جديد
الرئيسية / أنشطة ومواعيد / تغطية / قراءة تحليلية في الفصل الأول من كتاب الثالوث المحرم *

قراءة تحليلية في الفصل الأول من كتاب الثالوث المحرم *

يونس كلة

يبتدئ بوعلي ياسين كتابه الموسوم ب “الثالوث المحرم” بالكشف عن دواعي اهتمامه بالثالوث المذكور، وهو اهتمام نابع – كما صرّح بذلك في بداية المؤلف- من كون المحرم الأول، أي الدين، هو بالإضافة إلى كونه موضوع دراسة علمية، يعد إلحادا من طرف الطبقات المتسلطة، ومن أن المحرم الثاني، أي الجنس، يعتبر مجالا للتنوير والتثقيف وهو في الآن نفسه مبرر لنعث المهتمين به والدارسين له بمساهمتهم في نشر الإباحية المقيتة، أما المحرم الثالث، أي الصراع الطبقي باعتباره أداة نظرية لدراسة التحول الطبقي /الاجتماعي، فهو مدخل ملكي لضرب دارسيه بمبررات أيديولوجية محض، بتهمة التنظير للشيوعية ضدا على التوجه الرأسمالي العام المعتمد فكريا وواقعيا من طرف أغلب الأنظمة السياسية الحاكمة، ليتضح أن الغاية من نعث الثالوث بكذا نعوت هو التحكم في الهرم الاجتماعي وفي دينامكيته، وتثبيته وفق ما هو سائد، لأن في ذلك خدمة لمصالحها وضمان استمراريتها على سدة الحكم.

بيد أن ذلك لم يمنع المؤلف من إبداء استحسانه مما لاقاه الكتاب من إقبال واسع من لدن الشبيبة العربية /الشرقية، واعتبر المسألة ظاهرة ايجابية في الحياة الثقافية داخل المكون الشرقي/العربي، وهو ما زاد من حافزيته للتعمق أكثر في الموضوع نتيجة إقبال القراء على العمل، فاضطر إلى إعادة النظر في مضامين الكتاب وفصوله، بما في ذلك إعادة صياغة المتن والشكل، حيث أصبح دراسة واحدة من ثلاثة فصول عوضا عن ثلاثة دراسات، تطرق الفصل الأول منه إلى الجنس والدين في المجتمع البشري، والدين والمجتمع في الفصل الثاني، أما الفصل الثالث فخصصه لمظاهر ارتباط الدين بالدولة في سورية.

  • الدين والجنس في المجتمع البشري

يتميز موضوعا الجنس والدين في المجتمعات العربية بعدم قابليتهما للنقد والدراسة من طرف المجتمع وكذا من لدن الأنظمة السياسية والطبقات الحاكمة، لذلك يصبو بوعلي ياسين إّلى الكشف عن هذين الموضوعين من خلال الأسئلة والإشكالات التالية: لماذا يحارب المجتمع التنوير والتوعية في كلا المجالين، الدين والجنس؟ وما الخطر في ذلك؟ وهل من قبيل الصدفة أن يكون التنوير في الجنس محرما كما هو الحال في الأمور الدينية ؟

يبحث الرجل في جذور قيام الدين باعتباره حاجة نفسية تعبر عن خوف الإنسان من الطبيعة وفزعه من قسوتها، “وقد كشف هيغل (1770-1831) عن الرابطة بين الدين والصراع مع الطبيعة، عندما قال “كما أن الدين هو مفهوم الشعب عن نفسه، فالشعب الذي يعتبر الطبيعة إلها، لا يمكن أن يكون شعبا حرا”1. وسيرا على نفس المسعى (أي البحث في نشوء الدين ) يرفض بوعلي ياسين تصور الدين كنظرة إلى الكون وطريقة حياة محددة بالإيمان بوجود إله أو ألوهية، وبمقابل ذلك يستدعي وجهة نظر انجلز (1820-189) لاعتباره أن الدين “ليس إلا انعكاسا للخيالي في رؤوس الناس لتلك القوى الخيالية التي تتحكم بوجودهم اليومي، وهو انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى فوق أرضية”2، وما استبعاد الرجل للتصور سوى إيمانا منه بأنه تصور مثالي لا يعكس الدينامكية الحقيقية التي نتج عنها انبناء الدين في علاقة الإنسان المباشرة مع الطبيعة واستعبادها إيّاه، ومن ثم فإن سيادة التصور الأول

عن التصور الثاني نابعة من عدم فهم الإنسان للعلاقة القائمة بين البنية الفوقية والبنية التحتية، بالشكل الذي يصير معه الدين إيديولوجيا تحول جانب التخيل والوهم الإنساني إلى واقعة فاعليّة تزكيها النظم المجتمعية وإيمانها بتصورات ميتافزيقية حسب فهم الألماني كارل ماركس.

تفسير من هذا النوع يتقاطع إلى حد بعيد مع كرنوف الذي نظر إلى ثنائية الطبيعة والجماعات البشرية على نحو مختلف عن وجهات النظر السابقة، ليؤكد أنه على الرغم من أسبقية تعلق الإنسان بالطبيعة على تعلقه بالجماعات البشرية فإن العامل الأساس الذي دفع الإنسان إلى تأليه قوى الطبيعة هو الخوف، والخوف من الموت على وجه أدق، أما تايلور فيرى أن معايشة الإنسان لمعانات عدة، كالغشيان والهلوسة والأمراض وأخيرا الموت وعجزه عن إعطاء تفسير منطقي لهذه المعايشات هو الذي أدى به إلى نسج معتقدات يحتمي بها من الخوف الناجم عنها، إلى أن تطورت المسألة الدينية مع الزمن إلى الإعتقاد بإله واحد.

وعلى خلاف توجه كل من كرنوف وتايلور اتجه بوخارين الى تفسير الأرواحية على أساس ما هو اجتماعي واقتصادي مرتبط بالهيكل الإقتصادي الذي كان يتحكم في تطور القبيلة والعشيرة، زكاها فيما بعد عامل تقسيم العمل الذي أضفى هو الآخر نوعا من التنظيم الإداري على نشاط أفراد القبيلة أو العشيرة ، ويحتل الشيخ أو زعيم القبيلة في هذا التنظيم مكانة متميزة باعتباره منظم العمل والساهر على سيره السليم، وذلك طبعا على حساب المنفذ (الفرد البسيط داخل القبيلة )، والملفت للنظر إن الإنسان في هذه المرحلة قد أضفى نوعا من الأرواحية على هذا التنظيم، تطور فيما بعد إلى الإعتقاد بالطوطم وهو في كثير من الأحيان حيوان أليف له علاقة قرابة من أفراد القبيلة °. لكن لا ينبغي أن يزيغ ذهن القارئ لعمل بوعلي ياسين هذا إلى القول بأن كل المجتمعات البدائية كانت تملك تصور معين للدين بغضّ النظر عن طبيعة هذا الإعتقاد، وهو الذي نقل لنا نصا لمحادثة مع أحد أفراد جماعة الكوبو، الذين كانوا يسكنون الأدغال الاستوائية، وجدها فولتس لدى توكاريف وهي كالتالي:

– هل كنت مرة لوحدك ليلا في الأدغال؟-أجل، كثيرا.

– ألم تسمع أنينا أو تأوها؟ – أجل .

– ماذا فكرت؟ – شجرة تصر .

– ألم تسمع زمجرة ؟ – أجل .

– ماذا فكرت؟ – هذا حيوان.

– ولكن إذا لم تكن تعرف الصوت؟…أعرف أي صوت حيواني.

–  ألم تسمع أبدا ليلا في الأدغال أصواتا لا تعرفها؟ -لا أعرف أي صوت. (انتهى نص المحادثة)3

المحصّلة الذي خرج بها المؤلّف بعد قراءته لهذه النازلة هي كالتالي:

يبدو أن الكوبو إما يعرف الشيء فلا يخافه ولا يعبده، أو أنه لا يعرف الشيء ولا يهتم به لعدم معرفته فلا يخلق لنفسه أوهاما حوله.

ينتج عن تحليلنا لنص المحادثة النتائج التالية:

-(ن.أ):  يقودنا التفكير في مسألة نشوء الدين مباشرة إلى فهم أن بناء الاعتقاد الديني ناجم عن علاقة الإنسان بالطبيعة وقواها وخوفه منها.

-(ن.ب): ليست كل المجتمعات البدائية مؤمنة (أي لها اعتقاد ديني معين)، بل أن هناك مجتمعات بشرية ملحدة (مجتمع الكوبو الذي كان يسكن الأدغال الإستوائية على سبيل المثال).

-(ن.ج): تنبع حاجة الإنسان إلى معتقد ديني معين من حالاته النفسية المضطربة وتحديدا عن خوف الإنسان من الطبيعة وقواها المرعبة.

-التمفصل الجدلي بين الدين والصراع الطبقي

يتم التأريخ للمرحلة الثانية من تاريخ تطور الأديان مع بداية تدخل النظم المجتمعية في عامل الأرواحية (نسب الروح لقوى الطبيعة)، حيث تنتقل جميع الصفات الطبيعية والإنسانية للآلهة إلى إله واحد كلي القدرة، هو بمثابة انعكاس لصفات الإنسان المجرد على إله أوحد، ويعود هذا التحقق إلى شرطين :

– الشرط الأول: ظهور قوى اجتماعية إلى جانب القوى الطبيعية.

– الشرط الثاني: ظهور فائض الإنتاج الذي يستدعي بالضرورة تصريفه، ذلك أن ظهوره قد أدى بشكل لزومي إلى نشوء مجتمع الطبقات، وبالتالي ظهور التفكير في تقسيم العمل. عند هذه النقطة بالذات، أي ظهور تقسيم العمل، بين الرجل و المرأة في بداية الأمر، وبين مكونات الطبقة الواحدة فيما بعد، أضحت الحاجة إلى الدين والى الكهنة أمرا ملحا لتطوير الطبقات وزرع فكرة الصبر والسلوان في نفوسهم وإقناعهم بفكرة الخلاص، كما يقدم المؤلّف في خضم اشتغاله على تيمة الدين والصراع الطبقي تقسيما محددا للدين أو الأديان، يخدم بالطبع الغاية المبتغاة من طرح الكتاب، وهي في نظره ثلاثة :

-أ) أديان بدائية: دين المجتمعات البدائية التي ألهت قوى الطبيعة .

-ب) أديان إثنية: دين القبيلة أو العشيرة .

-ج) أديان كونية: وهي أديان لا تخص قبيلة بعينها أو مجتمعا بعينه، بل يمكن أن تشتمل نظم اجتماعية كثيرة، وأحيانا دولا أو إمبراطورية (البوذية، الإسلام، المسيحية).4

وهو لا ينفي بناء على الأساس أن يندمج دينين أو أكثر من الأديان الإثنية في إطار التحام القبائل واجتماعها في قبيلة واحدة، مما ينتج عنه التقاء أو تزاوج إلهين أو أكثر .

وهكذا يحاول الرجل دمج فكرة نشوء الدين بفكرة الصراع الطبقي وهي عملية لها وجهين:

– الوجه الأول: يحمل الرجل أيديولوجيا مادية الأساس والمنحى تجعله يرفض السجّالات القائمة حول تأسيس الدين على فكرة التوحيد والرسل والأنبياء التي لم نجد لها ونحن نقرأ الكتاب من إشارات إلا لماما.

– الوجه الثاني: تقلب الرجل وعدم ثباته على فكرة مركزية فيما يخص علاقة الدين بالصراع الطبقي، فنجده أحيانا يؤسس الصراع الطبقي على صيرورة الدين وتطوره، وأحيانا أخرى يعطي الأولوية للتحولات الأنتروبولوجية على حساب فكرة نشوء الدين، وهي لخبطة ناتجة عن صعوبة الموضوع كونه عصي عن الدراسة العلمية.

ولعّل النص الذي سنورده آنا، وهو الذي قدمه المؤلّف في سياق تدليله على خدمة الدين  لستاستيكية الطبقات وصراعها، خير مثال على ذينك الصعوبة المشار إليها سابقا، “ثمة مثال معبّر عما ما نقصده. هما مارتن لوثر (1473-1546) وتوماس مونتسر (1490-1525)، وهما رجلا دين، جمعهما الإصلاح الديني والنضال ضد الكنيسة والبابا في روما، لكنهما في نضالهما الديني فرقهما العامل الإجتماعي، فكان مارتن لوثر ممثلا للإصلاح الديني البورجوازي (الأميري )، بينما ظهر توماس مونتسر كداعية للإصلاح الديني الشعبي، ومن الطريف أن مارتن لوثر يدعو الفلاحين إلى الطاعة والخضوع لأسيادهم مستندا إلى رسالة بولس الرسول إلى أهل روميا، بينما اعتمادا على نفس الرسالة ونفس الإصحاح يؤكد مونتسر على حق الشعب في المقاومة وعلى سلطة الشعب، ولكن بينما يضع لوثر الثقل على الآيتين الأولى والثانية: [ 1 لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله2. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ]، يرى مونتسر التشديد على الآيتين اللاحقتين: [ 3 فإن الحكام ليسوا خوفا للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ إفعل الصلاح فيكون لك المدح منه.4 لأنه لا يحمل السيف عبثا إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر ].5

يبدو أن لكل توجه من التوجهين إيديولوجية تسهر وتدافع على الطبقة المراد الدفاع عنها، ففي حين يخدم مارتن لوثر بتفسيره ذاك للآية  (1)و (2) مصلحة الطبقة السيادية في مجتمع القرن 16م، وإقناع الفقراء والضعفاء المسحوقين بالتحلي  بقيم القناعة والصبر على قضاء الله وقدره، لأن الله أمرهم بطاعة أولياء الأمر والرّضى بما كتبه الله عليهم   يتجه مونتسر إلى التركيز  على الآيتين (3) و(4) اللتين  منحتا للشعب والرعية إمكانية البحث عن سبل النضال من أجل تغيير حالهم وقتما وجدوا أن في طاعة أولياء الأمر والأمراء شر لا يرضاه الله، لأن  الله اسند الحكم للأمراء بغاية الحفاظ على صلاح الحكم  وليس لإذكاء نار الشر والطغيان.  مكنتنا القراءة التفصيلية للقطعة الثانية من الكتاب من صياغة التعليقات التالية:

– تعليق رقم 1: إن متابعة المؤلّف في سيرورة تفكيره وخاصة بالمقطع الثاني من الكتاب، كفيلة بفهم رفض الطبقات الحاكمة لدراسات من شأنها تنوير الرعية (الشعوب)، وتحديدا الدراسات التي تتخذ من الدين والجنس والصراع الطبقي موضوعا لها، لأن دراسات من هذا النمط تساهم بالضرورة في توعية الفرد داخل المجتمع بأن للدين والجنس والصراع الطبقي وظيفة أيديولوجية تلعب دورا حاسما في تخدير المجتمع وتوجيه  تفكيره إلى الاهتمام  بالآخرة، وصرف النظر عن الدنيا والأمور الدنيوية (العمل/المال /الحكم …).

– تعليق رقم 2: ونحن نقرأ المقطع الثاني من الكاتب لاحظنا إسهاب المؤلّف وتوقفه عند قضايا وموضوعات لا تحتاج إلى كثير من الإيضاح، مما يضيع على القارئ العادي أمر فهم الوظائف الإيديولوجية التي تعمل الطابوهات الثلاثة على غرسها في تفكير الفرد داخل المجتمع/الدولة/القبيلة…

– الرغبة الجنسية بين الإشباع والكبت

يؤكد المؤلّف في هذا المقطع على ضرورة ربط تطور المجتمع  بتطور نظام الحاجات لديه، فمع ظهور مجتمع الطبقات لم تعد الحاجة مرتبطة بالإنسان بما هو فرد، بل صارت لها صلة بحاجة الطبقة الإجتماعية منها والإقتصادية والجنسية، وقد لازم ظهور المجتمع الطبقي ذاك تحول يمسّ القوانين الخاصة بالمؤسسات الجديدة، والضوابط الأخلاقية التي أصبح لها دور جديد ألا وهو العمل على تلبية الحاجات البيولوجية والمابعد بيولوجية للطبقة المسيطرة، كما لم تعد الرغبة الجنسية قابلة للإشباع بطريقة مباشرة كما هو الحال في المجتمعات البدائية، إذ [في بداية المجتمع البشري (في الطور الأدنى من العصر الوحشي) كان إرضاء الحاجة الجنسية، أو الجماع ، حرا. كانت هناك حرية جنسية مطلقة، وكان التزاوج في المجموعات البشرية جماعيا،بمعنى أن جميع نساء المجموعة متزوجين مع جميع رجال المجموعة، ذاتيا، وبالعكس كان جميع رجال المجموعة متزوجين تلقائيا مع جميع نساء المجموعة إيّاها. وكان الإنسان يقوم بالجماع كما يقوم بأي نشاط آخر دون معيقات أو تعقيدات.]6، بل أصبحت خاضعة لسلسلة من القيم والضوابط التي ينبغي احترامها ومنها الانصياع للوازع الديني الذي أصبح في قبضة الطبقة الحاكمة التي توجهه وتتحكم فيه عن طريق الكهنة ورجال الدين  الذين هم إلى جانب الطبقة المذكورة.

[ بعدئذ ومع تطور المجتمع البشري حدث للحرية الجنسية أول تقييد، وهو في الحالة العامة تحريم العلاقات الجنسية بين الآباء والأولاد (ذكورا و إناثا)، إلا أن التزاوج بقي مع ذلك محتفظا بصفته الجماعية، إنما على صعيد كل جيل فالآباء والأمهات والأعمام والأخوال والعمات والخالات يؤلفون عصبة تزاوج، كذلك يؤلف الأخ والأخت وابن العم وابن الخال عصبة تزاوج أخرى، ولا علاقة جنسية بين العصبتين].7

وبالتالي فمن نتائج تقييد الحرية الجنسية أن ظهرت في العصور التالية من حياة البشرية -لا وجود لوصف دقيق لهذه المرحلة بالضبط لذلك اقتصر المؤلف على الوصف الشمولي لهذه المراحل- بدايات تشكل الأسرة الأحادية، أي التزام الرجل بامرأة واحدة والتزام المرأة برجل واحد، وهو ما يفسر من خلاله أغلب الأنتروبولوجيين نشوء الحضارة مع بداية اكتشاف المعادن، وقد يفسرهذا التقييد برغبة الرجل في الإستفراد بامرأة واحدة لوحده وعدم مشاركتها مع رجال آخرين.

وهو ما يبرر في تقديرنا كذلك استقرار الإنسان في منطقة بعينها، والقطع مع حياة الترحال بحثا عن المأكل والمشرب، لأن الالتزام المذكور يستتبعه بالضرورة ظهور الأسرة – سواء كانت باتريركية أو ماتريركية- وبداية الوعي بضرورة التفكير في الزراعة عوضا عن حياة الصيد والترحال، واهتمام المرأة بهوامش البيت (المسكن)، وانصراف الرجل إلى البحث عن باقي الضرورات الأخرى، والتي هي في عموميتها حيوانات إما مفترسة للإستفادة من جلدها وأنيابها وعضامها، وإما حيوانات وديعة بغاية تدجينها والإستفادة من لحومها .

تعليقات إضافية:

  • حاول بوعلي ياسين هاهنا رصد مظاهر التحول التي رافقت تطور الحاجة الجنسية من الحرية إلى الكبت، لكن من خلال الإعتماد على قرارات أنتروبولوجية محض، تكاد تكون صعبة الإمساك اللهم إلا من خلال استحضار نصوص أنتروبولوجيين كان لهم نفس الهم (من قبيل ول ديو رانت )، أو نصوص مختصين في علم النفس شأن سيغموند فرويد.
  • كان حري بالمؤلّف تناول إشكال الحاجة الجنسية ما بين الحرية والكبت من وجهة نظر فلسفية أو على الأقل إضفاء طابع فلسفي عليه، فما عساها تكون الحرية إن لم تكن تشمل حرية إشباع الرغبة الجنسية، لذلك يكفي تعويض الكبت بالحرية المقيدة، فتصير حرية الفرد داخل المجتمع أو الدولة أو العشيرة التي تحكمها ضوابط أخلاقية وقانونية، واستبدال حرية إشباع الحاجة الجنسية لتصير حرية طبيعية، ويتحول بذلك الإشكال من إشكال تاريخي-انتروبولوجي إلى إشكال كوني يخص كل إنسان في كل زمان ومكان.

وجهة نظر المؤلف حول نشوء الدين والجنس

يستند المؤلف في فهمه لهذا السؤال على الرواية8 المرواة عن بداية الخلق في العهد القديم من التوراة، ويحاول استخلاص بعض النتائج التي يمكن أن تسعفه في فهم العلاقة القائمة بين الدين والجنس، وعلى رواية لا تختلف كثيرا عن الروايات الأخرى، وخاصة القصة التي وصلت إلى ذهنية المسلم المستمدة هي الأخرى من الإسرائيليات، ومضمون الرواية هو كالتالي: في بداية الأمر خلق الله آدم وحواء (تجدر الإشارة إلى أن الروايات تتضارب في يتعلق بكيفية خلق حواء ومن ما …)، وأمر آدم بأكل كل الثمار الموجودة في جنة عدن، باستثناء ثمرة واحدة،لكن الحية9 بحيلتها استطاعت إغواء حواء بأن الشجرة المحرمة يستطيع آكلها أن يتعرف على مصدر الخير والشر، ومع أن حواء كانت رغبتها في المعرفة كبيرة تمكنت من هي  الأخرى من إغواء آدم حتى أكل من شجرة المعرفة (أو الخلد)، وأصاب بذلك غضب الله وفضحهما وعرى عن سوآتهما ليتعرف لأول مرة عن أعضائهما التناسلية.

النتيجة التي وصل إليها المؤلف من خلال الرواية المذكورة هي كالتالي: “معرفة الخير والشر هي معرفة الجنس، فالجنس إذن هو مصدر الخير والشر،الرجل (آدم) هو الأصل، المرأة (حواء) هي الفرع الملحق. المرأة عاصية، قابلة للإغواء بالخطيئة (الشجرة)والمحرض (الحية موجودان دائما، بسبب وجود البشرية هو خطيئة من المرأة تتحملها كل الأجيال القادمة، ذلك لأنها دنست المحرم الوحيد في الجنة، وهو المعرفة، معرفة الخير و الشر أو الجنس أو الأعضاء التناسلية …”.10

قادنا التحليل أعلاه إلى فهم أن البحث في فهم الدين للجنس أدخل المؤلف في متاهة تفاصيل بداية الخلق  وإلى فكرة الخطيئة الأصلية التي تم إلصاقها في الروايات المستفيضة في هذا الخصوص بالمرأة اعتبارا أنها مصدر للإغواء ومعرضة دوما إلى الوقوع في الزلل، والحال انه يمكن كذلك اعتبار فكرة الجنس وميل الرجل والمرأة معا إلى الجنس وإشباع الرغبة هو مطلب مرافق للجسد البشري وليس بالضرورة إرجاعه إلى ما هو ديني صرف.

وأن إضفاء طابع تيولوجي على الدافع الجنسي لا يرتبط بديانة معينة أو أنه يمكن أن يؤصل له من خلال الديانة المسيحية أو اليهودية أو البوذية، بل الرواية الخاصة ببداية الخلق وعلاقته بالدافع الجنسي قد نجد لها صدى كذلك في الديانة الإسلامية كما سيأتي الحديث عنها في الفقرة الخاصة بالقرآن الكريم والتي خصص لها المؤلّف ستة صفحات تقريبا.

القرآن والجنس أية علاقة؟

قبل توضيح رؤية المؤلف لهذه التيمة وجب الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن القرآن الكريم وبالجملة الإسلام قد قارب هذا الموضوع بنوع من الإسهاب، من قرآن وسنة وصولا إلى اجتهاد العلماء وشروحاتهم وتفسيراتهم لما استعصى على عامة الناس فهمه، وهي ملاحظة بادية للعيان والعوام، وللمشكك في الأمر إمكانية التحقق من وجهة النظر هته بالعودة إلى الصحيحين أو القرآن نفسه أو كتب الشرّاح في باب السنة والشريعة الإسلامية واستجلاء وجهة نظر الإسلام من الزواج والتزاوج وبالواضح من الجنس في الإسلام.

وقد تطرق المؤلف لهذا الموضوع بنوع من الدّقة التي يدل عليها حرصه على استدعاء آيات قرآنية وأحاديث نبوية وشروحات العلماء في هذا الباب، سنقف عند دلالة كل آية أو حديث فيما يخص الزواج أو الجنس.

 أ_ الآيات القرآنية:

– الآية (أ): ” يأيّها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما

رجالا كثيرا ونساء”، سورة النساء، الآية 1 .

  • الآية (ب): ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسهم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة” الآية 21 من سورة الروم.

من دلالات إيراد هاتين الآيتين كما تمت الإشارة إلى ذلك في متن الكتاب تبيان الغاية من خلق المرأة وكذا الوظيفة المنوطة بها، ألا وهي إشباع الرغبة الجنسية للرجل من الناحية الجنسانية، أما من حيث وجهة النظر السوسيو-أنتروبولوجية فإن الآية توضح بشكل صريح سيادة التصور الباتريركي للمجتمع على حساب التصور الماتريركي، وغلبة ما هو ثقافي على ما هو طبيعي-بيولوجي، من خلال تبيان أن الدافع الأصل في التزاوج هو عمارة الأرض، كما هو مبيّن في غير ما موضع من مواضع الشريعة الإسلامية والذي توضحه نهاية الآية 1 من سورة النساء ، ” وبث منهما رجالا كثيرا ونساء”.

  • الآية (ج): ” واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وإمرآتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى”، الآية 67 من سورة البقرة.
  • الآية (د): “فانكحوا من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت آيمانكم”، الآية 3 من سورة النساء.

إن القارئ العادي للآية (ج) ليفهم دون حاجة إلى منهج تحليلي قويم أن الآية تحوي خطابا تفضيليا، يسعى إلى تفضيل شهادة المرأة، وأن شهادة رجل واحد تعادل في صدقيتها شهادة امرأتين، وأن الآية (د) تشرع للرجل نكاح عدد لا بأس به من النساء يصل أقصاه إلى أربعة في باب الزواج، وإضافة آخرين على سبيل التملك، أي تملك الآيامة واستغلالهم في إشباع رغبته الجنسية، وهو بالإضافة إلى الآية (ج) خطاب تفضيلي يفضل الرجل على المرأة.

– الأحاديث النبوية:

– الحديث(أ): يروى عن الرسول صلّ الله عليه وسلم أنه قال: “تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر  بكم الأمم يوم القيامة”.11

– الحديث(ب): يروى عن الرسول صلّ الله عليه وسلم كذلك أنه قال: ” لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة، ليكن بينكم رسول. قيل: وما الرسول؟ قال: القبلة والكلام “.12

يتضح من الحديثين السابقين إلحاح الرسول (ص) على ترغيب التزاوج (الجنس) إلى نفوس المسلمين لما له من أدوار كبيرة في تنزيل شرع اللّه من وراء خلق آدم، وهو الإكثار في التناسل لعمارة الأرض واستخلاف اللّه فيها، ولم تقف الدعوى عند هذا الحد بل تجاوزته إلى الدعوة إلى الإيناس والتلطيف قبل الإبساس، وهو ما بيّنه قوله (ص) ” ليكن بينكم رسول” أي التقبيل وتبادل كلام المداعبة قبل الشروع الجماع.

أهمية الجنس والأسرة في تحريك دينامكية الصراع الطبقي:

تعد هذه الفقرة من الكتاب بمثابة استجماع لخلاصات واستنتاجات توصل إليها المؤلّف بعد وقوفه المسهب فيما سبق من فقرات اقتفاء منه لمسارات وكيفيات تشكل المجتمع الطبقي، ودور كل من الجنس والأسرة في خلق تلك الدينامكية المجتمعية التي أدت إلى نشوء صراع طبقي أساسه النزعة نحو التملك بما فيها ملكية النساء والجواري (كموضوع للجنس)، وفي هذا المستوى يشير الرجل إلى عدم الفصل التام أو القطعية مع مختلف المجتمعات البشرية التي تشكلت عبر التاريخ البشري وعلى الرغم من قضاء المجتمع الحديث النسبي على أشكال العبودية فإنه حافظ لنفسه، باعتباره مجتمعا ذكوريا، على قسط من السيادة على المرأة على أساس أنها موضوع للجنس وإشباع لذة الرجل الجنسية، وقد لخص ما توصل إليه في ستة نقط، نشير إليها على سبيل الحصر في الاستنتاجات التالية:

  • تعمل الأسرة الباتريركية على إنتاج طفل /مواطن خاضع ومطيع لضوابط المجتمع (من خلال طاعة أبيه)، وخائف من القوانين الوضعية (منضبط لتوجهات السلطة )، ومذعن للتوجه الإيديولوجي /الديني السائد بالمجتمع.
  • تتوسل الأسرة الباتريركية بآلية الكبت لتربية طفل يهاب المجتمع وأخلاقياته التي تحرمه من تلبية رغباته الجنسية بشكل سوي مما ينتج عنها حرمان الشباب من الإشباع، والذي يولد لديه نفور من الجنس الآخر ويهابه بدل احترامه.
  • إن الصرامة الكلية في تربية الأطفال تولد لدى رجال الغد غيرة امتلاكية ينكر صاحبها على شريكه أي علاقة أخرى رغم انقطاع العلاقة بينه وبين الشريك.
  • تجد الطبقات المتسلطة حاجتها في تشديد وسائل القمع الجنسي لأنها تريد توجيه الطاقة الفائضة عن الكبت الجنسي إلى خلق طاقة استهلاكية وإنتاجية، وتجعل الفرد المقموع أكثر حاجة إلى طلب منتجات ترضي دافع الكبت لديه ولأّدل على ذلك تهافت الرجال على امرأة الإعلان التجاري المجردة من الملابس.
  • تعمل الطبقات الحاكمة على تحويل الطاقة الجنسية إلى طاقة عدوانية باستغلال فائض الكبت لدى الفرد/الشاب/المواطن في زيادة الإنتاج ( تدجين العمال).
  • إن المرأة بحكم هذه التجربة التاريخية تتمثل كل هذه المعارك التي قامت بها المجتمعات الباتريركية من أجل تدجين أفرادها وبحكم أنها تشارك الرجل في تدبير أمور البيت والحياة، ونتيجة ميلها إلى الحلول الوسطى فهي ترغم الرجل على أن يكون مذعنا ومنبطحا إن هو أراد الاستمرارية لعائلته وأسرته.

خلص المؤلّف في نهاية الفصل الأول من الكتاب إلى اعتبار صراع الإنسان مع الطبيعة منذ الوهلة الأولى، لحظة الوعي بوجده فوق الأرض، وتحكمه في الطبيعة ونزع الألوهية عليها، لم يمنعه من الشعور بالعزلة والغربة في هذا العالم، وهي تجربة ( أي تجربة الغربة) لازال يشعر بها في علاقته بالموت، إذ لازال الموت يفزعه ويرهبه لأنه لا وسيلة لديه للتخلص من الخوف الناجم عن التفكير في الموت، وفي حضرة هذا الصراع نلفي سكونا تاما فيما يخص مكانة المرأة والتعامل معها، فهي ما تظل إلى حدود اليوم مجرد إنسان بين آلاف الأقواس له وظيفة تبادلية واستعمالية، لأن الرجل ( ومنه  المجتمع الرأسمالي عموما) لم يغيّر أبدا نظرته إلى المرأة ظنا منه أنها مجرد موضوع يحضر ويغيب حسب رغبة الرجل في الجنس وبحثه عن الإشباع، ولن نجد أفضل مما صرّح به المؤلّف في نهاية الفصل الأول حول مكانة المرأة في المجتمع، [وهكذا فهي لم تكوّن نفسها بعد كذات مستقلة تمام الاستقلال عن الطبيعة والرجل، بل بقيت قريبة مما أراد لها أن تكون: مخلوقا ذا قيمة استعمالية وكذلك ذا قيمة تبادلية بشكل أو بآخر، لك، وكما هي الأمور دائما، يقطف الرجل ثمار اضطهاده للمرأة اضطهادا معاكسا يثقل عليه أكثر فأكثر.

تحكم المجتمع بوسائل الإنتاج، تطور الصناعة والمساواة  المرأة شكليا (حقوقيا) مع الرجل ستكون شروطا لازمة لتحررها، ولكنها شروط غير كافية، لابد من نضال المرأة أيضا في سبيل الاستقلال الاقتصادي، والتخلص من الأعمال ‘ النسائية’ المكبّلة عن طريق جعلها أعمالا اجتماعية، والمشاركة في تقرير مصير المجتمع والبشرية. لابد من نضالها في سبيل التحرر من عبودية الولادة بأن تكون حرة في الإنجاب أو الاستغناء عنه، وفي سبيل الحرية، بأن تكون مالكة نفسها، وذلك في تنظيم جديد اشتراكي لا تسلطي، للعلاقات الاجتماعية-الاقتصادية وشكل العيش المشترك بين المرأة والرجل].13

———– 

* بوعلي ياسين: “الثالوث المحرم”، دراسة في الدين والجنس والصراع الطبقي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، الطبعة الرابعة، تشرين الأول 1980.

°  ينصح بالعودة إلى الفقرة الثانية من الصفحة التاسعة عشر من نفس الكتاب.

  • اقتطفت العبارة من كتاب الثالوث المحرم، الصفحة 13.
  • اقتطفت العبارة من نفس الكتاب، الصفحة 14.
  • نص المحادثة منقول عن الكتاب قيد القراءة، وللعودة إلى النص بشكل مفصل ينصح بمراجعة الصفحة 20.
  • للإشارة فإن هذا التقسيم لا يشمل اليهودية،لأنها في نظر المؤلف ديانة إثنية.
  • نقلا عن رسالة بولس الرسول إلى شعب روميا، الإصحاح الثالث عشر.
  • اقتطفت العبارة من الصفحتين 34 و 35 من نفس الكتاب.
  • نفس الكتاب، ص 35.
  • اعتمدنا في تعلقينا على هذه المسألة على دراسة ناصر حامد أبو زيد ” دوائر الخوف –قراءة في خطاب المرأة”
  • تتضارب الروايات فيما يتعلق بنوع الحيوان الذي أغوى حواء، وللتعمق أكثر ينصح بالعودة إلى نفس الدراسة أعلاه.
  • اقتطفت العبارة من الصفحة 43 من نفس الكتاب.
  • المصدر: قرة العيون بشرح نظم ابن يامون في النكاح الشرعي وآدابه لأبي محمد مولانا التهامي كنون الإدريسي الحسني، دار العلم للجميع، الطبعة الثالثة، 1964، ص 13.
  • نفس المصدر.
  • النص مقتطف من نفس الكتاب قيد القراءة، ص 73.

 

شاهد أيضاً

مدرس الفلسفة فيلسوف؟

نورالدين البودلالي                                                                     ما إن تجب عن سؤال يستفسر عن تخصصك الجامعي أنه الفلسفة، حتى ترى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *