جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

عزالدين بوركة  (كاتب وباحث مغربي)

رغم رفضها للَقب “فيلسوفة”، بحجة أنها تشتغل في التنظير السياسي، فحنة أرندت تعد من أبرز المفكرين وعلماء الاجتماع السياسي في القرن العشرين، الذين أعادوا الرؤية في الفكر الغربي وأزمة الحداثة، شأنها في ذلك شأن ميشيل فوكو وجاك دريدا ومارتين هيدغر وهابرماس… الذين تأثروا بمطارق نيتشه الهادمة للميتافيزيقا الغربية، والتي ألقت ظلالها منذ أفلاطون على الفكر والفلسفة الغربييْن. ومن هذا المنطلق سعت أرندت للحفر والتأصيل في مسألتي “العنف والشر”، كموضوعين جوهريين في جل كتاباتها الفكرية-السياسية.

  1. في مسألة العنف والسلطة:

إن كان العنف في الوقت المعاصر، سلوكا ممنهجا، من حيث أن “ما يميزه –كما يخبرنا إيف ميشو Y. Michaud- عن أشكال العنف التي عرفها التاريخ، هو التدخل المزدوج للتكنولوجيا والعقلنة في إنتاجه”، ما يجعله سلوكا لاعقلانيا ناتجا عن العقل، وسلوكا لا شرعيا يتم شرعنته. فبالمقابل تقول حنة أرندت -هذه الفيلسوفة الأمريكية –من أصل ألماني- والتي عانت من مسألتي العنف والشر في فترات من حياتها داخل ألمانيا، وحتى خارجها، نتيجة البطش النازي- تقول في كتابها “في العنف”: إن “السلطة والعنف، على الرغم من كونهما ظاهرتين متمايزتين، عادة ما يكون ظهورهما متزامناً. وحيثما يتم التوليف بينهما يتم (…) إبراز السلطة باعتبارها العامل الأساسي والمسيطر”[1]. فإن كانت السلطة “لا تحتاج إلى تبرير” فإن العنف هو ما يبررها ويجعلها مسيطرة. فهذا المعطى الذي جاءت به أرندت في مؤلفها هذا، اُعتُبِر جديدا ومثيرا للجدل، حيث أن موضوع العنف “نادرا ما كان موضع تحليل أو دراسة خاصة مع أنه ذو دور كبير في الحياة السياسية والاجتماعية لتاريخ البشر”[2]. فقد تم تبرير العنف طيلة التاريخ البشري عبر مقولات لاهوتية أو ميتافيزيقيا.

لم تسعَ حنة أرندت إلى تأليف موسوعة حول العنف، أو القيام بحفر تاريخي في جذوره، بل سعت إلى جعل الكتاب ملخصا وتكثيفا لتمثلاتها الفكرية تجاه هذه الموضوعة. وكأن الكتاب هو تتمة مصغرة لباقي كتبها الفلسفية-السياسية، والتي وضعت فيها عصارة فكرها، وخاصة كتابها “أسس التوتاليتارية”.

تمخض هذا المؤلف عن السياق الذي عايشته الفيلسوفة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة. في ظل التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا، يظهر العنف إذن، لا مبررا بل شرعيا، لكونه مرتبطا بالسلطة “التي لا تحتاج إلى تبرير”، لكنها في حاجة إلى الشرعية. هذا التداخل بين العنف والسياسة، يبرز بشكل جلي حينما يُهدد السياسيون (الدكتاتوريون في هذه الحالة) بفقدان سلطتهم. فتنحط السلطة بالتالي، وتتحول إلى وسيلة قمع وإكراه. إذ “أن كل انحطاط يصيب السلطة هو دعوة مفتوحة للعنف- ولو لمجرد أن أولئك الذين يقبضون على السلطة، سواء كانوا حاكمين أو محكومين، إذ يشعرون بأن هذه السلطة تفلت من أيديهم، يلاقون على الدوام أكبر قدر من الصعوبة دون مقاومة إغراء استبدال السلطة بالعنف”[3].

ترى أرندت أن العنف، أو الشكل الأداتي للعنف، قد عرف تطورا كبيرا على مر التاريخ. وخاصة ما بتنا نشهده مع ظهور الحروب النووية، والتي تهدد الجنس البشري ككل. فلم تعد الحروب تقتصر على الصراع العضلاتي أو الميداني، بل تخطى الأمر إلى ظهور عدد قليل من الأسلحة قادرة على تدمير كل مصادر القوة القومية، وأسلحة بيولوجية أخرى قادرة على جعل مجموعات صغيرة قوية إلى درجة قلب التوازن الإستراتيجي. وهذا ما أصبحنا نعيشه اليوم من تهديدات مخيفة عن نشوب حرب نووية… أو امتلاك جماعات إرهابية لأسلحة مدمرة، ما يجعلها قادرة على قلب الأنظمة وتهديد السلم العالمي، وقتل أرواح بريئة… إذ أن بإمكان التفوق التقني أن يكون “ضارا أكثر منه نافعاً في الصراع ضد قوات حرب العصابات” (فلاديمير ديديجر). ولنا مثال كبير في ما وقع مؤخرا في مناطق عدة، في الشرق والغرب. إذ بقدر ما دمر “جماعات راديكالية” العمران والإنسان، دمرتهما تدخلات الأنظمة الخارجية بدورها، بحجة التدخل لفرض النظام والديمقراطية، فـ”بقدر ما يزداد بروز العنف كسلاح مشكوك فيه وغير مضمون في مجال العلاقات الدولية، [تقول أرندت] سيزداد بروز هذا العنف نفسه كعامل فعال في الشؤون الداخلية، ولا سيما فيما يتعلق بقضية الثورة”[4].

ويصير بالتالي، فعل العنف مبررا وشرعيا، كما أنه يشرعن الفعل السياسي، وذلك في “حالة الدفاع المشروع عن النفس حين يكون الخطر حتميّاً”. إذ أن وتر الخطر هو الذي تلعب عليه دول عديدة اليوم لتبرير عنفها.

ولا ترى المفكرة حنة أرندت في العنف أي تبرير جوهري، من حيث أن “السلطة تكمن في جوهر كل حكومة، لكن العنف لا يكمن في هذا الجوهر”[5]، فالعنف هو وسيلة وليس غاية ولا جوهر، فهو أداة في حاجة لتبرير، وهذا التبرير يُستمَدّ من الطرف الآخر، ما يجعل من المستحيل أن يكون في جوهر أي شيء. وعند غياب الغاية من العنف يصير تعسفا، لأنه يحضر بصفته الأداتية فحسب.

  1. في مسألة الشر وتفاهته:

صاغت حنة أرندت أول مرة مصطلح “تفاهة الشر”، في كتابها[6] الذي خصصته لمعالجة قضية الضابط الألماني-النازي “إيخمان” ومحاكمته الشهيرة. هذه الأخيرة التي جعلتها تبرز مواقفها الفكرية تجاه مفاهيم الشر والصفح بالخصوص، وكذلك العنف. إذ ترى أن جريمة إيخمان والنازيين، فيما سمي بالمحرقة، الهولوكوست، هي “جريمة لا عقاب لها”، من حيث أنها جريمة “ضد الإنسانية”، فلا يمكننا أن نجد لها مقابلا عقابيا في مدوناتنا الزجرية والجنائية، لأنها “لا-تقبل العقاب”. فيأتي “الصفح” كمقابل للانتقام. إذ أنه الوسيلة المثلى لتحقيق الانسجام بين الضحية والجلاد، ما يحقق التسامح باعتباره أعلى قيمة إنسانية.

لقد حاولا كل من الدين والفلسفة الإجابة عن مسألة الشر، باعتباره محددا من محددات الكائن البشري. فقد رأت الديانتان اليهودية والمسيحية بأن الشر متأصل في الإنسان منذ الخطيئة الأولى، وأن الإنسان نازع إلى الشر. بينما ترى البوذية أن هذا الفعل موجود في الطبيعة البشرية التي تتحكم فيها الرغبات والغرائز. ويرى الإسلام بأن النفس البشرية تنزع إلى الخير والشر، بينما الإنسان هو الذي يغلّب الخير على الشر أو العكس. وقد ذهبت الفلسفة مع سقراط إلى القول بأن الشر ناشئ عن الجهل، فلا أحد يرتكب الخطيئة أو الشر وهو عالم بأنه شر. فـ”الفضيلة علم والرذيلة جهل”. سيختلف اسبينوزا مع هذه الرؤية من حيث أن الفكر والتصور هما مكمنا الشر عنده، فالشر راجع لزاوية رؤيتنا للشيء، فلاشيء يوجد من حيث هو شر أو خير….

بعيدا عن هذه الرؤى تذهب حنة أرندت إلى تأصيل مشكلة الشر انطلاقا من رؤية فكرية-سياسية بالضرورة، لا الفلسفية والإيتيقية (الأخلاقية). لقد رأت هذه الفيلسوفة بأن الشر –السياسي خاصة- مرتبط بأزمة العالم الحديث المتجسدة في الأنظمة التوتاليتارية. وخاصة فيما نتج عن حروب القرن 20، وما تولد عنها من وضع بشري. حيث اتسم ذلك القرن بكونه “قرن العنف” بامتياز، أو “قرن الثورات” كما وصفه لينين، فالأنظمة التوتاليتارية الغربية كانت وليدة ثورات وحروب القرن المنصرم. ما يستدعي –حسب أرندت- لمناقشة مشكل الشر أن ننطلق –بالضرورة- من التبرير السياسي، لا الأخلاقي والطبيعي والميتافيزيقي.

تسعى الأنظمة التوتاليتارية لتدمير الناس والحياة العامة، مستعينة بالبروباغاندا لغسل الأدمغة، كما حدث في العهد الستاليني والهتليري، وتستعين هذه الأنظمة بوسائل سلطوية مختلفة لفرض هيمنتها، وجعل النظام البيروقراطي صارما، ومعه يصير الفرد داخل هذا النظام مطيعا غير مبدٍ لرأيه، فالمنوط به هو تنفيذ الأوامر بلا أدنى مستوى التفكير. إن الأمر مشابه لما يقع في “وزارة الحقيقة” في رواية 1984 لجورج أورويل، حيث يجب على العامل تنفيذ عملية “تزوير الحقائق” بدون أن يُعمل مَلَكَة التفكير في “الحقائق” التي ينسخها ويحرقها، بل تختلط الحقيقة بالزيف في ظل عمليات التزوير المتكررة. من منطلق “اللاتفكير” لبسط نفوذه، يسعى النظام التوتاليتاري بما أمكنه من وسائل العنف (العسكر، الشرطة، الإعلام…) لإرغام الناس على إتباع الأوامر، ما يجعل العنف التوتاليتاري “عنفا إرهابيا”. ومنه يتغير مفهوم المواطنين داخل هذه الأنظمة إلى “قطعان”. إذ تقول أرندت أن “الإرهاب لا يمكن أن يسود الناس مطلقا، إلا في حال كونهم معزولين بعضهم عن بعض، وبالتالي فإن أولى اهتمامات كل الأنظمة الاستبدادية هي إحداث هذه العزلة. لذا يمكن أن تكون العزلة بدء الإرهاب”[7].

انطلقت حنة أرندت وهي تعالج “قضية إيخمان”، من منطلق اللاتفكير، وإتباع الأوامر والانصياع لها وعدم عصيانها، الذي نهجته الأنظمة التوتاليتارية، كما اعتبرت أن الحكم على إيخمان بالإعدام كان “غير مبرر”، فهذا الرجل ظل طيلة المحاكمة يرفض الاعتراف بذنبه، بدعوى أنه لم تكن لديه أدنى نية “شر” أو كره تجاه اليهود الذين ساقهم إلى “المحرقة”. فكل ما فعله هو “تنفيذ الأوامر” البيروقراطية. أي نتاج مسخ الإنسان الذي سلكته التوتاليتاريات على إنسانها، وتحويلهم من فاعلين إلى كادحين فقط! وجعلهم محصورين فيما يحتاجونه لحياتهم البسيطة دونما أن يتصف بصفتهم الإنسانية العليا: الحرية! لذلك أطلقت أرندت عبارة “تفاهة الشر” وصفا لما قام به أدولف إيخمان.  تكمن هذه التفاهة في كون ما قام به إيخمان لا يقارن بما قام به النظام النازي ككل، وبالتالي لا يمكن أن يعاقب شخص واحد بما قام به نظام أكمله. فقد كان إيخمان مسلوبا من إنسانيته وتفكيره. لقد كان “آلة” داخل البيروقراطية التوتاليتارية!.

ظلت حنة أرندت تصف على طول صفحات كتابها أطوار المحاكمة بأنها “مسرحية” مضحكة، إذ “من الأكيد –كما تقول أرندت- أنّ من قام بتصوّر قاعة المحكمة كان يفكر في المسرح، بمقاعده الأمامية، وبشرفاته، وخشبته الأمامية، ومنصته وأبوابه الجانبية لدخول الممثلين”[8]، فهذا التهكم من أطوار المحاكمة أساسه أنها لم تكن إلا انتقاما من شخص واحد بتهمة جريمة نظام ككل، ما جعل هذه “المسرحية”/المحاكمة تتحول إلى “فرجة”[9]. في الوقت الذي كان يمكن فيه إعمال “الصفح”. حيث إن الصفح “هو رد الفعل الوحيد الذي لا يقتصر على إعادة إنتاج الفعل”، فعل الجريمة/المحرقة، في هذه الحالة. الحل الوحيد لمشكلة الصفح إذن عند أرندت هو الصفح.

[1]  حنة أرندت، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي للنشر الطبعة الثانية 2015، ص 46.

[2]  المرجع نفسه، ص 10.

[3]  نفسه، ص 79.

[4]  نفسه، ص 12.

[5]  نفسه، ص 45.

[6]  حنة أرندت، إيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر، ترجمة نادر السنوسي، دار النديم للنشر ودار الروافد الثقافية 2014.

[7]  حنة أرندت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي للنشر 1993، ص 269.

[8]  حنة أرندت إيخمان في القدس، مرجع مذكور، ص 31.

[9]  أنظر المصدر السابق، ص 37.

 

 

شاهد أيضاً

سياساتُ الجمالِ: هل يمكن الثأرُ بالفنِّ؟

سامي عبد العال      ذات لوحةٍ قال سلفادور دالي: ” كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *