جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / اَلْصَّخْرَةُ المثيرة الملعونة

اَلْصَّخْرَةُ المثيرة الملعونة

 

بقلم: عمر بن أعمارة

*هذا المقال كتب بمناسبة الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها تمثال المرأة العارية الموجود في “عين الفوارة” وسط مدينة سطيف الجزائرية.

 «لا يظهر الصنم إلا عندما يقرر نظرا ما أن يوقف نفسه عنده لا يتعداه». جون لوك ماريون، ترجمة المفكر التونسي فتحي المسكيني.

    هي صخرة، لكن ليست ككل الصخور، فهي ليست جامدة ولا أصمة، بل حية، متحركة، ناطقة، فاتنة، مثيرة، مغرية، جريئة ووقحة. لها سلطة مغناطيسية كبيرة لا تقاوم ولغة جسدها وحركاتها أشدّ عليَّ وقعا وأبلغ من لغة الكلمات البشرية.

هي من كانت تستفزني في كل لحظة أمر بجنبها وكانت تفتنني وتثير غرائزي، وأنا كنت أنظر إليها خلسة وأتظاهر بأنني لا أنظر إليها بل حتى أنني لا أراها رغم أنني كنت دائما أرغب في رؤيتها، كنت ألعنها كل صباح أراها فيه، وكانت تنتظرني مبتسمة في وجهي كلما حضرت إلى الساحة التي أنبتوها عليها أولئك الوثنيون الكفرة غصبا عنا لنشر الفتنة والرذيلة بين المسلمين. لا بل كنت أزني بها كلما سرقت النظر إلى جسدها المكتنز، كلما تمعنت في نهديها المنتصبين، كلما انجذبت إلى عيونها المغريتين، إلى شفتيها البرتقاليتين وإلى خديها الورديين، حيث كان الهيجان والفضول يأخذني إليها. هي من كانت تدعوني للرذيلة، فهي لم تكن من حجر أو طين أو رخام أو خشب أو نحاس أو حتى سيلكون، بل من لحم ودم وروح، لم تكن مجرد صخرة بل صنم من نوع خاص، هي صنم لكن لم تكن تدعوني إلى الانتماء إلى أي رهط من الآلهة الوثنية أو أي شكل من الطقوس والعبادات والتخشع أو إلى المحراب والصلاة، بل كانت تدعوني إلى سريرها، إلى فراشها وبين ذراعيها وأحضانها، هكذا كانت تثير غرائزي ولعابي. لم تكن حجر أصم وأبكم، بل جعلت كامل جسدها يتحدث تغنجا، كانت امرأة تحرك مشاعر حتى الحجر الأصم، كانت تغازلني كلما رأتني أمر بجنبها ولم تكن صخرة بريئة، لقد سكنها وتملّكها الشيطان، هي غامضة، غريبة وغربية، هي مرتع إبليس ومعبده وقبلته وعليها يقيم كل صلواته، هي جرثومة فرنسية في أرض الجزائر المسلمة الطاهرة الحرة، هي لم تكن طاهرة بل زانية تفوح قذارة ونجاسة وتقطر دناسة وعهرا، كانت تصدني عن أشغالي وتشوش علي في تفكيري ومعتقداتي كلما حاولت أن أتخشع ولم تتركني أفكر في أمور آخرتي، كانت تلهيني عن ديني وصلاتي وحتى صومي وتدعوني صباح مساء إلى حضنها وإلى الرذيلة والخبث، هكذا كلما مررت بجانبها ترمقني بنظراتها الولهى وتخصني بلمساتها الحريرية  وخصلات من شعرها تحركها ريح شيطانية حتى تتدلى على وجهي، هكذا كانت تغريني وتسحرني وتوقظ نزواتي الدفينة، وفي مرات عديدة كنت أنجدب وأستسلم لها ولإغراءاتها وأستحلي الأمر وأغوص فيها إذ أعيش لحظات متعة قلقة وأرتعش بكل مفاصلي وتأتيني قشعريرة ورهبة، وبعد أن أستفيق من خيالاتي ألعن الشيطان وأصيح في وجهها: “تبا لك يا فاجرة، لا لن أرتكب أية خطيئة وأية فاحشة معك يا زانية، وأنصحك أن تبتعدي عن طريقي وتستري عورتك يا عاهرة”. لكن هي لا تستجب لطلبي ونصحي لها، بل كانت تمارس علي عنفها وجاذبية خاصة، بل تتحداني إذ كانت تأتيني حتى في منامي وأحلامي، وتجرني جرا للخطيئة وللرذيلة،

إنها الزانية المخادعة، وفي مرات عديدة كان وجودي أمامها مضمحلا إلى درجة الإلغاء والاحتواء، بل كانت تحث حتى بناتنا ونسائنا على العري وتحرض شبابنا على الرذيلة والفحش، وكنت أخاف من أن تندلع شرارة الإباحة والعري منها. حاولت مرارا وتكرارا أن أهجر المكان أو على الأقل أن أتفادى المرور بالفضاء الذي تتواجد فيه، لكن قلت في قرارة نفسي: “كيف لهذه العاهرة أن تحرمني من مدينتي وحيي وأصبح أنا المنهزم أمامها، وإن فعلت ذلك سوف لن يفيدني الأمر في شيء، فهي ستلاحقني أينما حللت وارتحلت؟ هي الحاضرة حتى في أحلامي وخيالي”. كانت تغريني بحركاتها الملتهبة وكم من مرة حاولت أن تعبث بمشاعري وتعكر مزاجي وتهيج حواسي بتقبيلي أو لمسي، لكن لطف الله وحفظه يحول بيني وبين الرذيلة والإثم، كانت اللعينة بنظراتها كالسهام تخترق جسدي وتنتهك حرماتي وبهمساتها في أذني تثير شهواتي، وبجسدها الشبقي تعترض سبيلي، كانت تعرض علي خدماتها المجانية حيث تريد أن تسقطني في شباكها ومكائدها وأكون من الآثمين، وكنت أكرهها ولا أطيق النظر إليها حيث تنظر هي إلي، فهي ليست كما الصخر، هي الصخرة الشيطانة المغرية، كانت في كل مرة تختبرني في ذكورتي وفحولتي، وفي مرات عديدة تشككني في ديني وعقيدتي، وكنت لا أحذق فيها النظر، إذ كلما نظرت إليها أثارت شهواتي وغرائزي الخامدة وأشعلت اللهب بأعماقي، كانت تحثني على الفحش والرذيلة بعيونها الفاحشة وبصدرها العاري المنتصب وبشعرها المدلى على كتفيها. دعوت الله أن يزلزل الأرض التي هي عليها جاثمة حتى تندثر، فلم يستجب لدعائي، ودعوت الأرض التي تحتضنها كي تبتلعها فلم تفعل. كانت تؤرقني كلما رحت لأخلد إلى النوم وأقوم ثم أدعو لها بالاندثار. وكلما مررت بجانبها مرارا كنت أخفي وجهي بين يدي لكن صورتها كانت تتسرب بين أصابعي مما يجعلني ألعنها، أسبها وأشتمها، تارة سرا وتارة جهرا وعلنا، ثم أتفل وأبصق على الأرض، وكم من مرة صرخت في وجهها، اللعنة عليك يا زانية، يا صخرة، يا شيطانة. وأنا المتقي، كنت دائما أحترس من إبليس ومن ذريته الفاسدة وأبتعد عن أماكن تواجده، لكن لم يخطر ببالي أنه مرة ما سيتمثل لي في صخرة ويتجسد فيها هو أو زوجته أو إحدى بناته اللعينات. كانت تعبث بمشاعري وجوارحي ولم تكن خجولة ولا مستحيية، كانت في حركاتها متدللة وكانت تعمل دائما على إغوائي، فهي من كانت تغمز لي بعيونها المثيرة وتحرك شفتيها، لم تكن صخرة فقط بل كانت غاوية ومثيرة، والذي صنعها ونحتها هو كذلك شيطان كان متربصا بنا وبعقيدتنا. كلما خلدت إلى فراشي أستعيدها فصورتها تحضرني ولا تغادر مخيلتي، وحين أغمض عيني أتمثلها وهي في عريها ونهديها المنتفخين والمنتصبين وجسدها العاري الممشوق، إنها الزانية التي تتعقب أثري وتلاحقني أينما كنت إذ تمارس علي سلطتها وكانت لها هالة من نوع خاص وهي المسكونة بالشهوات حد اللعنة. وهذا ما كان يؤرقني. هكذا استخلصت في النهاية أن الشيطان هو الذي يتجسد لي في صورة هذه الملعونة، إذن لا بد لي أن أصارعه وأقتله بأي ثمن كان.

قبل أن أفكر في حمل الفأس وأن أقرر تحطيمها، قررت في البداية أن أعظها وأنهيها كي لا تبقى عارية مكشوفة، لكن قلت: “ماذا لو لم تستجب لنصيحتي فهي معاندة” ؟ إذن فكرت في أن اشتري لها حجابا من قماش سميك أسود اللون كي أغطيها، أسترها وأستر عورتها، فقلت: “قد يسرقه اللصوص ليلا أو تنتزعه السلطات المناصرة لعريها” وقررت بعدها أن أغض النظر، كما يأمرني ديني بذلك، لكن كبريائي ورجولتي جعلوني أمتنع عن ذلك، وقلت: “لماذا أغض النظر أنا ؟ لماذا لا تفعل هي، هي الصخرة الكافرة الزانية، في بلاد المسلمين، بل لابد من اقتلاعها” ؟ هكذا صممت على أن أنفيها إلى بلدها، أعني فرنسا، لكن بعد تفكير خلصت إلى أنني بفعلي هذا سأمنحها فرصة للحياة مرة أخرى، كذلك الأمر لا يستقيم لذلك وليس بمقدوري، فإن أردت أن أفعل لابد من اقتلاعها والبحث عن وسائل النقل وكذا عن السفينة التي ستحملها والإجراءات القانونية وكذا الجمركية، فنحن دولة مستعمرة إذ نخضع للقوانين الوضعية العلمانية. هكذا فكرت  أن أستغل إحدى الليالي المظلمة وأذهب إليها وأبصق في وجهها وأتبول على نهديها وأتغوط على فخديها، فقلت: “هذا قليل في حقها وإن فعلت ذلك سيأتون الزنادقة الذين يحمونها في الغد لتنظيفها وربما تزيينها وقد تصبح بعد ذلك في حلة أبهى وأجمل مما هي عليه الآن” وقلت: “إن الحل هو أن أذبحها من الوريد إلى الوريد، وهكذا سأقصد السوق لأشتري سكينا حادا من النوع الجيد والحجم الكبير حتى أتمكن منها، وفي ليلة مظلمة سأقصدها في مكانها المدنس واتجه إليها وأجهز عليها مباشرة إذ أمسكها من عنقها وأبدأ في تمرير سكيني على حنجرتها”، لكن بعد تفكير قلت: “لا بأس هذه الفاجرة لا يصلح معها الذبح والسكين مهما كان حجمه، فهذه الزانية لا تفهم إلا لغة السيف كأداة حاسمة، ألم يقل الزنديق المسمى أبو تمام أحد السفهاء من الغاوين ؟ :”السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ””. هكذا فكرت في أن أقصد إحدى دكاكين الحدادة وأوصي الحرفي كي يصنع لي سيفا من النوع الحاد القاطع المتين وبعد أن استيقظ باكرا قبل حتى آذان صلاة الفجر سأتوجه حيث تتواجد العاهرة وأسل سيفي من غمده وأصيح ثلاث مرات “الله أكبر” وأضربها على عنقها بكل ما أوتيت من قوة، لكن قلت في نفسي: “قد يتكسر سيفي ولن يفصل رأسها عن جسدها”، وقلت: “أكيد إن هذه اللعوبة ليست بصخرة إنها ملبوسة بإبليس. إذن سأفكر في خطة جديدة وسوف أنتقم منها شر انتقام، فحكم هذه الزانية هو الرجم”، وهكذا رحت أفكر في كيفية جمع الحجر من خارج المدينة وبعدها في عملية تحويله في إحدى الليالي المظلمة إلى حيث تتواجد الفاسقة وبعد في عملية رجمها، لكن فكرت وقلت: “كيف للحجر أن يقتل الحجر فهي لن تصيح ولن تنوح ولن تقطر ولن تنزف دما “؟، وبعد تمعن تساءلت: “هل أنا مغفل و ساذج ؟ كيف لي أن أرجم هذه الباغية بحجر وهي في كل مرة حاولت فيها قتلها تتحول إلى حجر”؟ وبعد ذلك فكرت في حرقها رغم أن ديني يمنع علي ذلك ويقول لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه، وهكذا فكرت في شراء ما يكفيني من حطب لتحويلها إلى رماد  وفي إحدى الليالي المظلمة سأتوجه وأنا مثقل بحطبي حيث مكان الفاسقة وأحيطها بالحطب من جميع الجهات حتى لا ينفلت أي عضو من أعضائها من النار والإحراق وبعد ذلك سأوقد النار وانصرف بسرعة إلى منزلي، وفي الغد مع الصباح سأتجه إلى الساحة حتى أتشفى في حطامها ورمادها، لكنني فكرت وقلت: “هذا الحطب سوف لن يحولها إلى رماد بل ستتصلب أكثر وسيتبدل لونها وستصبح سمراء البشرة وربما بهذا اللون ستجلب أنظار الكثيرين من المعجبين المعتوهين وهي منتصبة في مكانها وفي حلة أبهى وأجمل”. وبعد ذلك فكرت في خطة جهنمية فهي الوحيدة التي ستجعلني أتخلص منها بشكل مطلق ونهائي دون أدنى شك، إذن سأفخخها وأفجرها، لكن بعد لحظات من التفكير استخلصت أن ذلك سيتطلب مني إيجاد متفجرات ومعرفة تقنيات التركيب والنسف وربما إن ارتكبت أدنى خطأ سأؤدي حياتي كضريبة عن ذلك. لكن بعد تحليل عميق ورصين وصلت إلى خلاصة وهي: أن المستعمر الفرنسي مازال لم يغادر الجزائر، إنه زرع في بلادنا شياطين وأبالسة كثر، وما هذه الزانية إلا نبتة خبيثة منهم. وهكذا في الأخير قررت أن أنتقم للثورة الجزائرية، للشهداء الأبرار، للجزائر الحرة، للإسلام والمسلمين جميعا ولله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام وأن أحطم هذه الصخرة الملعونة. إذن علي أن أجاهد من أجل ديننا الحنيف ووطننا الحبيب. فلابد من اجتثاثها من أرضنا الطاهرة وذلك بتكسيرها وتحطيمها إربا إربا والتخلص من نفاياتها النجسة. وهكذا في النهاية وضعت خطة عمل، وكان أول ما فكرت فيه هو تمزيق نهديها المستفزين وفقئ عيونها المغريتين وخدش وجهها المثير للشهوات وتمزيق شعرها المدلى. إنني من حماة الإسلام والمسلمين، سأنتقم لشرف الأمة من الفاجرة، الزانية، العاهرة، الصخرة الملعونة، إذ لم يعد هناك من رجال مؤمنين، لم يعد هناك من يحارب المنكر والطاغوت، قلت أنا المؤمن القوي لماذا لا أغير المنكر بيدي وبفأسي المباركة ؟ لماذا لا أخلص الأمة من شرور هذه اللقيطة وذنوبها، فهي ليست صخرة ككل الصخور، هي مسكونة بالشيطان وبكل المعاصي والشهوات. وفي الأخير قررت أن أواجهها أمام الملأ وأعلن نفسي قائدا ومخلصا للأمة الإسلامية من عار هذه الزانية الدخيلة، المارقة.

وأخيرا جاء الفرج، صوت بداخلي يناديني أقتلها، قم فورا وحطم الزانية وانتقم لشرف أمتك من عار هذه العاهرة، المتبرجة، البواحة، المستفزة والمتحدية لمشاعر مليار ونصف مليار من المسلمين، فما كان مني إلا أن استيقظت باكرا وتوضأت وصليت ودعوت الله أن يوفقني ويبارك لي في عملي وجهادي، وعقدت النية والعزم. انتظرت حتى وسط النهار حيث يكثر المارة كي يشاهدوا الرجال المؤمنين المتقين والغيورين على دينهم والمغيرين للمنكر بأيديهم على ما بإمكانهم أن يصنعوا وحتى يتخذوني قدوة وعبرة لهم، هكذا أخذت فأسي المباركة الطاهرة التي ورثتها عن جدي رحمة الله عليه، ورحت إلى الساحة واتجهت مباشرة صوب الملعونة، وبعد البسملة والتكبير، انطلقت في تحطيم الزانية وبدأت في تكسير النهدين اللعينين وبعدها في خدش وإتلاف معالم الوجه المثير.

  • ربما سيلاحظ القارئ على النص بعض التكرار لبعض الكلمات أو حتى لتعابير، لقد تم ذلك عن قصد وبشكل واعي كمحاولة مني لسبر القليل من البواطن وللكشف عن الهواجس الداخلية التي يعيشها الفاعل.

شاهد أيضاً

ميشيل سير وعصر “الأصبع الصغير”

عزالدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) عتبة للعالم الجديد: لقد تغير العالم إلى أن بات لزاما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *