الفلسفة بصيغة المؤنثعامة

لبنى كيسي:الكاتب والذكاء الاصطناعي

كيف يتوجس بعض الكتاب من الذكاء الإلكتروني، وكأنه سينتج كتابا جددا ينافسونهم في الموهبة؟
وهل يصنع الذكاء الإلكتروني منك كاتبا؟

سؤال يبدو بسيطا في زمن تتسارع فيه الأدوات وتتضاعف الإمكانات. فبضغطة زر تتدفق المراجع، تختصر الدراسات، ترتب الأفكار، وتفتح مسارات بحث كانت تستغرق أياما من التنقيب. لكن بين السرعة والعمق مسافة لا تُختَصر تقنيا، وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي❗️
الكاتب الحقيقي يدخل إلى نصه محملا بخبرته، بانكساراته، بأسئلته التي لم تهدأ بعد. يحمل موقفا، ولو كان قيد التشكل. يحمل بصمة تشعر قبل أن تعرف. لقد كان كاتبا قبل الذكاء الاصطناعي، وسيبقى بعده، لأن الكتابة ليست تجميع معلومات بسرعة وسهولة، بل إعادة خلق للعالم من زاوية ذاتية واعية.
أما الكاتب غير الحقيقي، فينكشف سريعا، لأن النص الذي يولد بلا مخاض فكري، بلا رؤية، بلا حرارة إنسانية، يظل باردا مهما بدا متماسكا. قد يتقن اللغة، لكنه يفتقد الإرتعاش الخفي الذي يمنح الكلمات نبضها. هنا تتحول الآلة من أداة مساعدة الى مرآة كاشفة، فهي لا تخلق الزيف، لكنها تفضحه حين يحاول أن يتخفى خلف بلاغة مصقولة.❗️

المفارقة أن هذه التقنية، التي يخشاها بعض المبدعين، قد تعيد الإعتبار للاصالة، لأنها ترفع السقف. لم يعد يكفي أن تجمع معلومات أو تعيد صياغة المتداول. صار المطلوب أعمق: موقف، تحليل، تركيب، وقدرة على مساءلة المسلمات. الذكاء الاصطناعي يختبر صدقية الكاتب: هل هو مفكر يستخدم الأداة، أم ناقل يختبئ خلفها؟ من لا يملك رؤية سيغرق في العموميات، ومن لا يملك صوتا سيذوب في النمط.❗️

بالنسبة للكاتب الأصيل، الذكاء الإصطناعي أداة تمكين لا بديل. يُسهل الوصول إلى المعلومة، يختصر الجهد التقني ليمنح مساحة أوسع للتفكير العميق. لكنه لا يكتب التجربة، ولا يبتكر الرؤية، ولا يصوغ القلق الذي يمنح النص صدقه. الآلة ترتب، نعم، لكنها لا تحلم. تقترح، لكنها لا تغامر. تمنح مادة خاما، لكنها لا تنفخ فيها الروح، لانها ببساطة لا تعيش التجربة.❗️

لكن حين يتحول الذكاء الالكتروني من شريك تقني إلى وصي إبداعي، انطفأ الصوت البشري في النص، وتحول المقال الى منتج لغوي بلا هوية. فالكتابة في جوهرها ليست تجميع معلومات، بل فعل كشف: كشف للذات قبل كشف الموضوع، وكشف للفكرة وهي تولد من رحم الذات الأديبة ومن عمق الخبرة اللغوية والتجربة الانسانية. والذكاء الاصطناعي في نظري، مهما تطور، سيبقى مرآة بلا عمق شعوري، يعكس ولا يعيش، يرتب ولا يتألم، يقترح ولا يغامر.

والكاتب الأصيل لا يتوجس من الآلة خوفا من أن تحتل مكانته أو تسرق موهبته، لأنه يدرك أن الموهبة ليست خوارزمية، وأن الصوت الحقيقي لا يستنسخ. لذلك فالمعركة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين الأصالة والتقليد. الكاتب الحقيقي سيستخدم الذكاء الاصطناعي ليصعد أعلى، أما غير الحقيقي فسيستخدمه ليختبئ. وفي النهاية، النص هو الحكم؛ فاللغة قد تُقَلَّد، لكن الروحَ الأديبة لا تُصنَع.❗️

لبنى_كيسي

الذكاءالاصطناعي

Related posts
عامةفلسفة

كيف تمرَّد الماء على الأنهار والسُّدود!

الفلسفة بصيغة المؤنثترجمةعامة

كلود دوبار: أزمة الهويات: تفسير تحوّل

عامةفلسفة

عزالعرب لحكيم بناني: صدمات الحياة والرياضة

تربية وتعليمعامة

مراد وهبة: نقد الأيديولوجيا في التعليم والمجتمع..

Sign up for our Newsletter and
stay informed