مدرس الفلسفة فيلسوف؟

نورالدين البودلالي                                                                    

ما إن تجب عن سؤال يستفسر عن تخصصك الجامعي أنه الفلسفة، حتى ترى السائل يأخذ حذره من كل كلمة تصدر منه، فهو على يقين تام أنه أمام فيلسوف، وأن الفلسفة أم العلوم. هذا الاعتقاد يترسخ ويتجذر حين يعلم المستفسر، أو الغائب عن الحاضر، أنك أستاذ لمادة الفلسفة بالثانوية. هذا الأستاذ درس الفلسفة بالجامعة، قرأ، وربما يقرأ، كُتبا في الفكر الفلسفي، ملم بنظرياتها ورزمة الأدوات التحليلية.

لكن هل مدرس مادة الفلسفة فيلسوف بتكوينه؟

سبق لي في مقال سابق بعنوان “التلاميذ والفلسفة” (انظر صفحتي على الموقع إكسير) أن صرحت بكون تدريس الفلسفة هو مورد رزق أولا قبل أن يكون دفاعا عن قضية. القضية من الضروري أن تكون جعل المجتمع يقتنع بمضامين فكر عقلاني تعيد ترتيب أولويات وجوده، ثم ضرورة أخذ موقف نقدي تجاه علاقاته بالعالم. والأستاذ هو أستاذ مادة وليس بالضرورة مناضل من أجل قضية، حتى وإن كانت فلسفية. زد على ذلك أنه غالبا ما نجد الأستاذ يعبر عما يكشف عدم التزامه بقضية حين يقول “أستاذ الفلسفة مسكين مطلوب منه…”. لذا غالبا ما نجده يولي هذه القضية ظهره، حيث لا تصبح مادة الفلسفة التدريسية مورد رزق فقط، وهو أمر مبرر ومشروع، ولكن وسيلة شريحةٍ منهم للاسترزاق الزائد عندما تصبح الساعات الإضافية والتهافت عليها أمرا مبحوثا عنه بريق ناشف. هنا يتحول المدرس إلى تقني بيداغوجي ينفذ برنامجا تعليميا تفرضه الدولة، يفي ببعض ما يحتاجه الحقل معرفيا وديداكتيكيا، وهذا يستلزم مرونة وابداعا من المدرس، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لجعل التلميذ يتهجى أساليب ممارسة التفلسف والفكر النقدي.

لكن من هو الفيلسوف؟

يرى دولوز أن الفيلسوف هو من يمتلك القدرة على تكوين، وابتكار وصناعة المفاهيم (Gilles Deleuze, Qu’est-ce que la philosophie?, revue Chimères n° 8, mai 1990.). بهذا الاعتبار صيغة السؤال المشْكلة مغشوشة. أعتقد أن اليقين المبدئي الذي انطلقنا منه، والذي يروج له المجتمع كون أستاذ الفلسفة فيلسوف، سببا في حدوث حالة الغش هذه. أقول غش لكونها تورطنا في وضعيات غير سليمة، ولربما مغرضة، على هيئة يقينيات تكرس سوء تفاهم بين أهل التخصص والعامة، أعتقده تاريخيا: الإلحاد والعصيان… بل وحتى ذو طابع علائقي. مثلا حين يبرر التلميذ، وبعده الآباء ثم العامة، عدم استيعاب المادة بالقول “…إنه يبقى يتفلسف علينا، فلا نفهم منه شيئا”، أو لما يوثق أستاذ في تدوينة “الأستاذ فيلسوف قسمه…”، فإن أستاذ الفلسفة هو، بشكل عام، فيلسوف من وجهة النظر هذه. لكن يبدو أنه غير ذلك من وجهة نظر فلسفية بالتعريف، لكونه لا يبتكر ولا يبني مفاهيم ولا تصورات، إنما يروج لها، يعمل على إشاعتها، بوسائل ديداكتيكية وطرق منهجية تُيسر للمريد ملامسة المعنى المبتغى من المادة. وبناء التلميذ لمعنى، حسب دوفولاي، هو الذي يساعده على أخذ مكان له بالمدرسة، بحيث لا ينفر من جميع مكوناتها ولا يشعر بعداء تجاهها تجعله ينتج عنفا ماديا و/أو معنويا، بما في تلك المكونات المواد الدراسية (انظر ترجمة مقاله: المعنى من التعلمات: من الرغبة إلى المرور إلى الفعل، التي أنشرتها على مدونة إكسير ).

كل أستاذ مدرسٍ لمادة معينة ليس مجبرا على تجاوز وظيفته إلى الإبداع في مجاله. فمدرس اللغة العربية ليس بالضرورة أديبا، ولا مدرس الاجتماعيات بجغرافي أو مؤرخ، وقس على ذلك. إنه متمكن بنسبة معينة من معارف المادة، وضابط لديداكتيك ومنهجية تبليغها بناجعة؛ والأهم من هذا و ذاك صاحب أخلاق مهنية مقتدرة ترجح المصلحة العامة، مصلحة الوطن، على نزوات الذات. غير أن كلام الأخلاق لم يعد يقنع أحد، ثم إنه يبتعد قليلا عن موضوع الورقة.

هل كل أساتذة الفلسفة، أقصد في سلك الثانوي والجامعي، ليسوا فلاسفة؟

أخاف أن أطبق تعريف دولوز، فتكون الخزانة العربية المعاصرة والحديثة خاوية من أسماء فلاسفة فعليين، أو تكاد. كثير من الاجتهادات التأليفية في عالمنا العربي تخندقنا، عن وعي أو دون وعي، في الصف الطويل الذي فرضه وكرسه الاستعمار الفكري، الذي يعرّف ويشيع فلسفات الآخر. فهي لا تعيد غرس جذورنا للاتصال مع عالمنا والانطلاق نحو آفاق تحديثية [تجديدية] له، بقدر ما تعمق الانفصال عنه بجعل الفكر الغربي المبتدأ والنهاية. إن الدهشة التي أصابت العرب منذ الاصلاح إلى اليوم ليست دهشة فلسفية، إنما هي دهشة أمام التقنية، ابتداء من العجلة والبارود إلى أقصى ما وصلت إليه التقنية اليوم.

وعموما فأستاذ الفلسفة، بالثانوي والجامعة، هو ناقل معرفة بنتها الإنسانية جمعاء خلال تطورها التاريخي. عملية النقل تتم بحسب منهجيات تبلورت ولازالت تصقل بفضل البحوث النظرية والميدانية (والتي من الضروري طرح السؤال عن اسهامات “الباحثين العرب المحدثين” فيها). إلا أن هذا لا يثنينا عن التأكيد على اهتمام شريحة هامة من تتبع مستجدات الإصدارات الفلسفية وأحيانا بنشر بحوث، ساهمت في إذكائها مواقع التواصل الاجتماعي المتكاثرة، وهو واقع لم يعد من الممكن نكرانه أو الامتعاض منه.

 

fiqreduca@gmail.com

شاهد أيضاً

عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله

عز الدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) يقول فريدريك نيتشه على لسان زارا بطل كتابه “هكذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *