الماركسي ، والناصري .
٦- لدي تمدد الإسلام السياسي وأنماط التدين الشعبي في كل البلدان العربية الي محاصرة الأحزاب السياسية الوطنية والعروبية والماركسية والليبرالية في غالبها وإعاقة إمكاناتها في التمدد وسط الطبقات المعسورة ، وبعض الوسطي ، ومن ثم أضعفت أحزاب السلطة ، والمعارضات ، في ظل تبعية أحزاب السلطة للحكم وسياساته ، والقيود الثقيلة علي أحزاب المعارضة محدودة الأعضاء والقواعد الاجتماعية . من الشيق ملاحظة قدرات بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية في استخدام الحياة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في الحشد والتعبئة والتجنيد ، ونقد خطاب السلطة وسياساتها وقراراتها ، ومعها المعارضة من خلال نمط من التنظيم الرقمي المنضبط والفعال ، في حين فشلت ما يطلق عليهم الكتائب الرقمية التابعة للسلطات العربية ، وترينداتها السياسية ، وتحويلها الي تريندات مضادة لها ولاحزابها، ولاجهزتها الإعلامية والصحفية !
٧- لجأت أجهزة الدولة في عديد البلدان العربية الي صناعة التريندات من خلال الجماعة الفنية ، حول المطربين والمطربات والممثلين والممثلات ، وصورهم وأجسادهم وأنماط زيهم ، وحياتهم الشخصية ،وزواجهم وطلاقهم ونزاعاتهم ، وخلافات بعضهم بعضا ، ولجوءهم للقضاء والدعاوى بين بعضهم بعضا ، او مع الآخرين وضدهم ، وصورهم في المهرجانات ، والحفلات ، والعزاءات ، من اجل كسر الاستقطابات السياسية والاجتماعية ، واصطناع تريندات حولها لشغل الجموع الغفيرة ، والأفراد الرقميين عن متابعة ونقد السلطة وأجهزتها ، ومن ثم ادي ذلك الي المزيد من اتساع الفجوات بين أحزاب السلطة والداعمين والموالين لها ، وبين الجماهير الواقعية والرقمية ، ومع ذلك بات استهلاك التريندات المصطنعة حول الزواج رالطلاق والرفقة لم تعد تستهلك سوي محضُ نظرات ومضاتية ، ولهو ومضاتي ، وتنهي ، ويتحول بعضها الي نقد هؤلاء والسخرية منهم ، وأنهم ليسوا سوي محض لغو وثرثرة ، وسطحية وسخافة ، وتفاهة، تسعي لإثبات حضورهم في المشاهد العامة بديلاً عن استبعادهم في السينما والمسرح واالدراما التلفازية لتجاوزهم ، ونهاية شهرتهم القديمة ، او لان الجيل الشاب يتم إزاحته خلال فترة زمنية قصيرة جدا ، ويتم استبعادهم ، ومن ثم يسعون الي الصور والتريندات علي نحو هوسيً ، ليظلوا حاضرين في الصور والتريندات ، ولكن عصر السرعة الفائقة تجاوزهم !
من هنا أدت الثورة والحياة الرقمية ، والذكاء الاصطناعي الي تغيرات كبري في الأحزاب الكبرى في الدول الرأسمالية النيوليبرالية والشركات الرقمية والإنتاجية والخدمية الكونية ، وتأثيراتها في السياسات ، والقرارات والسلطات التشريعية والتنفيذية والأحزاب في الحكم والمعارضة ، في ظل تراثات ديموقراطية ، وتقاليد وقيم سياسية ليبرالية متغيرة . من هنا تبدو الأحزاب السلطوية العربية وبقاياها وجديدها الداعم لها ، تبدو بلافاعلية او تأثير في الواقع المجتمعي ، والمجال العام المغلق والمحاصر ، والعقل النقدي المعتقل ، وقمع المعارضات ، ومن ثم باتت أحزاب ورقية فارغة ، تنتج خطابات اللغو والثرثرة السياسية المنفصلة عن تحولات الواقع الفعلي والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتوليدي .
من ثم نحن إزاء حالات من الأحزاب السلطوية، ،والداعمة لبعض السلطويات الشعبوية ،وللاوليجاركية العربية الحاكمة في دول العسر، وتتسم بالضعف المؤسسي،وتراجع أدوارها السياسية الهامشية، لصالح الزبائية السياسية، ومواقع القوة حول الحاكم الفرد، وضعف الثقافة السياسية المدنية، والديمقراطية وأزمات الشرعية السياسية، وخاصة بعد الربيع العربي، والثورة الرقمية، وأثرها على الأحزاب السياسية في الدول الرأسمالية النيوليبرالية المتفاقمة في ظل عمليات التحول من الإناسة الروبوتية إلى ما بعد الإنسان، في عالم سائل، وبه عديد الاضطرابات، والتغيرات فائقة السرعة، وهي لاتزال محض أحزاب ورقية ذات فكر محلي سطحي وخطابات سياسية مفارقة لمجتمعاتها ، وإقليمها وعالمها . ( وللحديث بقية ) .

