الطاهر بن قيمة _ تونس
كيف يمكن تنزيل نص درامي من مرتبة التعبير الغربي إلى واقع تونسي له محطاته التاريخية ومواقيته الزمنية؟ تلك هي التجربة التي عملت مسرحية “الصباط” للمخرج منير العرقي أن تؤديها في الدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي “مواسم الإبداع” التي تنظمها مؤسسة المسرح التونسي، في الفترة من 31 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 2026.
سردية المسرحية متماسكة بصورة جمالية لافته، وهو تماسكٌ يظهر في النص الذي كان خاليا من الحشو والاجترار. كما كان الفعل المسرحي معبرا عبر إيقاع سينوغرافي انسجم مع خلفية موسيقية شكّلت عموداً فقرياً سلساً وبجمالية راقية.
إن مسرحية «الصباط»، ورغم استنادها إلى «الهيكل الدرامي» لنص مارشا نورمان الشهير «ليلة سعيدة يا أمي» (‘night, Mother) ، المتماهي جوهرياً مع أطروحات نانسي فرايداي في «أمي، مرآتي»، لم تُبقِ من الأصل إلا هيكله الأساسي؛ حيث تتطابق الحبكة المحورية: ابنة تعلن لأمها عزمها على الانتحار، وما يرافق هذا الإعلان من استرجاع لمراحل حياتها ومساءلة للعلاقة الثلاثية المركبة التي تجمعها بوالديها. وقد صاغت النص باللهجة التونسية صافية الطرابلسي، التي جسّدت باقتدار دور الأم «مبروكة»، إلى جانب آمال البجاوي التي أبدعت في دور الابنة «أمل».
وفي قلب هذا المدّ والجزر النفسي بين الابنة والأم، تتسلل رمزية الأب الغائب-الحاضر عبر «الصباط» (الحذاء). فالأب لا يحضر هنا بوصفه «الأب الواهب» أو «الأب المتخيَّل»، بل بوصفه «الأب المانع/الحارم» (Le père privateur) بالمفهوم اللاكاني؛ فهو في المسرحية سلطة بلا اسم، تكتفي بحضور رمزي باطش يمثله الحذاء الذي ترزح تحته تطلعات «أمل». وفي مقابل استحضار الكاتبة الأمريكية مارشا نورمان لسلطة الأب عبر «المسدس»، آثرت الطرابلسي تجسيد هذا القمع في «الحذاء» وتلميعه المتكرر كطقس خضوع، لتتحول فكرة الانتحار هنا إلى فعل قطيعة جذرية ووصول إلى نقطة اللاعودة.
يُفتتح العرض بلغة جسدية لافتة: تقارب وتباعد، احتضان يتردد بين اللطف والعنف، مجسداً متناقضات الحب والضغينة التي تُحيلنا إلى تحليل نانسي فرايداي لتعقيدات العلاقة الأمومية؛ فالأم رغم قربها، ليست سوى مستودع لإرث الرضوخ وسلطة العادات. لذا، لا يبدو قرار الانتحار هزيمة أو يأساً، بل هو رفضٌ للتسامح وإعلان قطيعة ثلاثية الأبعاد: مع سلطة الأب الحاضر بحذائه، وخضوع الأم لتقاليدها، وواقع عام متردٍ ومأزوم. وتتجلى هذه المفارقة في تركة «أمل» التي تأبى أن تكون تركة عدمية؛ إذ تُخلّف وراءها كتباً، ووثائق، وكوفية، شواهد حية على المقاومة والحياة.
على مستوى السينوغرافيا، يقتصد العرقي في فضاء الركح: كرسي، وطاولة، وفانوس؛ تجريدٌ يُحيل إلى البدء من «الصفحة البيضاء» (Tabula rasa)، في حين تنبثق الفراشة (رمز الانعتاق والتحول) لتملأ جدار المسرح. لقد أحكم منير العرقي ضبط الإيقاع وإدارة الممثلتين بتناغم مع التوزيع الموسيقي الذي قسّم الأحداث زمنياً وبنى تصاعدها الدرامي، واضعاً المتفرج أمام مرآة مكاشفة صريحة ليقول لنا: إن سردية «أمل» ليست شأناً فردياً، بل هي سرديتكم جميعاً. فالتواريخ التي وشح بها المخرج عرضه تذكرنا بماض قريب تكون فيه محاسبة النفس مراجعة جماعية لإرث لا نزال بصدد معايشة أزماته واهتزازاته وآماله المفقودة. لذلك، لا يخرج المتفرج لمسرحية “الصباط” بانطباع أنه شاهد مأساة فتاة تقدم على الانتحار، لأن حديث الانتحار لم يكن سوى السبيل للحديث عن الحياة والثورة والحرية.
