جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / الفلسفة  كونها إبداعا للمفاهيم

الفلسفة  كونها إبداعا للمفاهيم

بقلم: نور الدين عزار

ربما لا نستطيع طرح سؤال ما الفلسفة؟ إلا آجلاً..

فنحن لم نكن قنوعين بما يكفي. وكان لدينا رغبة قوية للاشتغال بالفلسفة، ولم نكن نتساءل عمَّا هي إلا عبر تمرين في الأسلوب؛ لم نكن قد وصلنا إلى هذا المستوى من الأسلوب حيث بإمكان المرء أن يقول أخيراً: ما الذي عملته طيلة حياتي؟.

أن يعرف الإنسان نفسه بنفسه ـ أن يتعلم التفكيرـ أن يتصرف كما لو لم يكن هناك من شيء بديهي ـ أن يندهش ـ “أن يندهش من أنّ الكائن يكون.

وقد تعددت تعاريف الفلسفة مند العصور اليونانية القديمة، حيت يعتقد أن أول من استخدم مصطلح الفلسفة هو الفيلسوف اليوناني فيتاغورس 572-497 ق.م. وأن كلمة الفلسفة كلمة يونانية مركبة من قسمين. فيلوس philos وتعني المحبة، وصوفيا sophia وتعني الحكمة، أي محبة الحكمة. ويكون الفيلسوف philosophos هو محب الحكمة(1).

ذهب أفلاطون الى تعريف الفلسفة على أنها علم الحقائق المطلقة الكامنة وراء ظواهر الأشياء. وعرف أرسطو الفلسفة على أنها علم بالمبادئ والعلل الأولى للوجود.

وفي العصور الوسطى كان يُنظر إلى الفلسفة على أنها تقف على طرفي نقيض مع الدين خاصة في أوروبا. لذلك مُنع الاشتغال بها هناك، إلا إذا كانت تدور في فلك الدين وفي إطار تعاليم الكتاب المقدس(2).

أما في العصر الحديث وكنتيجة للانقلاب على التراث القرون الوسطى، الذي بدأ في عصر النهضة وتوسع أكثر في عصر الأنوار، فإن الفلسفة عادت لما كانت عليه من قبل، وأصبح التفكير العقلي هو الدعامة التي تستند عليها المعرفة البشرية، ويعبر المفهوم الذي قدمه روني ديكارت للفلسفة عن هذا التحول، فهي عنده تميزنا عن الأقوام المتوحشين، وبها ينبغي قياس تقدم المجتمعات.

وقد انعكس هذا الفهم على الحركة العلمية التي أخذت تحقق اكتشافات لا نظير لها في العصور السابقة. لكن ما يؤخذ على هذا العصر انه كان يقدس العقل، وبذلك وقع في التطرف نفسه الذي وقعت فيه الكنيسة سابقا. وكرد فعل على الغلو في الأخذ بالعقل والاعتماد عليه بشكل مطلق في العصر الحديث.

ظهرت اتجاهات كثيرة في الفلسفة المعاصرة تنادي بضرورة الحد من الثقة المفرطة في العقل، بعد أن تأكد لهم أن العقل معرض للخطأ وانه يتأثر بالعواطف والعقائد ، بل ظهرت أراء سلبته كل قدرة على قيادة البشر، وأصبح بدوره مُسير من طرف قوى أخرى مثل قوة الدفعة الحيوية عند برغسون(3).

كما ذهب أيضا جيل دولوز الى تعريف الفلسفة في كتابه “ما هي الفلسفة” على أنها فن اختراع الأفاهيم وابتكارها وصنعها، أو بالأحرى هي فن إبداع الأفاهيم. والأفهوم هو فعل فكري محض، يعبِّر عن فكر ضروري، ويكون بمثابة إجابة عن مسألة جديدة يتم ابتداعها في الفلسفة. وهو، بهذا المعنى، منشِئ للمعرفة أكثر ممّا هو حصيلة لها(4).

لذا نقول إن الفلسفة ليست بحثاً عن الحقيقة، والحقيقة الفلسفية ليست مطابقة القول للواقع، لأن لكل أفهوم حقيقة خاصة به بالنسبة إلى الأفق المتحرك الذي ينشأ فيه، أو بالأحرى بالنسبة إلى الحدس الأساسي لدى الفيلسوف..

الفلسفة فن إبداع الأفاهيم. إذاً، إنها نشاط منتِج لكيانات خاصة بها، وبالتالي ليست تأملاً لحقائق أزلية ولا تفكراً في العلوم أو الفنون ولا تواصلاً لإنتاج تسويات أو توافقات بين الآراء المتنافسة.

فالأفهوم ليس رأياً بأي شكل من الأشكال ولا حتى رأياً أصلياً، لأنَّ الرأي اعتباطي وتعسفي. وبذلك تتميز الفلسفة من العلوم والفنون التي ليست بحاجة إلى الفلسفة لتقوم والتي تهتم بإبداعاتها الخاصة بها، والتي من خلالها تفكر في الإنسان والحياة والكون. ومع ذلك هناك صلاتٌ يمكن أن تنشأ بين الفلسفة والعلوم والفنون.

إن إشكالية الفلسفة لدى دولوز تتحدد من خلال وظيفة الفلسفة، باعتبارها فن ابداع وابتكار للمفاهيم، فهي إشكالية مفهومية، وتعني قدرة الفلسفة على إثارة التساؤلات والاشكاليات بصيغة مفهومية، تعمل في حقول الفلسفة ومباحثها، باعتبارها إمكان لا ينضب من القدرة على خلق المشكلات، دون الاهتمام بنوع وطبيعة الاجابات، فهي لا تتوخى الإجابات، قدر انهمامها بطريقة صياغة التساؤلات، فبقاء الفلسفة مرهون بقوة السؤال الذي تطرحه، لا بالأجوبة التي تقدمها(5).

إذ لا تهدف الفلسفة إلى القبض على حقيقة الأشياء، مع أنها تعطي الأشياء حقيقة جديدة من خلال الأفاهيم التي تبدعها والمسألة الجديدة التي تطرحها.

يرمي كل فيلسوف، من خلال الفلسفة، إلى ابتداع لغة غريبة أو أجنبية داخل اللغة ذاتها، لا من حيث المفردات وحسب، بل من حيث التركيب النحوي أيضاً. لذا بإمكاننا القول إن الفيلسوف ليس غريباً في أُمته وحسب، بل وفي لغته أيضاً.

مراجع                                                             

  • عبد الرحمن بدوي: مدخل جديد الى الفلسفة، وكالة المطبوعات، الكويت، ط1، ص8.
  • ول ديورانت: قصة الفلسفة، ترجمة، فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، ط 6، 1988، ص 133.
  • بوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوروبا،  ترجمة عزت قرني، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1992، ص 24.
  • جيل دولوز، فليكس غتاري، ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي، فريق مركز الانماء القومي، بيروت، ط1، 1997، ص5.
  • د. حيدر ناظم محمد، إشكالية الفلسفة: من النقد الأركيولوجي إلى الإبداع المفهومي، قراءة في فلسفتي ميشيل فوكو وجيل دولوز، ابن النديم ودار الروافد الثقافية، بيروت، ط1، 2015، ص158.

شاهد أيضاً

ما الحب؟ هل يمكن للفكر الحر أن يعي شعور الخضوع … فلسفيا

أحد ناصيري إن ما هو دارج عند أغلب الناس، أن الفلسفة منذ نشأتها وهي تصارع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *