جديد
الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / فان غوغ: فنان المأساة، محاولة في قراءة فلسفية لإحدى لوحاته الفنية

فان غوغ: فنان المأساة، محاولة في قراءة فلسفية لإحدى لوحاته الفنية

جواد أيت سليمان

إن ما تميز به فان غوغ (1853-1890) عنه غيره من الفنانين هو محاولته إعادة الحياة للعمل الفني بعد أن أخد طابعا رومانسيا حدا به أن يكون تجربة ذاتية-شعورية، أبقت على الإرث التقليدي لميتافيزيقا الذات التي دشنت عصر النهضة ومن ثمة الحداثة، فابتداءً من القرن الثامن عشر اتخذ جواب النزعة الذاتية عن مصدر الفن شكل بحث عن القدرات الكامنة في الذات البشرية، التي تجعل الإنسان قادرا على إنتاج الأثر الفني و على تذوقه و الاستمتاع به، في هذا السياق تأتي تحليلات كانط للحكم الجمالي في مؤلفه نقد ملكة الحكم (1890).

إن السمة الغالبة في اللوحات الفنية للرسام الهولندي غوغ تنطلق من الإيمان “بالواقع” على اعتبار انه الصورة التي تعكس حقيقة الوجود الإنساني، وهذا لا يعني أنَّ حقيقة العمل الفني تكمن في الاستنساخ البارع للأشياء كما هي موجودة في الطبيعة، إذ أن المحاكاة  الأفلاطونية  ليس طريقا ملكيا الى تحديد ماهية الجمال و اكتشاف حقيقته، إن هذا التعريف كما يقول ” هيجل” يعزو الى الفن هدفا شكليا خالصا، هدفه إعادة صنع ما هو موجود في العالم الخارجي وكما هو موجود فيه، مرة ثانية، لكن هذا التكرار قد يبدو شاغلا عديم النفع لا طائل فيه”[1]  فكيف تعكس لوحات فان غوغ أوج نظرته إلى العالم؟

عاش فان غوغ حياة قصيرة انتهت بانتحاره في سن السابعة والثلاثين من عمره، حياة طبعها الحزن والأسى والمعاناة، تُوجت باضطراب نفسي اتخذ أشكالاً متباينة من الاكتئاب الحاد والسوداوية بلغت حد الهذيان والهلاوس السمعية والبصرية، كآبة تولدت عنها أرقى اللوحات الفنية المعاصرة التي كانت موضوع تأويلات مختلفة في أوساط النقاد والفنانين، كعمله الشهير”حقول القمح وأشجار السرو” وعن هذا كتب الشاعر والمسرحي الفرنسي انتونان أرتو” لم يكن فان غوغ مجنونا، لكن لوحاته كانت نارا إغريقية، وقنابل ذرية، كانت وجهات نظرها هي وكل أعمال التصوير في ذلك العصر قادرة على إزعاج النظرة الامتثالية الخام لبورجوازية الإمبراطورية الثانية(…)”[2] إنَّ اللوحات التشكيلية التي أبدعها فان غوغ مثل “أكلوا البطاطا” و “زوج الأحذية” .. الخ تفرض نفسها بقوة علينا فهي تقدم لنا ما هو أكثر قسوة ومأساة في الوجود الإنساني، وأٌقل ما يمكن أن يقال عن هذه الأعمال الفنية أنها لا توجد فحسب، بل إنها تعيش فيما “فوق الوجود” ذلك أنها تتمتع بواقعية خاصة أو كما يقول غوغ نفسه “إن رغبتي الكبرى هي أن أصنع هذه الأخطاء وتلك التعديلات في الطبيعة بحيث تخرج منها-أي نعم- أكاذيب إن شئت، لكنها أكاذيب أكثر حقيقة من الحقيقة المضبوطة[3] فهل يمكن القول أنّ حياة “المجنون الأشهب” كما كان يطلق عليه من طرف بلدة “أرل” الفرنسية تجلّت بشكل واضح في لوحته ؟

في هذه اللوحة يظهر لنا فان غوغ يتسلق “شجرة سرو” الشجرة التي تنبت في المقابر والمدافن بالذات، ليرسم نفسه فوقها حاملا ريشته وكأنه يريد أن يكتب عليها شهادة موته، لم وظّف هذه الشجرة في هذا المكان الخصب وسط حقول القمح الأصفر الذهبي؟ المكان مختلف والرمز غامض، وسنرى أيضا- اذا ما نحن اطلعنا عن كثب على لوحات أخرى: كلوحة “ليلة النجوم” أشجاراً كثيرة من هذا الصنف المخيف الذي يسكنه الغربان، نفس الألوان الصفراء والزرقاء، مع ما تخفيه من أسرار و دلالات…  سماء زرقاء، وكتل معتمة من السحب الرمادية والسحب البيضاء الرقيقة، رياح صيفية خفيفة، سنابل قمح متموجة وثور أسود يتوسط اللوحة ثابتا ينظر في اتجاه اللوحة المتروكة لحالها، لم فكّر بأن يصعد إلى“فوق” ويترك الأرض ولوحته؟ هل هي رغبة في معانقة الأفق ومواساة الشمس التي فقدت بريقها بفعل تسلط الغيوم السوداء أم أنه أحس بالضجر والملل نتيجة يوم عمل رتيب؟ هل الثور علامة على الحظ العاثر الذي يعاكس دوما حياة غوغ أم هو رمز للقوة العمياء التي تمتاز بها الطبيعة؟ إذا ما نحن رجعنا إلى رسائل فان غوغ إلى شقيقه “ثيو” سيتضح لنا الحب الكبير والتعلق الشاذ بالطبيعة، يقول غوغ في رسالة بعثها إلى أخيه: ” إن حبَّ الطبيعة والشعور بها لا بد أن يلمس وترا لدى الأشخاص المهتمين بالفن، إن آجلا أم عاجلا، وواجب الفنان هو أن يدرس الطبيعة بعمق وأن يوظف ذكاءه كله لوضع إحساسه في عمله حتى يكون مفهوما لدى الآخرين”  بالإضافة إلى اهتمامه بتصوير حياة الناس البسطاء، ورهابه من حياة المدينة التي تفنن معاصره “بودلير” في وصف تفاصيلها الحديثة، وهذا ما عجّل بأن يصاب بوسواس قهري ومرض عقلي اعتزل فيه الناس فأبدى رغبة عارمة في تصوير الحياة في شكلها الطبيعي –غير- المصطنع، حيث الإلهام لا يتحقق إلا في حضرة جو ريفي هادئ وحميمي، أراد من خلاله أن يصنع فناً يعزّي الناس العاديين ” فن يواسي القلوب المكلومة” عن طريق الجمع بين ألوان وخطوط لا نظير لها…

لقد شكلت الشمس علامة مركزية في هذه اللوحة وفي لوحات أخرى أيضا مثل “عباد(دوار) الشمس” التي رسمها وهو في مصح عقلي احتفالا بقدوم صديقه “غوغان” لزيارته، حيث شغفه الكبير باللون الأصفر والأحمر والذهبي وهو ما يشير إلى دلالة هامة تكون فيها الألوان الباردة القاتمة علامة على السكون والدعة والهدوء، أما الألوان الصفراء(الشقراء) المتوهجة فتحيل إلى النور والضياء وكذلك بالخصوص إلى التغير والحركة والصراع، الشمس هنا فقدت بريقها الساطع ولربما كما يبدو ستغرب قريبا ليحل محلها الظلام، فلا يوجد بساط خيالي أروع من ذلك البني الأحمر العميق في ضوء شمس صيفية غاربة، في تلك اللحظة التي انتهى غوغ أو أوشك على الانتهاء من لوحته التي أبقاها مركونة وراء ظهره، لوحة داخل لوحة، هكذا ينبغي أن نقرأ اللوحة الفنية، في ظل تلك العلاقة التي تربط الفنان بالأشياء، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعطي للأشياء قيمتها، فلا وجود للإنسان إلا في عالم يرشح بالأشياء، فرمزية الثور الأسود والشمس المتوهجة، والسماء الزرقاء التي تقاوم حجاب السحب الداكنة هي تجسيد صارخ للصراع بين النور والظلام، بين الحضور والغياب، بين الإحساس بالمتعة و بين الشعور بمدى محدودية كينونتنا، بحيث يصبح الخيال واقعيا أكثر منه تعبيرا عن شكل متعالي كما هو الحال بالنسبة للنزعة المثالية، محدودية تقف كقدر حتمي نعيشه بفعل الخوف من الموت…

الارتباط الوثيق بالواقع وبحياة الريف سيتجلى بشكل واضح في العلاقة التي تجمع الأرض بالعالم[4]  وبالأخص ذلك الصراع المجسد بين” الأرض”، الأم الحنون لكل شيء والتي تحتضن في كنفها كل الموجودات،  و”العالم” الذي لا ينتمي إلى مجال الأشياء أو موجودات هذا العالم الفيزيقي- المرئي، بل هو عالم الإنسان، وحده الإنسان  من لديه عالم، بخلاف الحجر والمخلوقات، سيمكنه (العالم)من أن يجد لنفسه موقعاً يصارع فيه دون هوادة: الحياة والموت، النعمة والنقمة، الفشل والأمل، الحب والفراق، الهم والويلات… ولما كانت الأرض منغلقة على نفسها، ومتسترة/ متخفية، فهي مادة العمل الفني، وقاعدة كل “ظهور” فما يظهر من أشياء وموجودات لا ينقطع عن شريان الأرض، لأنها المسكن والمعيل الذي نبني عليه حياتنا وعالمنا التاريخي، فاستقدام الأرض يعني مجيئها إلى النور، أن نعيد التأمل فيها كقدر نعيش عليه، هي مادة العمل كما هو في اللوحة( جبال، سحب، سماء…) وهو ما حاول “غوغ” تجسيده عبر كشف هذه “المادية” في لوحته وتحويلها إلى مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية، بواسطة هذه “الإقامة” على الأرض يؤسس الإنسان عالمه “هنا والآن”، فمجموع انجازات شعب من الشعوب تحفظ على هذا “الأساس” وبآثاره التاريخية نتعرف على عالمه وحياته وانتصاراته وموته، باعتبارها موطن كل “مقدس”، هنا اتضحت بعض معالم اللوحة، انطلاقا من هذه العلاقة التي تربط الأرض بالعالم، فنحن جزء لا يتجزأ من هذا الكل/ الفيزيس الذي يغطي اللوحة بكاملها، إشارة إلى أنها الجوهر الذي نؤسسه عبره علاقتنا الروحية بالعالم وبوجودنا المبهم الهارب من أي تفسير منطقي، في هذا الصدد يقول هايدغر:” إن العالم والأرض في ارتباط وثيق،كلاهما يحتاج إلى الأخر لكي يكون ما هو عليه، كلما اتضح التضاد بين العالم والأرض، كانت العلاقة بينهما أكثر توترا، وبرز توقفهما على بعضهما وتبدى عمق ارتباطهما”[5]  تفتحنا اللوحة على عالم الفلاح أيضا بكل ما فيه من صبر وعناء وقلق على لقمة العيش، وصموده أمام نزوات العاصفة وغضب الأمطار، كل شيء فوق هذا الحقل يقاوم الرياح العاتية حوله بثبات وصبر، فان غوغ من أعلى والثور في الأسفل، والإنسان يصارع بدوره من أجل أن يحضى بمكان هادئ يعيد فيه ترتيب أوراقه المصيرية، لقد أعطت الأرض لغوغ فرصة للحياة وبالمقابل أفقدته الإحساس بسعادته عليها، وهو ما يعطينا نظرة قبلية عن نفسية الرسام المهتزة.

هوامش:

-هيجل (فريدريك)، المخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، ص: 37.[1]

[2] – ليو يانسن وباحثين اخرين، المخلص دوما فنسنت ” الجواهر من رسائل فان غوغ” ص: 11.

[3] – جان برتليمي، بحث في علم الجمال، ترجمة أنور عبد عزيز.

[4] – مفهوما الأرض والعالم مفهومان مركزيان في فلسفة هايدغر حول العمل الفني، استعنت بهما لأوضح العلاقة بينهما في هذه اللوحة الفنية، يمكن الإطلاع على كتاب هايدغر”أصل العمل الفني”

– هاييدغر، كتابات أساسية، ص:51.[5]

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب “الإنسان ذو البعد الواحد ” لرائد مدرسة فرانكفورت هيربرت ماركوز(1)

يونس كلة إن الكتاب محاولة جادة لفهم وتفهم المجتمع الغربي المعاصر (أي مجتمع ما بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *