الفلسفة بصيغة المؤنثترجمةفلسفة

حنة أرندت ونقد الحداثة

حنة أرندت ونقد الحداثة

  • د. السيد ولد أباه
    من أهم من كتب من منظور نقدي في فكر الحداثة الفيلسوفة الألمانية-الأمريكية “حنة أرندت” (ت 1973). وقد تناولت هذا الموضوع المحوري من ثلاث زوايا رئيسية شديدة الترابط، هي: دوائر الفعل الإنساني، والممارسة السياسية الاجتماعية، والتجربة التوتاليتارية.
    في كتابها “وضعية الإنسان” (The Human Condition) الصادر سنة 1958، ميّزت أرندت بين ثلاثة أنواع من الممارسات التي يمارسها الإنسان في المجتمع الحديث، هي: الشغل (labor)، والعمل (work)، والنشاط (action).
    الشغل هو نمط من الممارسة مرتبط بالضرورات الحيوية الأساسية من حاجيات بيولوجية يتطلبها العيش، مثل الغذاء والتكاثر والاستمرار في الوجود. ومن أمثلته الظاهرة الزراعة والطهي والتنظيف، أي كل ما يتعلق بالأشياء المستهلكة وفق متطلبات الضرورة والحاجة. الشغل هو الجانب الحيواني من حياة الإنسان، ويتسم بالتكرار والدائرية والنقص وعدم الاكتمال.
    ما تلاحظه أرندت، في ضوء قراءتها العميقة لنصوص ماركس، هو أن المجتمع الحديث ينتظم بحسب مفهوم الشغل وما يفضي إليه من بنيات اجتماعية، بحيث يمكن نعت المواطن بأنه الفرد الكادح ضمن مجتمع من الشغيلة، يهيمن فيه الاقتصاد على السياسة، ومنطق الإنتاج على الثقافة، وتحدد فيه آليات الإنتاج والاستهلاك تركيبة النظام القائم. وهكذا يتم اختزال الإنسان في أبعاده البيولوجية الحيوية الدنيا، ويبدو هدفه الأوحد استمرار وجوده المادي المحض.
    أما العمل فتعرفه أرندت بأنه “إنتاج العالم المصطنع الدائم”. والعالم المصطنع هو ما ليس طبيعياً، ويكون حصيلة فعل إنساني مثل بناء البيوت، وشق الطرقات، ووضع القوانين، وإقامة المؤسسات. وميزته أنه يتجاوز الإطار البيولوجي المحدود والمؤقت، ويستمر مع الزمن والتحول. إنه يمنح العالم الإنساني الاستقرار والثبات، وينشئ فضاءً مشتركاً يمتد لعدة أجيال، هو مجال العيش المشترك والتواصل الإنساني الناجع. إلا أن حنة أرندت تلاحظ أن الإنسان الصانع يفكر حسب ثنائية الغاية والوسيلة، أي بحسب المنطق الأداتي الذي يقيس كل الأشياء بالفائدة العملية المترتبة عليها. إنه منطق حسابي تقني موجَّه بالسيطرة والتحكم، إلى حد أن الإنسان نفسه يغدو مجرد وسيلة وأداة، كما هو الشأن في الممارسة السياسية الحديثة.
    أما النشاط فهو جانب الممارسة المتعلق بالسياسة من حيث هي مجال للحرية والنقاش العمومي والتعددية المعقولة. ويتسم النشاط بكونه غير قابل للتحديد المسبق ولا للتحكم القبلي؛ إنه يتميز بالإبداع المتجدد الذي تعبر عنه مقولة “الولادة”، التي تعني إنشاء الجديد والاستئناف المستمر.
    على عكس تركيز مارتن هايدغر على الموت من حيث هو المدخل إلى فهم الوجود الإنساني، تركز حنة أرندت على الولادة التي هي التعبير عن مضمون حرية الإنسان، أي قدرته على التجدد الدائم والإبداع المستمر. وما تعنيه مقولة الولادة هو أن كل إنسان متميز ومختلف من حيث مساره وطبيعة خياراته الذاتية، ومن ثمّ اتسام المجتمع بالتنوع والتعددية في سياق تاريخي مفتوح، قابل دوماً للتحسن والمراجعة، حتى بعد أفظع لحظات الحروب والفتنة والاستبداد.
    في تقويمها للعصور الحديثة، بالمقارنة مع المراحل السابقة، تلاحظ أرندت أن المجتمعات الحديثة حولت الشغل إلى ظاهرة محورية، وأصبح فيها العمل ممارسة تكنوقراطية، بينما تم تهميش النشاط الذي كان في المجتمع اليوناني القديم هو الدائرة الأكثر سموّاً واكتمالاً، على عكس الدوائر التقنية والعملية.
    ما نستنتجه من هذه الملاحظات المقارنة عند أرندت هو أن الحداثة ألغت الممارسة السياسية في مقابل هيمنة الاقتصاد والإدارة والعمل المنتج، واختزلت الإنسان في وضع العامل المستهلك. وبالتالي تحول تدبير المجتمعات البشرية إلى تسيير بيروقراطي آلي، لا مكان فيه للحرية والعالم المشترك.
    بالنسبة لحنة أرندت، ليست السياسة ممارسة قانونية أو مؤسسية، ولا تكمن في الإنتاج والاختراع المادي، بل إن مجالها هو النشاط التعددي حيث يلتقي البشر فيما بينهم ويتناقشون في فضاء مفتوح بسلاح الكلمة والبرهان.
    وعلى عكس المذهب الكانطي، تبين حنة أرندت أن الحرية لا تتعلق بالإرادة والوعي ولا بالخيار الذاتي المستقل، بل مناطها هو الفعل في مجال عمومي مشترك. في العصر الحديث نشهد غياب السياسة وبروز بُعد بشري جديد هو البعد الاجتماعي، الذي يعني إدارة الحاجيات الجماعية واستبدال الحرية بالأمن، بحيث تتركز الفاعلية الإنسانية في الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية التي أفرزها نظام قسمة العمل بخريطته الطبقية الجديدة.
    ومن الواضح أن حنة أرندت لا ترى في الليبرالية الديمقراطية نظام الحريات والحقوق كما يُتصور عادة، بل إنها لا تختلف في الجوهر عن طبيعة المجتمعات الحديثة الأخرى، من حيث غياب البعد النشاطي التعددي الحر الذي هو مضمون السياسة، وتحول الحرية إلى مفهوم اقتصادي وقانوني يتعلق بتنظيم حريات الملكية والإنتاج، لا بعلاقات البشر في عالم تعددي مشترك.
    ومن هنا الربط بين الحداثة والظاهرة التوتاليتارية، التي لا تعني الاستبداد بالمفهوم الدقيق، بل تعني تحلل مفهوم السياسة وضياع العالم المشترك وتجذر العزلة والاستلاب. فالتوتاليتارية، في شكليها الأقصيين (النازية والستالينية)، لا تهدف فقط إلى التحكم في الإنسان والهيمنة عليه، بل تسعى إلى تغيير الطبيعة الإنسانية ذاتها وصناعة إنسان جديد.
    ومن بين المحددات الجديدة للتوتاليتارية التي تقف عندها أرندت: مجتمع الكتل المفككة، الذي تختفي فيه التقاليد الثقافية والسلط المرجعية التي كانت تربط بين البشر، وتضعف فيه الروابط السياسية المدنية؛ والأيديولوجيات التعبوية التي تدعي القدرة على ضبط قوانين التاريخ وصناعته، فتقضي على التعددية والحكم النقدي والإبداع؛ ومسالك القمع من حيث هو نمط من الحكم السياسي القائم على الخوف والرعب.
    في نص شهير حول محاكمة المجرم النازي أيخمان، تحدثت حنة أرندت عما سمته “تفاهة الشر”، وهو مفهوم أثار جدلاً واسعاً، يتعلق بنمط جديد من الشر متولد عن الحالة البيروقراطية العادية التي تكرس الطاعة المفروضة وغياب الحكم الأخلاقي والتفكير النقدي. ووفق هذا المصطلح، تخلص أرندت إلى أن الحداثة، وإن كانت لا تقتضي بالضرورة التوتاليتارية، فإنها تنشئ بيئة ملائمة لها من خلال ظواهر البيروقراطية والتحشيد الأيديولوجي وانغلاق المجال العمومي، التي هي التعبير عن انهيار السياسة وغياب الحرية والتفكير.
Related posts
الفلسفة بصيغة المؤنثعامة

لبنى كيسي:الكاتب والذكاء الاصطناعي

ترجمةفلسفة

انطونيو داماسيو: خطأ ديكارت

ترجمةفلسفة

جون رانسوا دورتيه: ما الاديان؟

ديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

احمد برقاوي: أطاريح في ماهيّة النّقد الفلسفيّ

Sign up for our Newsletter and
stay informed