ترجمةفلسفة

فتحي السكيني والغزالي

إِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي دَعْوَى الْمِسْكِينِيِّ —حِيَالَ مَا زَعَمَهُ مِنْ قِيَامِ تَرْجَمَةٍ لَاتِينِيَّةٍ مُبَاشِرَةٍ لِكِتَابِ “تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ” لِلْغَزَالِيِّ— لَيُلْفِي أَنَّهُ قَدْ تَرَدَّى فِي مَزْلَقٍ مَنْهَجِيٍّ وَعِرٍ؛ إِذْ لَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ حُدُودِ الْهَنَةِ التَّارِيخِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ تَجَاوَزَهَا إِلَى تَعَسُّفٍ فِي التَّأْوِيلِ، حِينَ حَاوَلَ إِسْقَاطَ رُؤًى حَدَاثِيَّةٍ عَلَى مَتْنٍ كَلَامِيٍّ قَدِيمٍ، لَا يَمُتُّ لِتِلْكَ الْمَفَاهِيمِ بِصِلَةٍ، لَا مِنْ حَيْثُ نِظَامُ الِاصْطِلَاحِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ سِيَاقِ النَّشْأَةِ. وَالْحَقُّ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ آرَاءُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ ثِقَاتِ الْمُؤَرِّخِينَ لِحَرَكَةِ التَّرْجَمَةِ، أَنَّهُ مَا مِنْ أَثَرٍ لِتَرْجَمَةٍ لَاتِينِيَّةٍ لِنَصِّ الْغَزَالِيِّ مُنْفَرِدًا فِي الْعُصُورِ الْوُسْطَى، وَإِنَّمَا نَفَذَ صَوْتُ الْغَزَالِيِّ إِلَى أَرْوِقَةِ الْفَلْسَفَةِ “الْمَدْرَسِيَّةِ” {الْسُّكُولَاسْتِيكِيَّةِ} عَبْرَ قَنَاةِ ابْنِ رُشْدٍ، وَبِوَسَاطَةِ كِتَابِهِ “تَهَافُتِ التَّهَافُتِ”؛ وَهُوَ الَّذِي عَرَفَتْهُ الدَّوَائِرُ اللَّاتِينِيَّةُ بِاسْمِهِ الشَّهِيرِ: Destructio Destructionis. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَيْنِهِ، يَنْبَجِسُ مَكْمَنُ الِالْتِبَاسِ الْمَفَاهِيمِيِّ الَّذِي تَرَدَّى فِيهِ الْمِسْكِينِيُّ؛ إِذْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ الْبَوْنُ بَيْنَ الِاصْطِلَاحِ “الْمَدْرَسِيِّ” اللَّاتِينِيِّ السَّائِدِ، وَبَيْنَ الْحَقْلِ “الْأُنْطُولُوجِيِّ” النَّقْدِيِّ فِي مَدَارِسِ التَّفْكِيكِ الْمُعَاصِرَةِ. فَمُفْرَدَةُ ٱلـDestructio فِي مَتْنِ النُّصُوصِ السُّكُولَاسْتِيكِيَّةِ لَمْ تَكُنْ تَشِي بِقَصْدِ “التَّفْكِيكِ” الَّذِي يَرُومُ تَشْرِيحَ الْوُجُودِ إِلَى فُرُوضٍ لُغَوِيَّةٍ مُتَشَظِّيَةٍ، بَلْ كَانَتْ أَدَاةً مِنْ أَدَوَاتِ “صِنَاعَةِ الْجَدَلِ” الْمَنْطِقِيِّ الَّذِي اسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ فِي أَرْوِقَةِ الْمُنَاظَرَاتِ {ٱلـDisputationes} وَالْمَسَائِلِ {ٱلـQuaestiones} الْمَدْرَسِيَّةِ؛ حَيْثُ لَا يَعْنِي ٱلـDestructio هُنَاكَ إِلَّا “نَقْضَ الْبُرْهَانِ” بِإِبْطَالِ مُقَدِّمَاتِهِ، أَوْ “فَسَادَ الِاسْتِدْلَالِ” بِالْكَشْفِ عَنِ انْفِصَامِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْمُقَدِّمَةِ وَالنَّتِيجَةِ. فَالْأَمْرُ إِذَنْ لَيْسَ هَدْمًا لِبِنْيَةِ الْوُجُودِ، بَلْ هُوَ آليَّةٌ مَنْطِقِيَّةٌ تُوزَنُ بِهَا الْحُجَجُ، وَهِيَ أَقْرَبُ مَا تَكُونُ إِلَى مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَدَلِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِـ “نَقْضِ اللَّازِمِ” أَوْ “إِفْسَادِ الِاعْتِبَارِ”؛ وَشَتَّانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا اجْتَرَحَتْهُ خِطَابَاتُ النَّقْدِ الْوُجُودِيِّ بَعْدَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ، حِينَ جَعَلَتِ اللُّغَةَ نَفْسَهَا مَحَلًّا لِلِانْهِيَارِ وَالتَّشْرِيحِ.

​وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى أَصِيلِ الْبِنْيَةِ الْمَدْرَسِيَّةِ لِلْمُنَاظَرَةِ اللَّاتِينِيَّةِ، لَأَبْصَرْنَا أَنَّ لَفْظَ ٱلـDestructio يَتَحَرَّكُ فِي فَلَكِ نِظَامٍ صُورِيٍّ، تَحْكُمُهُ قَوَاعِدُ الْقِيَاسِ وَالْمُمَايَزَةِ بَيْنَ “الدَّعْوَى” {ٱلـPropositio} وَ “النَّتِيجَةِ” {ٱلـConclusio}؛ لِيَبْقَى مَدَارُهُ عَلَى كَشْفِ التَّنَاقُضِ فِي صُورَةِ الْحُجَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ بِـنَقْضِ الْقِيَاسِ أَلْيَقَ مِنْهُ بِـتَفْكِيكِ الْأُنْطُولُوجِيَا، فَالْمُنَاظِرُ “الْمَدْرَسِيُّ” لَا يَرُومُ هَدْمَ أَرْكَانِ الْوُجُودِ، بَلْ يَنْصَرِفُ هَمُّهُ إِلَى سَبْرِ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ؛ وَهُوَ إِذْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا يُزَعْزِعُ بِنْيَةَ الْمَعْنَى فِي ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا يُمَحِّصُ مَدَى اِتِّسَاقِ الْحُجَّةِ مَعَ مَعَايِيرِ الضَّبْطِ الْمَنْطِقِيِّ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْخَلْطَ بَيْنَ اصْطِلَاحِ ٱلـDestructio بِمَفْهُومِهِ الْمَدْرَسِيِّ وَبَيْنَ “التَّفْكِيكِ” بِمَدْلُولِهِ الْمُعَاصِرِ، لَهُوَ أَشْبَهُ مَا يَكُونُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ مِشْرَطِ الْجَرَّاحِ الْحَاذِقِ وَمِعْوَلِ الْهَادِمِ النَّاقِضِ؛ فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ يَسْعَى لِتَقْوِيمِ الْحُجَّةِ أَوْ إِبْطَالِهَا مِنْ دَاخِلِ مَنْظُومَتِهَا، فَإِنَّ الثَّانِيَ يَسْتَنْطِقُ جُذُورَ الْمَعْنَى وَيُسَائِلُ شُرُوطَ إِمْكَانِ الْوُجُودِ نَفْسِهِ. وَعَلَى هَذَا الْمُقْتَضَى، فَإِنَّ اِسْتِعَادَةَ ٱلـDestructio ضِمْنَ أُفُقِهَا التَّارِيخِيِّ الْأَصِيلِ، تَكْشِفُ لَنَا عَنْ مَوْلُودٍ خَرَجَ مِنْ رَحِمِ “الصِّنَاعَةِ الْجَدَلِيَّةِ” الْمُنْضَبِطَةِ؛ حَيْثُ كَانَ الْمُنَاظِرُ يُقِيمُ صَرْحَ “التَّدْمِيرِ” عَبْرَ سِلْسِلَةٍ مَرْتُوبَةٍ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ: فَإِمَّا أَنْ يَنْفُذَ إِلَى “الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ” فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَيَفْضَحَهُ، أَوْ يُبَيِّنَ “انْفِصَامَ التَّلَازُمِ” بَيْنَ الْعِلَّةِ وَمَعْلُولِهَا، أَوْ يُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ النَّتِيجَةَ مَا لَزِمَتْ عَنْ مُقَدِّمَتِهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ “التَّدْلِيسِ الصُّورِيِّ”. وَكُلُّ هَذَا يَشْهَدُ بِأَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ لَمْ يَنْطَوِ قَطُّ عَلَى مَشْرُوعٍ لِتَقْوِيضِ الْكَيَانِ أَوْ هَدْمِ الْمِيتَافِيزِيقَا، بَلْ لَمْ يَكُنْ سِوَى أَدَاةٍ تَقْنِيَّةٍ فِي “مَعْمَلِ الْجَدَلِ”، وُظِيفَتُهَا اخْتِبَارُ الْبَرَاهِينِ وَتَعْرِيَةُ التَّنَاقُضِ، لَا إِعَادَةُ بِنَاءِ الْوُجُودِ عَلَى نُظُمٍ أُنْطُولُوجِيَّةٍ مُسْتَحْدَثَةٍ. وَبِذَلِكَ يَتَجَلَّى أَنَّ حَمْلَ ٱلـDestructio الْمَدْرَسِيَّةِ عَلَى مَحْمَلِ “التَّفْكِيكِ” الْحَدِيثِ لَيْسَ إِلَّا تَعَسُّفًا فِي نَقْلِ مَفَاهِيمَ نَبَتَتْ فِي حَقْلٍ فَلْسَفِيٍّ مُتَأَخِّرٍ، وَإِقْحَامَهَا فِي سِيَاقٍ جَدَلِيٍّ عَتيقٍ، لَا يَشْتَرِكُ مَعَهَا فِي مَبْنًى وَلَا فِي مَعْنًى.

وَلَوْ أَنَّنَا عَمَدْنَا إِلَى تَشْرِيحِ بِنْيَةِ نَّصِّ الْغَزَالِيِّ فِي “تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ” مَحْضَ تَدَبُّرٍ وَتَحْقِيقٍ، لَانْجَلَى لَنَا أَنَّ مَسْلَكَ الرَّجُلِ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ “التَّفْكِيكِ الْمِيتَافِيزِيقِيِّ” الَّذِي اسْتَحْدَثَهُ الْمُعَاصِرُونَ، بَلْ كَانَ اسْتِغْرَاقًا فِي “صِنَاعَةٍ كَلَامِيَّةٍ” قِوامُهَا فَنُّ الْإِلْزَامِ وَإِفْحَامُ الْخَصْمِ؛ إِذْ لَا يَبْنِي الْغَزَالِيُّ اعْتِرَاضَهُ عَلَى نَقْضِ بُنَى الْوُجُودِ فِي أَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا عَلَى تَعْرِيَةِ التَّهَافُتِ الدَّاخِلِيِّ لِلْمَذْهَبِ الْفَلْسَفِيِّ، بِالِانْطِلَاقِ مِنْ عَيْنِ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي اِدَّعَى الْفَلَاسِفَةُ قَطْعِيَّتَهَا. وَيَتَبَدَّى هَذَا بِجَلَاءٍ فِي اعْتِمَادِهِ مَنْهَجَ “التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ”؛ فَهُوَ يَقْبَلُ مَبَادِئَ الْفَيْلَسُوفِ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، ثُمَّ يَسُوقُهَا نَحْوَ لَوَازِمِ مَا بَعْدَهَا، لِيُفْضِيَ بِهَا —عِنْدَ بُلُوغِ الْغَايَاتِ— إِلَى مَضَايِقِ التَّنَاقُضِ أَوْ وُجُوبِ الْمُحَالِ؛ فَيَكُونُ النَّقْضُ هُنَا نَابِعًا مِنْ حَشَايَا النِّظَامِ نَفْسِهِ، لَا مُقْحَمًا عَلَيْهِ مِنْ خَارِجِهِ. ​وَمِنْ ثَمَّ، يَتَّضِحُ أَنَّ حَرَكَةَ الْغَزَالِيِّ تَمْضِي وَفْقَ تَرْتِيبٍ جَدَلِيٍّ مَحْكُومٍ بِنَقْضِ التَّلَازُمَاتِ الْمَزْعُومَةِ بَيْنَ الْعِلَلِ وَمَعْلُولَاتِهَا، لَا بِمُرَامِ “هَدْمِ الْمِيتَافِيزِيقَا” أَوْ تَشْتِيتِ الْمَعَانِي فِي مَتَاهَاتٍ لُغَوِيَّةٍ سَدِيمِيَّةٍ. فَهُوَ —عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ الْمَنْهَجِيِّ— يَتَوَسَّلُ بِبِنْيَةِ “الْقِيَاسِ الْخُصُومِيِّ”، فَيُسَلِّمُ بِالْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، لِيُبَيِّنَ لَاحِقًا أَنَّ النَّتِيجَةَ لَا تَلْزَمُ عَنْهَا إِلَّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّمَةٍ “دَخِيلَةٍ” لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا بُرْهَانٌ؛ وَبِذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ عَوَارِ الِاسْتِدْلَالِ وَيَفْضَحُ كَوْنَهُ قِيَاسًا مَعْلُولَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ “نَقْضِ اللَّازِمِ” لَا “تَفْكِيكِ الْوُجُودِ”. وَمَا تَوْظِيفُهُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ إِلَّا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُحَاجَّةِ الَّتِي تَرُومُ إِثْبَاتَ أَنَّ “الضَّرُورَةَ” الَّتِي تَبَاهَى بِهَا الْفَيْلَسُوفُ لَيْسَتْ إِلَّا تَوَهُّمًا صُورِيًّا، نَشَأَ عَنِ الْخَلْطِ بَيْنَ مُجَرَّدِ “الِاقْتِرَانِ” وَبَيْنَ حَقِيقَةِ “الْعِلِّيَّةِ”. وَمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ إِلَى صَنِيعِهِ فِي تَرْتِيبِ الْمَسَائِلِ، أَدْرَكَ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى سَنَنِ “السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ” الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي عُرْفِ النُّظَّارِ؛ فَهُوَ يَسْتَعْرِضُ قَوْلَ الْخَصْمِ فِي أَحْصَنِ صُوَرِهِ وَأَمْتَنِهَا، ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّقْسِيمِ، مُفَرِّقًا بَيْنَ مَرَاتِبِ الدَّعَاوَى: أَهِيَ مِمَّا نَهَضَ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ أَمْ لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ مِنَ الظَّنِّيَّاتِ؟ وَهَلِ ابْتَنَتْ عَلَى قِيَاسٍ صَحِيحِ الْإِنْتَاجِ أَمْ عَلَى مُصَادَرَةٍ مَسْتُورَةٍ؟ وَهَلْ مَدَارُ التَّلَازُمِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَمْ عَلَى مُجَرَّدِ الْجَوَازِ وَالِاحْتِمَالِ؟ ​وَفِي هَذَا التَّمْيِيزِ الدَّقِيقِ تَنْجَلِي طَبِيعَةُ “النَّظَرِ الْكَلَامِيِّ” الَّذِي يَرُومُ إِحْكَامَ قَبْضَةِ الْإِلْزَامِ الْمَنْطِقِيِّ، لَا نَقْضَ أُسُسِ الْأُنْطُولُوجِيَا بِمِعْوَلِ التَّفْكِيكِ. وَمِنْ ثَمَّ، لَمْ يَكُنِ الْغَزَالِيُّ بِيَسْعَى قَطُّ إِلَى تَقْوِيضِ بِنْيَةِ اللُّغَةِ أَوْ تَحْلِيلِ الدَّلَالَةِ إِلَى لَعِبٍ عَبَثِيٍّ مُنْفَلِتٍ، بَلْ كَانَ قَصْدُهُ “تَأْدِيبَ الِاسْتِدْلَالِ” وَتَعْيِينَ حُدُودِ الْبُرْهَانِ الْفَلْسَفِيِّ حِينَ يَرِدُ مَوَارِدَ الْإِلَهِيَّاتِ وَالْغَيْبِ؛ فَمَا اتَّخَذَ مِنْ فَنِّ الْمُنَاظَرَةِ إِلَّا سَبِيلًا لِإِظْهَارِ التَّهَافُتِ الذَّاتِيِّ، لَا لِتَشْرِيحِ الْوُجُودِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ الْقَائِلُونَ بِالْقِرَاءَاتِ الْحَدَاثِيَّةِ.

فيَبِينُ أَنَّ مَنْهَجَ الْغَزَالِيِّ أَدْنَى إِلَى “نَقْضِ الِاسْتِلْزَامِ” وَ”إِفْسَادِ الِْاعْتِبَارِ” مِنْهُ إِلَى أَيِّ مَشْرُوعٍ آخَرَ لِهَدْمِ الْمِيتَافِيزِيقَا؛ إِذْ كَانَ قَلْبُ اعْتِبَارِهِ مَوْقُوفًا عَلَى أُفُقِ عِلْمِ الْكَلَامِ، ذَلِكَ الَّذِي يَرَى فِي الْجَدَلِ حِصْنًا لِتَوَازُنِ الْعَقْلِ مَعَ النَّقْلِ، لَا مِعْوَلًا لِثَلْمِ بِنْيَةِ الْمَعْنَى فِي جَوْهَرِهَا. بَلْ إِنَّ السَّابِرَ لِأَغْوَارِ طَرِيقَةِ الْغَزَالِيِّ، لَيَلْحَظُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ عَنِ الْبِنْيَةِ الْقِيَاسِيَّةِ الصُّورِيَّةِ الَّتِي أَرْسَى دَعَائِمَهَا الْمَنْطِقُ الْأَرِسْطِيُّ؛ بَلْ كَانَ فِي جُلِّ مَوَاضِعِهِ يَتَحَرَّكُ فِي فَلَكِهَا، مُسْتَعْمِلًا أَشْكَالَ الْقِيَاسِ وَمَرَاتِبَ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالنَّتَائِجِ، لَا بِيَقِينِ مَنْ يَرُومُ تَقْوِيضَ الْبِنْيَةِ الْأُنْطُولُوجِيَّةِ لِلْوُجُودِ، بَلْ بِحِذْقِ مَنْ يَكْشِفُ عَنْ تَهَافُتِ الدَّعْوَى بِـ “الضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ” حِينَمَا تَجْتَازُ حُدُودَهَا الْمَشْرُوعَةَ. فَهُوَ يُدِيرُ مَفَاهِيمَ “الْإِمْكَانِ” وَ”الْوُجُوبِ” وَ”الِاسْتِحَالَةِ” وَ”الْعِلِّيَّةِ” عَلَى مِحْوَرِ الْجَدَلِ الْمُنْضَبِطِ؛ فَيُرْخِي لِلْخَصْمِ عِنَانَ التَّسْلِيمِ بِبَعْضِ مُصَادَرَاتِهِ، ثُمَّ يَسْتَنْطِقُهَا بِمَعَايِيرِ الْقِيَاسِ نَفْسِهِ حَتَّى يَتَفَجَّرَ التَّنَاقُضُ مِنْ أَحْشَائِهَا. وَفِي هَذَا مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ اسْتِخْدَامَهُ لِلْمَنْطِقِ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى سَبِيلِ “تَأْدِيبِ الِاسْتِدْلَالِ” لَا عَلَى مَنْزَعِ “نَقْضِ الْمِيتَافِيزِيقَا”. ​فَعِنْدَمَا تَصَدَّى —مَثَلًا— لِدَعْوَى “قِدَمِ الْعَالَمِ”، لَمْ يَعْمِدْ إِلَى هَدْمٍ كُلِّيٍّ لِفِكْرَةِ الْوُجُوبِ أَوْ لِمَبْدَإِ الْعِلِّيَّةِ، بَلْ سَلَكَ مَسْلَكَ “نَقْضِ الدَّعْوَى بِإِبْدَاءِ لَوَازِمِهَا”؛ حَيْثُ جَلَّى أَنَّ الِادِّعَاءَ بِضَرُورَةِ الْقِدَمِ لَا يَسْتَقِيمُ عُودُهُ إِلَّا إِذَا سُلِّمَ بِتَطَابُقٍ تَامٍّ بَيْنَ “الْإِمْكَانِ الذِّهْنِيِّ” وَ”الْوُجُوبِ الْخَارِجِيِّ”، وَهُوَ تَطَابُقٌ لَا يَرَاهُ إِلَّا مُجَرَّدَ فَرْضٍ عَرِيٍّ عَنِ الْبُرْهَانِ. ثُمَّ نَصَبَ لِذَلِكَ قِيَاسًا مُرَكَّبًا يُبَيِّنُ أَنَّ تِلْكَ “الضَّرُورَةَ” لَيْسَتْ إِلَّا وَهْمًا صُورِيًّا قَامَ عَلَى تَعْوِيمِ مَفْهُومِ الْعِلَّةِ، وَأَنَّ الِاتِّصَالَ الْمَزْعُومَ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ —عَلَى وَجْهٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ الِانْفِصَالُ— هُوَ فِي جَوْهَرِهِ مَحْصُولُ “تَوَهُّمِ لُزُومٍ” لَمْ يُثْبِتْهُ الدَّلِيلُ إِلَّا بِمُصَادَرَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ يَفْطَنِ الْفَلَاسِفَةُ لَهَا.

وَمِنْ ثَمَّ، نَلْفِيهِ يُشَيِّدُ حُجَّتَهُ عَلَى سَبْرٍ دَقِيقٍ لِمَرَاتِبِ “الْإِمْكَانِ”؛ فَيَفْصِلُ بَيْنَ “الْإِمْكَانِ الذِّهْنِيِّ” —الَّذِي يَتَّسِعُ لِفُنُونِ الْفُرُوضِ وَالِاحْتِمَالَاتِ— وَبَيْنَ “الْوُجُوبِ الْخَارِجِيِّ” الَّذِي لَا يَنْهَضُ بِنَفْسِهِ دُونَ مُرَجِّحٍ يُوجِبُهُ. وَهَذَا التَّمْيِيزُ عِنْدَهُ لَا يَرُومُ تَقْوِيضَ أَرْكَانِ الْمِيتَافِيزِيقَا، بَلْ يَقْصِدُ إِلَى حَصْرِ حُدُودِ الِاسْتِدْلَالِ، مَنْعًا لِانْزِلَاقِهِ مِنْ “أَدَاةٍ تَفْسِيرِيَّةٍ” إِلَى “دَعْوَى ضَرُورِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ” لَا سَنَدَ لَهَا.
​أَمَّا فِي مَبَاحِثِ “الْعِلِّيَّةِ”، فَالرَّجُلُ يَتَوَسَّلُ بِبِنْيَةِ “الْقِيَاسِ الِاسْتِثْنَائِيِّ”؛ إِذْ يُسَلِّمُ بِوُقُوعِ الِاقْتِرَانِ بَيْنَ الظَّاهِرَتَيْنِ مُشَاهَدَةً، ثُمَّ يَنْفُذُ إِلَى جَوْهَرِ الرَّابِطَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ “الْمُصَاحَبَةِ” لَا يَسْتَلْزِمُ “الِاتِّصَالَ الضَّرُورِيَّ”. وَبِهَذَا، يَنْقُلُ الدَّعْوَى مِنْ رُتْبَةِ “الْوُجُوبِ الْأُنْطُولُوجِيِّ” إِلَى حَيِّزِ “الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ”؛ وَهُوَ مَسْلَكٌ جَدَلِيٌّ مَحْضٌ، غَايَتُهُ كَشْفُ فَسَادِ الِاسْتِلْزَامِ، لَا هَدْمُ مَبْدَأِ السَّبَبِيَّةِ فِي عَيْنِهِ. ​وَلَوْ تَأَمَّلْنَا نَظْمَ حُجَجِهِ، لَوَجَدْنَاهَا تَنْتَسِقُ فِي “قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ”: يَبْدَأُ بِمُقَدِّمَةٍ مُسَلَّمَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُجَارَاةِ، ثُمَّ يُفَرِّعُ عَلَيْهَا لَوَازِمَهَا، لِيَنْتَهِيَ بِإِثْبَاتِ “الِانْفِصَامِ” بَيْنَ اللَّازِمِ وَالْمَلْزُومِ. وَهَذَا الصَّنِيعُ يَجْعَلُهُ بِـ “نَقْضِ الْقِيَاسِ” أَلْيَقَ مِنْهُ بِـ “تَفْكِيكِ الْأُنْطُولُوجِيَا”؛ فَلَيْسَ ثَمَّةَ عِنْدَهُ قَصْدٌ لِتَشْتِيتِ الْمَعْنَى أَوْ رَدِّ الْمِيتَافِيزِيقَا إِلَى أَلْعَابٍ لُغَوِيَّةٍ سَائِبَةٍ، بَلْ ثَمَّةَ حِرْصٌ بَالِغٌ عَلَى “تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ” وَتَعْرِيَةِ الدَّعَاوَى الَّتِي تَتَزَيَّ بزيِّ الْبُرْهَانِ وَهِيَ خِلْوٌ مِنْهُ. ​وَبِالْجُمْلَةِ، يَتَجَلَّى أَنَّ تَوَظِيفَهُ لِمَفَاهِيمِ الْإِمْكَانِ وَالْوُجُوبِ وَالْعِلِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عُدَّةً جَدَلِيَّةً دَاخِلَ حِيَاضِ “عِلْمِ الْكَلَامِ”، لَا مِعْوَلًا لِتَقْوِيضِ الْمِيتَافِيزِيقَا، وَلَا سَبِيلًا لِإِعَادَةِ بِنَائِهَا عَلَى طَرِيقَةِ التَّفْكِيكِيِّينَ الْمُحْدَثِينَ
وَمِنْ هُنَا، يَتَجَلَّى أَنَّ التَّعَلُّقَ بِأَهْدَابِ اصْطِلَاحِ ٱلـDestructio لِفَهْمِ مَرَامِي الْغَزَالِيِّ، لَيْسَ إِلَّا “إِسْقَاطًا مَعْرِفِيًّا” {أَبِسْتِيمُولُوجِيًّا} مُضَاعَفًا:

فَأَوَّلُ وُجُوهِ هَذَا الْإِسْقَاطِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ نَبَتَ فِي بِيئَةٍ لَاتِينِيَّةٍ “مَدْرَسِيَّةٍ” كَانَ شُغْلُهَا الشَّاغِلُ تَقْوِيمَ “الْمَنْطِقِ الصُّورِيِّ” لِلْبَرَاهِينِ، بَعِيدًا عَنْ أَرْوِقَةِ “الْجَدَلِ الْكَلَامِيِّ” الْقَائِمِ عَلَى فَنِّ الْمُنَاظَرَةِ وَآدَابِهَا.

أَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي، فَهُوَ أَنَّ صُورَةَ الْغَزَالِيِّ الَّتِي طُبِعَتْ فِي أَذْهَانِ “السُّكُولَاسْتِيكِيِّينَ” لَمْ تَكُنْ صُورَةَ نَصِّهِ الْأَصِيلِ، بَلْ صُورَتَهُ الْمُنْعَكِسَةَ فِي مِرْآةِ خَصْمِهِ ابْنِ رُشْدٍ؛ أَيْ أَنَّهُمْ تَعَامَلُوا مَعَ “غَزَالِيٍّ رُشْدِيٍّ” أُعِيدَ تَرْكِيبُهُ لِيُنَاسِبَ الرَّدَّ، لَا مَعَ الْغَزَالِيِّ “التَّارِيخِيِّ” الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِي فَلَكِ الْخِطَابِ الْكَلَامِيِّ الْإِسْلَامِيِّ.

​فَالزَّعْمُ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ كَانَ يَسْلُكُ مَسْلَكَ “التَّفْكِيكِ” بِمَعْنَاهُ الْحَدَاثِيِّ —اتِّكَاءً عَلَى ذَاكَ الْعُنْوَانِ اللَّاتِينِيِّ الْمُقْحَمِ— هُوَ خَلْطٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ أُفُقَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ شَاسِعٌ: أُفُقِ الْمُنَاظَرَةِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي تَرُومُ الْإِلْزَامَ وَإِظْهَارَ التَّنَاقُضِ، وَأُفُقِ النَّقْدِ “الْأُنْطُولُوجِيِّ” الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَتَّخِذُ مِنْ هَشَاشَةِ الْمَعْنَى نَفْسِهِ مَيْدَانًا لِتَشْرِيحِهِ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الْفَهْمَ السَّدِيدَ لِـ “تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ” لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى مَعْدِنِهِ الْأَصِيلِ: مَعْدِنِ “عِلْمِ الْكَلَامِ”؛ ذَلِكَ الْعِلْمِ الَّذِي نَظَرَ إِلَى الْفَلْسَفَةِ لَا بِصِفَتِهَا نَسِيجًا لُغَوِيًّا يُفَكَّكُ، بَلْ بِوَصْفِهَا “مَذْهَبًا” يُلْزَمُ بِلَوَازِمِهِ الْفَاسِدَةِ لِيَبْقَى مِيزَانُ الْحَقِيقَةِ قَائِمًا بَيْنَ مَعْقُولِ النَّصِّ وَصَرِيحِ الْعَقْلِ. إِذْ ذَاكَ، يَنْكَشِفُ لَنَا مَزْلَقُ الْمِسْكِينِيِّ حِينَ جَعَلَ مِنْ مَفْهُومٍ لَاتِينِيٍّ طَارِئٍ “أُقْلِيدًا” {مِفْتَاحًا} لِقِرَاءَةِ مَتْنٍ كَلَامِيٍّ عَتِيقٍ، فَتَرَدَّى فِي إِسْقَاطٍ زَمَنِيٍّ وَمَفَاهِيمِيٍّ مُزْدَوَجٍ؛ فِيمَا ظَلَّ الْغَزَالِيُّ فِي جَوْهَرِهِ مُجَادِلًا كَلَامِيًّا يُتْقِنُ حِبَاكَةَ الْإِلْزَامِ، لَا “مُفَكِّكًا” يَمْتَشِقُ مَفَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ فِي رَحِمِ التَّارِيخِ بَعْدُ.

Related posts
ترجمةفلسفة

بعيدا عن التحيزات المجانية: قراءة متوازنة في رحيل هابرماس

تربية وتعليمفلسفة

عزالعرب لحكيم بناني: وداعا هابرماس

ترجمةفلسفة

في الرد على يورغين هابرماس

ترجمةفلسفة

ردّ مبكت على لوك فيرّي

Sign up for our Newsletter and
stay informed