ترجمةفلسفة

جون فيولاك: ميكافيلي وفعالية الشر(1)

جون فيولاك(2)

ميكافيلي وفعالية الشر(1)

جون فيولاك(2)

ترجمة يوسف اسحيردة

نيكولاس ميكافيلي (1469 – 1527) هو الرجل الذي حَرَّرَ الممارسة السياسية والمعرفة التاريخية من كل قاعدة أخلاقية وكل استنادٍ إلى فكرة الخير. ومع ذلك، فهو لم يكن مُنَظِّرًا، بل موظفا ساميا لجمهورية فلورنسا، ومستشارً، وديبلوماسيًا. في سنة 1512، شَكَّلَت عودة آل ميديشي إلى السلطة نهاية الجمهورية : ميكافلي تعرض للإقالة من منصبه وتم سجنه. بعد إطلاق سراحه، لاذ بالبادية. ومن أجل نيل إعادة إدماجه في إدارة فلورنسا، ألَّفَ كتاب “الأمير” الذي قام بإهداء نسخته الأخيرة إلى لوران الثاني آل ميديشي، الذي حكم فلورنسا بين سنتي 1513 و1519.

—حقيقة الوقائع–

ليس كتاب “الأمير” بالبحث النظري: إنه دليل عملي، أي مجموعة من النصائح المُساعدة في الاستيلاء على السلطة والمحافظة عليها. اعتمد ميكافيلي في كتابة هذا الخطاب الحقيقي في منهج السلطة، على دراسة دقيقة لتاريخ روما وايطاليا، وعلى وجه الخصوص من بوابة عمل المؤرخ الروماني تيت ليف ( 59 ق.م–17 ب.م). من هنا الطابع الفريد للنص، الذي هو واقعيته : ميكافيلي لا ينطلق مما يجب أن يكون عليه الإنسان، ولكن مما هو عليه بالفعل؛ كما يُعبر عن ذلك هو نفسه، حين يقول بأن ما يصبو إليه، هو الامتثال ” للحقيقة الفعلية للشيء، وليس لما ينسجه الخيال حوله”. في حين أن دراسة التاريخ، تُبين أن ما يحكم في السياسة هو القسوة والمكر والعنف والكذب، وليس الطيبة والنزاهة والأخلاق.

وبناء على هذا الأمر، ولما كان التاريخ السياسي يُظهر حضور الشر وفاعليته، فسيكون في حكم الانتحار أن يتصرف المرء في السياسة كانسان صالح. يُدَلِّلُ ميكافيلي على نصائحه هذه قائلا : ” هناك بون شاسع بين الطريقة التي نعيش بها وتلك التي نطمح للعيش بها، لدرجة أن من يخلط بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون يتعلم كيف يدمر نفسه عوض حفظها…أيضا من الضروري بالنسبة لأمير، إذا كان يريد الاستمرار، أن يتعلم القدرة على أَلَّا يكون طيبا”. إنها الأطروحة التي يصوغها في هذا المقتطف (أنظر النص أسفله) : فيه يتوجه ميكافيلي مباشرة إلى الحاكم، والنصيحة الأساسية التي يعطيه إياها هي عدم احترام الأخلاق، وتحديدا معرفة الابتعاد عنها إذا دعت الضرورة. حينها تتحرر السياسة من كل إحالة إلى مُثل العدالة والخير، لتغدو الفعالية هي تقييمها الأساسي.

حتى ذلك الحين، في الحقيقة منذ أفلاطون وحتى طوما الأكويني، كانت السياسة والأخلاق مرتبطتين بشكل مطلق، والسياسة بوصفها أخلاقا جماعية، كانت وظيفتها الأولى هي تحديد كيفية جعل الأفراد يتمتعون بالفضيلة. مع ميكافيلي، تم فك الارتباط بين الأخلاق والسياسة : هذه الأخيرة أصبحت أولا وقبل كل شيء مسألة قوة. هكذا وَقَّعَ كتاب “الأمير” على نهاية الأوهام، حين ظهرت إلى العلن الطبيعة الحقيقية للسلطة والتاريخ.

غير أنه سيكون من المغالطة بما كان اعتبار كتاب “الأمير” بمثابة نظرية في السلطة، لا هم له سوى مدح العنف والنزعة الكلبية، أي امتداح “الميكافيلية” بالمعنى الدارج للكلمة. لا مدح من هذا القبيل عند ميكافيلي، وإنما وصف موضوعي للدولة وقوانين اشتغالها، وهو وصف يكشف الستار عن مبدأ “مصلحة الدولة” الذي يجعل هذه الأخيرة تتنكر لنفس القوانين التي تُلزم بها المَحْكُومين. من هذا المنظور، فميكافيلي هو مؤسس الحداثة السياسية.
اعتبارً من ذلك الوقت، بقي التاريخ ميكافيليا. وهكذا، فإن فلسفة طوماس هوبز، أول مُنَظِّرٍ للدولة الحديثة في “اللويثان”، قد وضعت كَمُنْطَلَقٍ أن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، وقامت بتأسيس الحياة المشتركة، لا على الميزات الأخلاقية، وإنما على العنف والخوف. هذه الواقعية القلقة في قراءة التاريخ، هي التي ألزم بها ميكافيلي ورثته.

—مقتطف من كتاب “الأمير” لميكافيلي—

“قدرته على ارتكاب الشرور إذا اضطر إليها”

كلنا نعرف مدى الثناء الذي يناله الأمير الذي يحفظ عهده ويحيا حياة مستقيمة، دون مكر. لكن تجارب عصرنا هذا تدل على أن أولئك الأمراء الذي حققوا أعمالا عظيمة هم من لم يصن العهد إلا قليلا. وهم من استطاع أن يُؤثر على العقل بما له من مكر. كما استطاعوا التغلب على من جعلوا الأمانة هاديا لهم.

فعلى الأمير إذن ألا يحفظ عهدا يكون الوفاء به ضد مصلحته، وألا يستمر في الوفاء بوعد انتهت أسباب الارتباط به. وقد يكون هذا المبدأ مبدأ شريرا لكن هذا يصدق فقط في حالة ما إذا كان كل البشر من الأخيار. لكن إذا كانوا جميعا من الأشرار ولن يرعوا عهودهم معك، فهذا يسمح لك أن تكون في حل من عهودهم. فلم يفشل أي حاكم في اختلاق الأعذار المقبولة التي يبرر بها عدم الوفاء بالعهد. وهناك عدد لا حصر له من الأمثلة في العصر الحديث تؤكد ذلك، وتوضح أن هناك وعودا كثيرة قد بطلت بسبب عدم وفاء الأمراء بها. كما توضح لنا أن الذين استطاعوا تقليد الثعلب بمهارة حققوا أفضل نجاح. ولكن لابد لك أن تكون قادرا على إخفاء هذه الصفة بمهارة، وتستطيع التمويه والخداع. حيث أن البسطاء من الناس على استعداد لقبول أي أمر واقع، ومن يخدعهم سيجد من بينهم من يقبل أن ينخدع بسهولة.

ولن أذكر سوى مثال حديث واحد، حيث لم يفعل الاسكندر السادس شيئا سوى التغرير بالناس، فلم يفكر بغير ذلك، ودائما ما واتته الفرصة لتحقيقه. فلم يتفوق عليه أحد في قدرته على توفير الضمانات، وتأكيد الأمور بالحلف الكاذب، ولم يتفوق عليه أحد في عدم الوفاء بالعهد، وكانت حيله دائما موفقة تحت أي ظروف، لأنه كان يفهم هذا الأمر جيدا.

وليس من الضروري للأمير أن تكون لديه كل الخصال التي سبق ذكرها، على أنه من الضروري أن يبدو عليه أنه يتصف بها. وأستطيع أن أقول: إن المحافظة على التحلي بهذه الصفات، والحفاظ عليها أمر خطير، لكنه أمر مفيد على أي حال. وعلى ذلك فمن المفيد أن يبدو الأمير رحيما، وفيا حلو الصفات، صادقا، متدينا، وأن يكون كذلك فعلا، وليس مظهرا فقط. ولكن يجب أن يتهيأ عقلك كي تتحول إلى أضداد هذه الصفات عند الحاجة. ويجب أن يكون من المفهوم أن الأمير حديث العهد بالإمارة لا يمكنه مراعاة كل ما يعتبره الناس خيرا، وذلك لأنه في سبيله للحفاظ على الدولة قد يضطر للقيام بأعمال ضد الوفاء والإحسان والصفات الحسنة والدين. ولذلك فعليه أن يُعد عقله للتكيف مع أي ريح قد تهب عليه، ومع تغييرات المستقبل. كما يجب عليه (كما سبق أن قلنا) أن لا يبتعد عن الخير قدر الإمكان مع قدرته على ارتكاب الشرور إذا اضطر إليها.

وعلى الأمير أن يصون لسانه فلا ينطق إلا بما يسبغ عليه من الصفات الخمس الطيبة السابق ذكرها. ولابد له أن يبدو رحيما وصادقا ومستقيما ومتدينا أمام من يراه ويسمعه. وهذه الصفة الأخيرة ضرورية جدا لأن الناس يحكمون على ما يرونه بأعينهم، وليس على ما يدركونه، فكلنا يستطيع الرؤية، لكن قلة قليلة منا تستطيع أن تدرك واقع الحال الذي أنت عليه، وهي غير قادرة على مواجهة الكثرة التي تحميها مهابة الأمير. وفي كافة أعمال البشر -وخاصة الأمراء- فإن الغاية تبرر الوسيلة، وهذا حكم لا يمكن نقضه؛ فعلى الأمير إذن أن يهدف للفوز بالولاية والمحافظة عليها، وسوف يحكم الجميع على وسائله بأنها شريفة ويمدحونها أيضا. فعامة الناس يحكمون على الأشياء من مظهرها الخارجي. وهذا العالم لا يتكون إلا من هؤلاء العامة. أما غير الساذجين فهم قلة تنعزل حين تجد الكثرة مجتمعة حول الأمير.
الأمير – ميكافيلي (ترجمة أكرم مؤمن، مكتبة ابن سينا)

(1). Le point, références, décembre 2016 – Janvier 2017, Le bien et le mal (les textes fondamentaux)

(2). جون فيولاك، هو مؤلف كتاب “في المنطق التوليتاري. رسالة حول أزمة الغرب” (PUF, «épiméthée »,2013 )

Related posts
ترجمةفلسفة

كاميلك امهوف: الراسمالية الجدية

ترجمةفلسفة

لشبكات الاجتماعية الرقمية في تاريخ الرأسمالية وتحولات الشركات الكبرى

تربية وتعليمفلسفة

عزالعرب لحكيم بناني: فلسفة الأخلاق والذكاء الاصطناعي

تربية وتعليمفلسفة

موليم العروسي.. يقظة الفكر في الفن

Sign up for our Newsletter and
stay informed