جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / عن الصراع من أجل الاعتراف لأكسيل هونيث

عن الصراع من أجل الاعتراف لأكسيل هونيث

سارة دبوسي – تونس

توطئة:

احتل كتاب الصراع من أجل الاعتراف للفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسل هونيث(1949) منزلة أساسية في سياق الفكر الفلسفي السياسي الإتيقي المعاصر والذي هو في الأصل رسالة أعدها صاحبها لنيل درجة التأهيل العلمي بجامعة فرانكفورت تحت إشراف هابرماس، فمنذ صدوره بلغة صاحبه الأصلية (الألمانية) سنة1992 والجدل حوله قائم وازدادت دائرته اتساعا مع صدور الترجمتان الإنغليزية (1995) ثم الفرنسية (2000) اللتان امتازتا بترجمة دقيقة وثرية لمحتوياته.

ولأن عصرنا الراهن هو عصر الصراع والنقد من أجل البحث عن فضاء للعيش المشترك بعيدا عن التوترات والنزاعات فإن ذلك ما زاد من راهنية هذا الكتاب الذي يعد بنظر الباحثين في الشأن الفلسفي من أهم الكتب التي صدرت لتأسيس نظرية الاعتراف.

هذا ويمثل كتاب الصراع من أجل الاعتراف لممثل الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية ورئيس معهد بحوثها الاجتماعية الحالي(2001) وهو كذلك مدرس الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعتي قوته وكولومبيا(2011) منعرجا فكريا حاسما في الحراك الاجتماعي والسياسي المعاصر وذلك لما احتواه من منظور فلسفي شامل لجل الإشكالات العالقة بالوجود الأخلاقي والقانوني والاجتماعي للإنسان. هذا ويعتبر كذلك من أهم أعلام الفلسفة الألمانية المعاصرة، إذ يلتف حوله ما يسمى بالجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية.

تأتي أهمية هذا الكتاب من خلال التوجه الفلسفي الذي اتبعه صاحبه من تحيين لفلسفة الشباب لهيغل والتي تعرف بمرحلة يانا في إطار ما يعرف ببراديغم الاعتراف. و توجهه خلف أستاذه هابرماس ذي المرجعية الماركسية في كتاباته الأولى والكانطية في كتاباته  المتأخرة ليفتح بذلك مسارا فلسفيا جديدا يضمنه مختلف أبحاثه الفلسفية وليلتف حوله ما بات يعرف اليوم بالجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية.

إن المقصود بالصراع من أجل الاعتراف هو تجاوز التصور الفلسفي السياسي السابق الذي افترضه الفلسفة السياسية الكلاسيكية والقائم على الصراع من أجل ضمان البقاء الذي ساد خاصة مع تصور كل من مكيافلي وهوبز والإلتفات صوب الإشكالات الفلسفية السياسية الإيتيقية الراهنة للإنسانية المعاصرة. هذا ويعني  الاعتراف في نظر هونيت مقاربة نقدية للواقع الراهن للمجتمعات المعاصرة من جهة وبديلا فلسفيا لنظرية التواصل التي صاغها أستاذه هابرماس. فخطاب الصراع من أجل الاعتراف هو خطاب يحمل في ثناياه عدة مطالب إنسانية كافلة لحقوق الإنسان في مختلف سياقات الحياة داخل الفضاء العمومي.

يقترح هذا الكتاب جملة من القواعد الأخلاقية للصراعات الاجتماعية، وذلك من خلال تحيين هونيت لمفهوم الصراع من أجل الاعتراف في فلسفة الشباب لهيغل. فما يميز هذا الكتاب عن كتابات هيغل الشاب هو التوجه إلى الجانب الأخلاقي السياسي وذلك لأن المطالبة بالاعتراف وليدة الشعور بالذل والإهانة والاحتقار ويترقب منها بلوغ أفق اجتماعي جيد وناجح تستطيع ضمنه الذات إنشاء علاقات إيجابية سواء مع ذاتها أو مع الآخر. فقد صاغ هونيت مفهوم الاعتراف من أجل إنشاء رابط قوي يشد الفلسفة الأخلاقية والسياسة إلى البني العامة  المؤسسة للحياة الناجحة للأفراد.

يتلخص المشكل المطروح في هذا الكتاب حول مدار الصراع في المجتمعات المعاصرة الذي لم يعد يتحدد من خلال مفاهيم الاستغلال الطبقي أو بهيمنة القوي على الضعيف، بل تعداه إلى الوقائع الأخلاقية والنفسية  لذلك صارت الآمال كلها معلقة على مفهوم الاعتراف داخل الفضاء الحياتي للأفراد والجماعات الذين يعانون العديد من النقائص. ولمعالجة ذلك يذهب هونيت انطلاقا من فلسفة هيغل الشاب في فهمه لواقع المطالبات بالاعتراف مابين الذوات. وعن حديثه عن نشأة الفلسفة الاجتماعية الحديثة يرى هونيت أنها نشأة في لحظة فهم الحياة داخل المجتمع على أنها علاقة مؤسسة على الصراع من أجل الوجود منطلقا من كتابات مكيافلي في السياسة و هوبز ويرى أن هذا الصراع ليس حكرا على نظريات هؤلاء وإنما كان ضاربا في عمق الفلسفة السياسية منذ  أرسطو وصولا إلى فلاسفة الحق الطبيعي.

وفي مدار بسطه لنظرية الصراع من أجل الاعتراف وتحديد أهم تجلياتها، يعمد هونيت إلى بسط تصوره  في ثلاثة أقسام كبرى وتمهيد خصصه لتقديم الأثر وشكر كل من ساعده في بلوغ هذا العمل كماله، وكل قسم من هذه الأقسام ينقسم إلى عدة فصول وهي جميعا تسعى إلى تفسير مقاربته  التحليلية لواقع العلاقات ما بين الذوات داخل المجتمعات المعاصرة، وبذلك صاغ مفهوم الاعتراف من أجل إنشاء رابط قوي يشد الفلسفة الأخلاقية والسياسية إلى البني العامة المؤسسة للحياة الناجحة للأفراد، وقد صاغ هذا التحليل على مراحل زمنية كانت على النحو التالي:

أولا: تعقيب تاريخي للفكرة الأولية لهيغل؛ وقد تناول فيه مسألة الصراع الفردي من أجل الوجود لدى كل من مكيافلي وهوبز وما اقترحه كل منهما سواء بالدولة القوية التي تحكم رعاياها بالقوة والترهيب أو بالسيد الحاكم بالدهاء والقوة(الأمير)، مقترحا في الأثناء تحليل نقدي لنظريات هؤلاء وذلك لأن مفهوم الصراع معهم رهين الوجود الجسدي فحسب. ثم انتقل للحديث عن الفلسفة الاجتماعية الحديثة وبداية تشكلها مع هيغل في مرحلة يانا التي توجت بكتاب فينومينولوجيا الروح، وبين كيف تأثر هيغل بكل من شيلنغ وهولدرين وكتابات أفلاطون وأرسطو وما جعله يستنتج بأن المجتمع التوفيقي لا يكون متجسدا على نحو كاف إلا بتجسيد الوجود الإيتيقي للمواطنين الأحرار. فهيغل رأى بان حركات الاعتراف المؤسسة على العلاقات الإتيقية  بين الذوات  ستؤدي إلى التغلب على الصراع والمصالحة  التي ستتبادلها الذات مع الآخرين.

ثم أحالنا هونيت إلى مفهوم الجريمة والفعل الإجرامي في التصور الهيغلي من خلال عودته إلى تقصى مفهوم الشرف وانتهاك الحقوق في حالات الاغتصاب والتعذيب، لينتهى بذلك إلى بيان مختلف علاقات الاعتراف التي تكلم عنها هيغل وهي العائلة(الحب) ثم المجتمع المدني( الحق) فالدولة( التضامن).

وقد تطرق بعد ذلك هونيت إلى الحديث عن الصراع من أجل الاعتراف ضمن النظرية الاجتماعية للفلسفة الواقعية لدى هيغل محللا بذلك كيف يتم التفاعل الأولى بين الذوات منطلقا في ذلك من علاقة الحب التي تكون أولى مراحل الفعل التذاوتي التي درسها هونيت عند هيغل من اتجاهين إثنين: أولا علاقة الذات مع ذاتها ثم عبر النزاعات الاجتماعية وسعى كل ذات نحو الاستقلال الذاتي ولعل أبلغ صور الاعتراف التذاوتي التي طورها هيغل تلك التي تتجسد في الحب ما بين الزوجين.

هذا ورأى هونيت بأن النموذج الهيغلي للصراع من أجل الاعتراف لم يكن من أجل تأسيس نظرية معيارية داخل المؤسسات، ولا من أجل اقتراح أخلاقية واسعة داخل إشكالات النظرية الذاتية، وإنما من أجل إنشاء نظرية اجتماعية معيارية انطلاقا من ثلاثة مفاهيم أساسية: 1- مفهوم الأنا وما يتيحه من اعتراف متبادل بين الذوات خاصة حينما يعي وجوده الذاتي بكل مسؤولية وهذه الذات تمثل نقطة الانطلاق في التصور الهيغلي لأن وجوده يمثل الفاعل الاجتماعي الأساسي  لنظرية الحياة الإيتيقية. 2- العنصر المؤسس لنموذج التفكير الهيغلي حول التذاوت وفي الأثناء يقترح نماذج مختلفة للاعتراف وهي “الحب”، “الحق” و”الأخلاقية”، وهذه النماذج يراها هيغل ضرورية من أجل تأسيس مسار تكويني للعلاقات الأخلاقية الاجتماعية المابين ذاتية.

لقد وجد هونيت في قراءة نصوص هيغل الشاب أهمية كبرى وذلك لأنها تساعد على فهم الصراعات الاجتماعية فهما أخلاقيا انطلاقا من وجود الفرد في العائلة وما يحضى به من حب ثم الاعتراف القانوني ضمن إطار المجتمع المدني ثم الاعتراف في نطاق الدولة، فينال قيمة الاعتراف الاجتماعي عبر مفهوم التضامن وبذلك تتشكل الحياة الأخلاقية التي يتم على أساسها الاعتراف بوجود كل شخص مستقل بذاته عن الآخر.

3-  منطق تكون مسار الصراع الأخلاقي  ما بين الذوات وتماشيه والواقع الاجتماعي أي المنطق الأخلاقي للنزاعات الاجتماعية، ومن أجل فهم الفكرة الأولية لهيغل وفقا لمقتضات المرحلة الراهنة للتفكير الفلسفي المعاصر. استند هونيت إلى عالم الاجتماع الأمريكي جورج هربرت ميد الذي رأى في أعماله جسرا هاما لتفسير النظرية الهيغلية التذاوت بلغة نظرية مابعد ميتافيزيقية تفتح له الأفق لتجسيد توجهه الفكري انطلاقا من كتابه الروح، الذات والمجتمع وكذلك لبلوغ فهم حقيقي لجملة الوقائع الاجتماعية لنظرية الصراع من أجل الاعتراف. وذلك لأن رائد علم النفس الاجتماعي قد فسر إدراك الذات لذاتها انطلاقا من اللحظة التي تدرك فيها ذاتها من منظور الآخر .

أراد مؤلف هذا الكتاب ضمن هذا الجزء أن ينطلق من واقع الصراع من أجل الوجود القائم على فرضية الإنسان العدائي والمتوحش والذي يسعى لحفظ بقائه بشتى الطرق العدوانية (حالة الطبيعة). ثم يتناول النقلة النوعية التي دشنها هيغل في فلسفة الأخلاق حينما انحرف عن هذا التقليد وسعى إلى فهم الصراع ما بين الأفراد من خلال المطالبة بالاعتراف إذ رأى في الواقع الاجتماعي مكانا للمواجهة الأخلاقية القائمة على الاعتراف المتبادل بين الأفراد.

وأشار في القسم الثاني إلى بنية علاقات الاعتراف الاجتماعي في ثلاثة فصول، تناول في الفصل الأول مجالي الاعتراف والاجتماعي جورج هربرت ميد والتحول الطبيعي للفكرة الهيغلية، معتبرا أن كتابات ميد ذات البعد النفسي الاجتماعي وفرت الأرضية الخصبة في إطار نظري ما بعد ميتافيزيقي لقراءة فلسفة الشاب هيغل في التذاوت بحيث رأى ميد أن الذوات البشرية تحصل على هوياتها في تجربة الاعتراف التذاوتي.

وبذلك فإن ميد يرسم رفقة مجموعة من فلاسفة عصره كديوي(Dewey) وبيرس (Peirce) الأمل بأن علم النفس التجريبي سيدفعهم لفهم العمليات المعرفية  للروح البشرية. هذا وقد اكتشف ميد بعلم النفس الاجتماعي الذي اتبعه في كتابه الروح، الذات والمجتمع ضرورة التقسيم الوظيفي للعمل حتى تشعر كل الذوات بأنها تخضع لقيمة موحدة داخل محيطها الاجتماعي. هذايذهب هونيت إلى أن كل ميد وهيغل رأوا أن “فكرة الصراع من أجل الاعتراف” داخل المجتمع تجعل من كل ذات تجنح نحو تاريخها الفردي. فالوجود الاجتماعي للمجتمعات يسعي إلى تقييم معياري مع فكرة موحدة للحياة الجيدة وهذا ما يشكل اليوم نقطة الاختلاف بين الليبرالية والجمعانية.

و في الفصل الثاني يحيلنا إلى نماذج الاعتراف التذاوتي الحب، الحق، التضامن؛ حيث يعلن منذ بداية هذا الفصل بأن المفاهيم التجريبية  لعلم النفس الاجتماعي التي استلهمها من ميد جعلته يقرأ نظرية الصراع من أجل الاعتراف الهيغلية من منظور تجريبي.

1- الحب وهو مفهوم قد انشغل به هيغل كثيرا في مرحلة الرومانسية، ويشكل لديه نموذج للعلاقات الأولية على مستوى العلاقات المثيرة وعلاقات الصداقة أو العائلة التي تتضمن أواصر قوية بين عدد محدود من الأفراد. ويمثل معه المستوى الأول للاعتراف المتبادل بين الذوات وهو مرتبط أساسا بالوجود الجسدي للذوات كما يجعل كل ذات تشعر بالثقة في نفسها. هذا ويستند هونيت في تحليله  لهذا الضرب من الاعتراف إلى نتائج علم النفس الاجتماعي لدى عالم النفس الإنقليزي دونالد وينيكوت من خلال علاقة الطفل بأمه وحاجته إلى الأمومة خاصة في الأشهر الأولى، ويميز هونيت عمل وينيكوت الذي ذهب بعيدا عن النظرية الفرويدية المعنونة”بالنرجسية الأولية” معتبرا أن رعاية الأمومة تبدو على أنها انبثاق لكل قوى الطفل وبذلك فالأم تمثل بالنسبة للطفل ” التذاوت الأولي”إذ عبرها يحقق ذاته عبر الاعتراف المتبادل بينهما. وينتهي هونيت إلى خلاصة مفادها أن العلاقة الحميمية بين الأفراد تتأسس على جملة من المبادئ والروابط الجامعة لهم مما يسمح لهم بإقامة علاقات اجتماعية مؤسسة على مبدأ الثقة بالنفس.

2- يعالج هونيت هذا المستوى الثاني للاعتراف المتبادل بين الذوات(الحق) انطلاقا من دراستي كل من هيغل وميد لهذا المفهوم الذين اعتبرا أن هذا المستوى من الاعتراف يسمح للذوات بالتعايش السلمي ضمن أفق أخلاقي متبادل عبر ما تكتسبه الذوات ضمن هذه التجربة من احترام اجتماعي. فقد رأى فيه هيغل تعبيرا عن الإرادة والاستقلالية الذاتية، ورأى فيه ميد نموذجا لإنشاء علاقات احترام متبادل بين الأنا والغير كمواضيع قانون من خلال احترامهما للمعايير الحاكمة للمجتمع ضمن التقسيم الشرعي للحقوق والواجبات. كما يفسر هونيت مفهوم “الغير المعمم” الذي عبره تستطيع الذات تقبل الآخرين من الجهة القانونية.

3- يمثل التضامن الشكل الثالث للاعتراف المتبادل الذي تناوله كل من هيغل وميد بالدرس والذي احتل حيزا هاما ضمن دراساتهم والذي خصه هيغل  في كتابات يانا  بمفهوم ” الحياة الإيتيقية” أو “الأخلاقية” وعلى النقيض من ذلك فقد درسه ميد من منظور التقسيم التعاوني للعمل عند بلوغه مرحلة المأسسة. وقد رأى فيه هونيت اختلافه عن باقي مستويات الاعتراف الأخرى فهو كافل للتقدير الاجتماعي للذات، وهو الذي يمكنها من ربط صلة إيجابية علي المستوى العملي مع الآخرين. وقد وسمه هونيت في تحليله الفلسفي بأنه الشكل الأكثر اكتمالا ضمن العلاقة العملية القائمة مابين الذوات.

ويعالج الفصل الثالث من هذا القسم الثاني إشكال الهوية الذاتية والاحتقار. الانتهاكات السلامة الجسدية، القانونية والأخلاقية للذات الإنسانية. وفيه حلل هونيت أسس الاحتقار من خلال حديثه عن  ضحايا الاحتقار المادي والمعنوي  ضمن وقائع الإجرام  والاذلال. وقد ميز ضمن هذا الفصل بين مجالات الاحتقار الثلاث: الانتهاك الجسدي الذي ينزع عن الذات التصرف الحر في جسدها الخاص خاصة عند حالات التعذيب والاغتصاب وما يترتب عن ذلك من شعور سلبي يصفه هونيت ب” الموت النفسي”وما يترتب عن هذا الجرح من فقدان للثقة في النفس التي اكتسبتها ضمن تجربة الحب.        وأما الشكل الثاني للاحتقار فيعالج فيه هونيت الحرمان من الحقوق المتصلة أساسا بفقدان احترام الذات حين تتعرض لإنتهاك حقوقها المشروعة عمدا. ثم تكلم عن الشكل الثالث للاحتقار والمتمثل في الحكم السلبي على القيمة الاجتماعية والتي تفقد ضمنها الذات تقديرها الاجتماعي متجاوزا بذلك هونيت مفاهيم الفلسفة السياسية الكلاسيكية كالشرف والكرامة.

لقد مزج هونيت هذا التطور الفكري بعلم النفس الاجتماعي لميد ووينيكوت من خلال حديثه عن كيفية تشكل شخصية الإنسان، ثم ميز بين أشكال الاعتراف الثلاث وكذلك أشكال الازدراء الثلاث وما ينجر عنها مشاعر سلبية تؤدي لا محالة إلى ظهور عدة أشكال للصراع من أجل المطالبة بالاعتراف وكسب حقوقها المهضومة.

وأما القسم الأخير من الكتاب فقد تناول فيه  مؤلفه وجهات نظر الفلسفة الاجتماعية، الأخلاق وتطور المجتمع؛ وقد تضمن  لثلاثة فصول  عنون الأول بالتقليد المجزأ للفلسفة الاجتماعية. ماركس، صورال، سارتر وكان الثاني بعنوان الاحتقار والمقاومة. المنطق الأخلاقي للصراعات الاجتماعية ، جاء الفصل الأخير بعنوان الشروط التذاوتية للتكامل الذاتي. بداية تشكل الحياة الإتيقية.

إذ يعود مؤلف الصراع من أجل الاعتراف في مستهل هذا الفصل للحديث عن النموذج الهيغلي للنزاع من أجل الاعتراف التذاوتي ضمن مؤلفه فينومينولوجيا الروح، وبداية تشكل وعي الذات التي عبر عنها في الجزء المعنون جدلية السيد والعبد، وهي عودة مقصودة حتى يجادل نظريات هؤلاء الذين تأثروا بهذه الفلسفة وكيفية صياغتهم لمقارباتهم النظرية  لمفهوم الاعتراف النذاوتي. شأن كارل ماركس الذي تحدث عن صراع الطبقات ولكن بصيغة مختلفة للتأويلات الهيغلية للصراع من أجل الاعتراف وكان ذلك على شاكلة النموذج القديم للصراع من أجل تجسيد الذات في العملية الاقتصادية. فهذا النموذج الجديد للصراع الذي تكلم عنه ماركس هو النموذج النفعي للصراع، والذي اعتبر فيه أن قيم الحرية والمساواة لا تخدم سوى الطبقة البرجوازية لذلك راهن على صراع طبقة البروليتاريا حتى تستطيع الحصول على حقوقها المهضومة أي أن تجسيد الذات لا يكون إلا عبر العمل.

أما جورج صورال فقد راهن على مفهوم الفعل الاجتماعي  للإبداع الإنساني عبر المسار الإبداعي للأفكار الجديدة التي تدور على شاكلة صراع طبقات ومقاومة العمال، هذا وقد دعى إلى العمل النقابي الثوري وما تتعرض له من انكسار في الشرف عبر انتظاراتها الاقتصادية . وقد كان ذلك هو نموذج الحق السياسي الحديث لدى التيارات الشعبية من خلال الصراع ضد النزعة النفعية ضمن مجال العمل الاجتماعي. وأخيرا جون بول سارتر الذي رأى أن النزاعات الاجتماعية عبارة عن اضطرابات جماعية لعلاقات الاعتراف، فتحدث عن استحالة نجاح التفاعل الاجتماعي بين الأشخاص. وبذلك تمحورت نظريته الأولى في التذاوت ضمن سياق “الصراع من أجل الاعترف” حول الوجود البشري الذي يتجسد من خلال الثنائية الأنطولوجية للذات البشرية ” الأنا لذاته” و” الأنا في ذاته” في مقابل الوجود المتعالي للآخر لأن كل موضوع بشري يوجد على شاكلة أنا في ذاته وهذا ما فسره هونيت بالتعصب للذات في دراسته له وفسر ذلك من خلال المسألة اليهودية ونضالها ضد الحركة الاستعمارية.

فقد رأى هونيت بأن ممثلي النظرية التقليدية الثلاث الذين أستحضرهم لم يساهموا  بصفة  مباشرة في تطوير الصورة التي رسمها هيغل عن الاعتراف وعمقها ميد بعلم النفس الاجتماعي، بل قد اكتفوا بتجسيد واقع الهيمنة على شاكلة أمراض في علاقات الاعتراف وذلك لأنهم لم يقدموا سوى نظريات ما بعد علمية بحيث أن ماركس قدم تكلم عن الواقع التنظيمي للطبقة العاملة وقد حصر مفهوم الاعتراف في مفهوم “الكرامة”، أما صورال فقد تكلم عن العمل النقابي بفرنسا وحصره في مفهوم ” الشرف” ليفسر المسار الأخلاقي للوجود السياسي للعمال، وأما سارتر فقد حصر في مفهوم “التعصب للذات”.

وأما الجزء الثاني من هذا القسم فقد ركز فيه هونيت على موضوع الاحتقار والمقاومة، أي على أسس المنطق الأخلاقي لتتشكل النزاعات الاجتماعية، وضمن هذا الفصل استدعى مجموعة من المنظرين الاجتماعيين كإيميل دوركهايم وماكس فيبر وجورج زيمل، ليقر بأن الحركات الاجتماعية  المطالبة بالاعتراف النابعة عن مشاعر اللاعدل والاحتقار تضطر للمقاومة عبر الصراع من أجل الدفاع عن حقوقها المنتهكة. ليرسم بذلك الخيط الناظم بين مسارات الاعتراف والنزاعات الاجتماعية، هذا ورأى بأن المسار العملي للتجارب الفردية للاحتقار تؤول على أنها تجارب جماعية تطالب بالاعتراف وذلك لأن الشعور بالاحتقار والعار الاجتماعي تدفع الفرد إلى خوض صراع ضده. لقد سعى هونيت ضمن هذا الفصل إلى تفسير أهمية الصراع من أجل الاعتراف بما هو قوة أخلاقية تعبر على تطور المجتمعات.

وينظر الفصل الأخير في مجمله إلي بداية تشكل الحياة الإيتيقية من خلال علاقات الاعتراف المابعد تقليدية ولهذا تناولها هونيت ضمن التقليد الكانطي، إذ الأخلاقية الكانطية تلزمنا على احترام كل الذوات كغاية في ذاتها ويكون فيها كل فرد مسؤول عن ذاته. ولكن الأخلاقية الموجودة اليوم تتطلب إعادة التأهيل بتيارات فلسفية أخلاقية تسعى إلى التجديد انطلاقا من هيغل . ويقترح  في الأخير مشروع الحياة الإتيقية الجيدة التي تكفل الشروط الذاتية لكل ذات ضمن أفق العيش المشترك.

وأخيرا يمثل هذا النص ثروة فكرية هامة لكل مهتم بالفلسفة السياسية والإتيقية المعاصرة  وذلك لما تضمنه من تحليل معمق لمفهوم الصراع انطلاقا من الفلسفة الكلاسيكية وما تضمنته من صراع من أجل الوجود وصولا إلى لحظة الاحتجاج والحراك الاجتماعي المطالب بالاعتراف من جراء الشعور بالازدراء والظلم داخل المجتمعات المعاصرة. فقد رام هونيت أن يضخ في كتابه هذا روحا فكرية تتماشي ومتطلبات المرحلة الراهنة للإنسانية المعاصرة، كما أراد أيضا تأصيل هاته النظرية في الفكر الفلسفي المعاصر.

ولئن كان تصور هونيت مراهنا على ضرورة تحقيق الاعتراف التذاوتي بين الأفراد كما فهمه هيغل في البداية ثم علماء النفس الاجتماعي، فقد حرص كذلك على تفسير أغلب رؤى المنظرين لهذا المفهوم حتى يتحقق الفهم الواسع لدى جمهور القراء، لذلك كان هذا الكتاب بمثابة الرافد الأساسي لكل مقبل على فهم الفلسفة العملية بامتياز.

سارة دبوسي: باحثة في الفلسفة السياسية المعاصرة

شاهد أيضاً

ذكرى كارل ماركس في حضن الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

ملخص ندوة “اليوم العالمي للفلسفة والذكرى المئويّة الثانية لميلاد كارل ماركس” نظّم أوّل الأمس السبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *