عامةفلسفة

احمد نسيم برقاوي: ذكريات

ذكريات:
في ١٩٩٠ غادرنا دمشق أنا وحامد خليل وطيب تزييني وخضر زكريا إلى جامعة عدن أساتذة معارين إلى قسم الفلسفة .واقامت جامعة عدن حفل وداع لنا.وقد كلفني الإصدقاء أن ألقي كلمة الوداع باسمهم.وقد عثرت عليها بين أوراقي القديمة وإليكموها.
الأعزاء أساتذة و طلاباً:
ليس لدينا شك في الدافع النبيل الذي حدا بكم لتكريمات هذا اليوم وبهذه الطريقة الجميلة.ومن اللحظات الوجدانية العميقة التي يعيشها المرء أن يشعر بأنه محاط بالود من قبل جمهور يمنحه الإحساس بكرامته وبمكانته بوصفه إنساناً قبل كل شيء.
وهذا يعني أنكم بفعلكم هذا إنما تعبرون عن إنسانيتكم وقدرتكم على منح الآخرين
ما يذكرهم في هذا العالم الصعب انهم ذوو شأن بفضل قيمة المعرفة التي يحوزونها.
ولأن الأمر على هذا النحو فالشكر هنا لا معنى له،بل الفرح بكم هو التعبير المطابق.
لا أخفيكم بأنني وانا أتحدث إليكم وبالنيابة عن زملائي أجد نفسي مثقلاً بمهمة لا أجيدها.فأنّا للإنسان الفرد أن يتحول إلى ناقل شعور الآخرين.في الوقت الذي يعيش فيه الإنسان تجربته الفردية الخاصة والتي من المستحيل أن تتطابق مع تجربة الآخرين.
ولهذا فإني لا أدعي أبداً باني سأكون صادقاً فيما لو قلت بأني سأتحدث باسم آخرين.
فزوايا الرؤية في مثل هذه الحال متنوعة وتخضع لاعتبارات متعلقة بحياة الفرد الغنية.
كيف لا والمسألة هنا مسألة وجدانية وحياتية.ومع ذلك لا سبيل أمامي إلا التحدث إليكم بصيغة الجمع.
لقد عشنا بينكم تجربة الإنفصال عن المكان الذي عشنا فيه وتكونا في علاقاته المتنوعة.إن هذا الإنفصال الذي هو اقرب إلى المكان النفسي والثقافي منه إلى الفيزيائي مولد لامحالة لنوع من الإغتراب بالمعنى الفلسفي للكلمة.
فلقد عشنا معكم في عالم مختلف في عاداته وتقاليده وثقافته ولهجته وقيمه رغم إننا ننتمي إلى أصل واحد وأمة واحدة.
لقد سمح لنا هذا الاغتراب ان نطل بعمق لا على وجودكم فحسب وإنما على وجودنا. أيضا.
كيف بدوتم لنا وكيف بدونا لكم، وكيف بدونا لأنفسنا خارج مكاننا. إنها تجربة معرفة الآخر والآخر بدوره يسعى نحو الدخول إلى عالمك. وأنت بالمقابل تتأمل ذاتك.
لا تظنوا بأنها تجربة بسيطة،بل هي تجربة وجودية عميقة.
ترى هل حاول كل واحد منا أن يخفي ذاته عن الآخر؟والإخفاء يصاحب تجربة الإنسان في مسيرة حياته،ويخلق عالماً زائفاً ،أو إن شئتم قولوا إنساناً زائفاً.وكأن الوجود الحقيقي يخشى الفضيحة.
فهل نحن هنا كما نحن هناك؟ ام انكشف ما كان المكان قادراً عل ستره؟
جئناكم ولدينا معرفة مسبّقة عنكم وإذا نحن نعيش معكم في جهل بكم. ومازلت أتساءل ترى هل استطاع كل منا أن يعرف الآخر بعد هذه التجربة الطويلة؟
صدقوني إن قلت لكم لا نعرف بالضبط،لاسيما وعمر الدهاء في الشرق طويل جداً.
ومع ذلك ليست المسألة مسألة معرفة فحسب،لأن في المعرفة نوع من الإنفصال المؤقت بي الذات والموضوع،.بل المسألة مسألة حياة أيضاً.
والحياة بدورها تتطلب الكشف والصدق إلى جانب الزيف واللاحقيقة.ولأن الإنسان مهما أوتي من قوة الإحتفاظ بانفصاله إلا ان يحب حياته مع الآخرين،فغن عالمكم اصبح جزءً من عالمنا،ولهذا كنا نشارككم همومكم ومشاكلكم وطموحاتكم.
هذا الذي دفعنا لأن نكون نقديين تجاهكم إلى الحد الذي كنا نحس معه بأننا نتجاوز حدود اللياقة مع أناس يحتضنوننا.
ولكنكم مع الأسف لم تبادلونا هذه الطريقة في المعاملة ،فلم نسمع منكم نقداً مباشراً لنا.فهل كنا حقاً خارج النقد؟بالتأكيد لا .
فهل كانت آداب الضيافة تحول بينكم وبين النقد؟أننا في هذه الحال شعرنا بالمسافة التي تصرّون على بقائها بيننا وبينكم،
إنني لا أريد مدحكم،ومعظم البشر يحبون المديح. ولهذا لا أخفيكم بان الجانب النقدي لديكم ضعيف.وإنكم رغم ما يبدو لديكم من المماحكة شكلانيون أكثر من اللازم.
إنكم ،كما هم العرب غالباً لا تضعون حدوداً بين موقفكم الذاتي العاطفي وبين الموقف الموضوعي المنشود.
وأحب أن تعرفوا بأننا لم لم نأتكم مصلحين ولا معلمين بل مشاركين لكم في بناء تجربة مخفقة في التعليم الجامعي ،على الأقل،في كلية التربية.
فإن كنا قد نجحنا في هذه المشاركة فهذا ما كنا نطمح إليه،وإن كنا قد أخفقنا فهذه حدود إمكانياتنا.
ولهذا يجب أن تخضع هذه التجربة من قبلكم للنقد والتقويم الموضوعيين،لأنه في ضوء ذلك قد تتحدد لديكم خيارات كثيرة.
أيها الزملاء أيتها الزميلات:إن حرارة اللقاء وحرارة الوداع ستجعلكم دائماً في ذاكرتنا ،وأرجو أن تسمح لنا الظروف باللقاء بكم سواء هنا في عدن أو هناك في الشام.

Related posts
ترجمةفلسفة

الدين والعقل العمومي

ديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

مئوية ابن رشد.. هل من رشدية مغايرة؟

تربية وتعليمعامة

ازمة العقل السياسي البراجماتي المضطرب

ترجمةفلسفة

ادعار موران: الإنسان الشامل وحياته

Sign up for our Newsletter and
stay informed