جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / نحو تصور معاصر للعدالة – راينر فورست نموذجا

نحو تصور معاصر للعدالة – راينر فورست نموذجا

رشيد بن سعيد طالع

 البريد الإلكتروني: talirachid.3@gmail.com

مقدمة:

” إن المشكلات الكبرى توجد في الشارع “ هكذا يقولها نيتشه،[1] وهكذا نتساءل عن ما الذي يوجد في الشارع لتتم مقاربته ؟  تتوالى الأحداث والمشاهد الدامية يوما بعد يوم، ولعل المتتبع لها لن يتردد في الحكم على عصرنا هذا بأنه عصر إراقة الدماء التي يكون سببها إما دينيا أو اقتصاديا أو سياسيا، وغايتها الوحيدة (في اعتقاد من يريقون الدم) تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية، فما يحرك الشعوب من أجل الثورات سبب وحيد يتجلى في رغبتها الملحة في رفع الظلم والاستبداد الذي يمارس عليهم من قبل السلطة التي لا تتردد في كل آن وحين في تبرير كل ما تقدم على فعله.[2]

إن مثل هذه الأوضاع التي يعيشها إنسان اليوم تجعلنا في أمس الحاجة إلى مبحث الفلسفة العملية التي تسعى للعثور على حلول عملية للقضايا التي تعني المواطن في حياته اليومية بدلا من الاهتمام بالقضايا ذات الطابع الميتافيزيقي.[3] فلا غرابة، إذن في أن تكون مسألة العدالة والعدالة في بعدها الكوني هي الموضوع الرئيس في الخطاب الفلسفي العملي، حيث أن هدف الفلسفة العملية هو تحقيق العدل في المجتمع وبناء مجتمع محكم التنظيم بلغة جون راولزJhon Rawls .[4]

ولمقاربة مسألة العدالة اخترنا أحد أعلام النظرية النقدية الجديدة، خاصة مع ممثل جيلها الرابع ألا وهو راينر فورست Rainer Forst، الذي يدور مشروعه كله حول فكرة نقد علاقات التبرير، وهو مشروع – وإن كان ذا توجه جديد – لا ينبغي بأية حال أن نفهم منه أن راينر فورست يحاول خلق قطيعة مع الجيل السابق، إذ أن ما يشكل الخيط الناظم لكل رواد النظرية النقدية بدءا من جيلها الأول ( ماكس هوركهايمر Max Horkheimer و تيودور أدورنو Theodor Adorno و هربرت ماركوز  Herbert Marcuse) إلى الجيل الرابع ( راينر فورست Rainer forst و سيلا بن حبيب Seyla Benhabib ) هو مفهوم النقد، الذي يظل حاضرا لدى كل هؤلاء الفلاسفة، بل الأكثر من ذلك سنجد راينر فورست وفي إطار المنعطف السياسي يستند في أبحاثه إلى فلسفة التواصل لهابرماس Habermas من جهة، وفلسفة الاعتراف لأكسيل هونيت Axel Honneth من جهة ثانية[5].

يعد الحق في التسويغ   Justificationمن المفاهيم المركزية عند فيلسوف الجيل الرابع من مدرسة فرانكفورت، حيث حاول من خلاله راينر فورست بناء تصوراته الفلسفية ذات البعد العملي حول مواضيع ونظريات متعددة من قبيل ” العدالة والتسامح والكرامة “[6]، فعلى أساسه تمكن راينر فورست من كشف واكتشاف عيوب مختلف التصورات حول تلك النظريات الآنفة الذكر، مما جعله يقدم بديلا تصوريا مغايرا لذلك، قوامه الارتكاز على منطق الحق في التسويغ، إلا أن ما يهمنا في هذه الورقة هي نظرية واحدة بعينها ألا وهي العدالة. فكيف إذن قارب هذا الرجل تيمة العدالة ؟ وفي ماذا اختلف مع السابقين عليه من الذين اشتغلوا حول نفس الموضوع ؟ فإذا انتقد تصوراتهم، فما الذي قدمه كبديل لها ؟

أولا: الصورة الأولى للعدالة (العدالة التوزيعية)

تعد العدالة من بين القضايا التي استرعت اهتمام الفلاسفة والمفكرين على مر العصور بدءا من الفترة اليونانية مع أرسطوقليس[7] ( الملقب بأفلاطون؛ عريض البنية ) وأرسطو، وصولا إلى الفترة المعاصرة مع جون راولز و مايكل والتزر. وما ينبغي الانتباه إليه في مسألة العدالة هو أن معظم هؤلاء الفلاسفة قد قعدو للعدالة اعتمادا على مقاربة أحادية الجانب ( مقاربة مادية فقط )، الأمر الذي أدي بهم إلى إنتاج تعميمات مجانبة للصواب[8].

يقدم راينر فورست كمثال لهذه المقاربة الأحادية الجانب الصورة الأولى التي تم التقعيد لها منذ أرسطوقليس ( الملقب بأفلاطون )، والتي ارتبطت بفكرة العدالة التوزيعية أو الاجتماعية التي يحصل بموجبها الفرد على عدة خيرات مادية. فإذا كان لهذه الصورة الأولى ميزات تتجلى في اهتمامها بالخيرات التي يمكن للفرد أن يطالب بها، فإن ذلك لا ينبغي أن ينسينا أوجه النقص والغموض التي تشهدها، محددا إياها راينر فورست في أربعة نقاط أساسية:

أولا:[9] تهمل الصورة الأولى المتعلقة بالكيفية التي يجب أن توزع بها الخيرات، وهو سؤال ينتج عنه إشكال آخر يتعلق بالمساواة، إذ كيف يمكن تحقيق المساواة بين الأفراد أثناء القيام بعملية توزيع الخيرات المادية وهم يختلفون من حيث الاحتياجات المادية لكل واحد منهم ؟ ولتوضيح ذلك يسوق لنا راينر فورست مثال الأم التي تريد أن تقسم كعكة ما، وتسأل نفسها كيف يجب أن أفعل ذلك ؟ فهل تقسم الكعكة بناء على الحاجة أو الاستحقاق أم تقسمها بشكل متساو دون إعارتها الاهتمام لهذه المعايير ؟ إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بحسب راينر فورست هو: كيف أنتجت هذه الكعكة ؟ ومن يجب أن يلعب دور الأم ؟[10]

إن الذين يدافعون عن المفهوم المساواتي للعدالة حسب هاري فرانكفورتHarry Frankfurt  لا يمكن أن يهتموا بقيمة العدالة إطلاقا، لذلك يقول:” إذا سألتهم عن ما هو سيئ بخصوص اللامساواة فسيردون بالإشارة إلى النتائج السلبية للحياة في مجتمع لا مساواتي، خاصة وأن بعض الناس يفتقرون إلى خيرات تعد جد هامة وضرورية لحياة كريمة”.[11]

ثانيا: يتعلق المر بالسؤال السياسي: عمن يحدد بنيات الإنتاج والتوزيع ؟ حيث يشبه راينر فورست عمل الصورة الأولى للعدالة بآلة كبيرة، توزع بشكل محايد وتبرمج بشكل صحيح مستعملة المقاييس الصحيحة للعدالة. وإن كان الأمر كذلك، فلا ينبغي بأية حال حسب راينر فورست الاعتماد على مثل هذه الآلة، لأن ذلك سيحول دون فهم العدالة كإنجاز أو تحقق سياسي للخيرات والثروات.[12]

ثالثا: ثمة حقيقة تفيد أن الادعاءات المبررة بخصوص الخيرات لا توجد هكذا ببساطة، بل يمكن بلوغها فقط عبر الحوار في سياق إجراءات مناسبة للتبرير، والتي عبرها يمكن للجميع أن يشاركوا في نظامهم الاجتماعي (وهذا ما لا تقوم به العدالة التوزيعية).[13]

رابعا: تهمل كذلك الصورة الأولى للعدالة معالجة مسألة الظلم التي يمكن أن تنتج عن كيفية توزيع الخيرات المادية على الأفراد، ورغم ذلك فإن هذه الصورة الأولى تعمل جاهدة على القضاء على أوجه القصور في توزيع الخيرات الاقتصادية، وبالتالي تحقيق العدالة. وإن كان الأمر كذلك، فهل يشمل تحقيق العدالة كل حالات المجتمع أم انه يقتصر فقط على بعض منها ؟ يعطينا راينر فورست إجابة على هذا السؤال من خلال إيراده لمثال شخصين يعانيان من الحرمان فيقول: ” إن الشخص الذي يعاني من الحرمان نتيجة كارثة طبيعية يعادل شخصا يعاني الحرمان بسبب الاستغلال الاقتصادي أو السياسي. فمساعدة هذين الشخصين مطلوبة وضرورية، لكنها في الحالة الأولى تكون بمثابة فعل تضامني وأخلاقي، أما في الثانية فهي الخاصة بفعل العدالة، الأمر الذي ينتج عنه حصر فعل العدالة في العلاقات التي تشهد الظلم والاستغلال”.[14]

يرى راينر فورست على أنه عندما تقوم العدالة التوزيعية بمهامها المتمثل في توزيع الخيرات المادية، فإنها قد تتجاهل الاختلافات التي يمكن أن تحصل بين الأفراد، فيتم النظر إلى هذا التوزيع كمساعدة سخية وكريمة تجاه المحتاجين. وقد انتقد امانويل كانط هذا الأمر حينما قال: “إن امتلاك الموارد للقيام بالإحسان يعد في جزء كبير منه، نتيجة لكون أن بعض الناس مفضلين من خلال لاعدالة الحكومة التي تصنع اللامساواة في الثروة، مما يجعل الآخرين يحتاجون إحسان هؤلاء المختارين/المفضلين. في ظل هذه الشروط، هل يستحق الأمر أن نسمي مساعدة الغني للفقير إحسانا ؟”.[15] إن في قول امانويل كانط نلمس بشكل جلي أن الحكومة هي المسؤولة الوحيدة عن الاختلافات والفروقات الحاصلة بين الأفراد، والتي بموجبها تجعل الغني في مساعدته للفقير يتبجح بما أقدم على فعله. إن أمرا كهذا قد يؤدي أحيانا إلى فقدان لكرامة الإنسان، الشيء الذي يدفع براينر فورست لأن يجعل السؤال الأساسي في العدالة يتعلق بكيف تعامل الشخص الذي يتلقى الخيرات المادية وليس بما الذي ينبغي أن يحصل عليه بالدرجة الأولى ؟

إن الصورة الأولى للعدالة التوزيعية بقيامها على سؤال كم تملك ؟ فهي تنبني على التعسف والاستبداد في معناه الاجتماعي والسياسي،[16] لا في معناه الميتافيزيقي الذي يستهدف محو الاختلافات الموجودة بين الأفراد والتي منحت الأفضلية للبعض على الآخر بسبب الحظ العاثر، دون الانتباه إلى ما تؤدي إليه هذه الاختلافات من تبعية وهيمنة اجتماعية. يذهب راينر فورست أبعد من ذلك في إطار توسيعه لفكرة الاستبداد، فيعتبر أن نظام الحكم الاستبدادي المهيمن نظام بدون أسباب وبنيات وجيهة للتبرير، الأمر الذي يجعل حضور الذات فيها بالنسبة لراينر فورست حضورا سلبيا،[17] تتحول بموجبه إلى موضوع للعدالة، تتلقى ولا تتفاعل.

ولما كانت القضية الأساسية في العدالة لدى راينر فورست تتجلى فيما إذا كان الفرد يملك ما يكفي، نجد أن مارتا نوزباومMartha Nussbaum  في دراستها ” حدود العدالة” تنادي بمستوى أدنى من العدالة وفقا للائحة من القدرات والملكات الأساسية التي يجب ضمانها .[18] ولتحديد كيف يتم توزيع الثروات على الأفراد ؟ نجد أن هناك من يبني تصوره في هذا الصدد على النتائج وبعدها يبحث في الإجراء الذي يمكن أن يؤدي إلى العدالة بطريقة أفضل، تقول مارتا نوزباوم في هذا الصدد:” إن المدافعين من وجهة النظر التي تركز على النتائج يشعرون على الأرجح بأن وجهات النظر الاجرائية تضع العربة قبل الحصان: لأنه من المؤكد أن ما يهم بخصوص العدالة هو نوعية الحياة بالنسبة إلى الناس، ونحن نذهب في النهاية إلى رفض أي إجراء مهما كان جيدا إذا لم يعطينا نتيجة تتلاءم تماما مع حدسنا بخصوص الكرامة والعدل”.[19]

كما أن هناك مقاربة هي الأخرى تهتم بالنتائج وهي مقاربة القدرات التي يمثلها أمارتيا سينAmartya Sen  والتي تذهب مباشرة إلى مضمون النتيجة، فتفحص وتسأل عما إذا كان موافقا لحياة  تنسجم مع الكرامة. بينما نجد مقاربة أخرى لتوماس بوج Thomas Pogge[20] مختلفة تماما عن نظرية جون راولز، بحيث يركز توماس بوج على المقارنات بين النتائج التوزيعية فيما يخص الخيرات الأساسية التي تتوافق مع مصالح معينة للأشخاص وبين مستوى أعلى في هذه الخيرات. لكن وبالرغم من كل هذا فلا ينبغي أن نفهم من تركيز العدالة التوزيعية على توزيع الخيرات المادية على الأفراد أنها لم تنبني على مفهوم التسويغ، فجون راولز مثلا نجده في كتابه ” العدالة كإنصاف “ يتناول فكرة التسويغ،[21] والتي ينطلق من خلالها من مقولة امانويل كانط الشهيرة، الاستعمال العم للعقل الذي يعطي به كانط الحق لجميع الأفراد المشاركة في الفضاء العمومي، فيعتبر جون راولز أن الصفة الجوهرية لمجتمع محكم التنظيم تتمثل في أن تصوره العام للعدالة السياسية يثبت أساسا مشتركا، باعتماده يمكن للمواطنين أن يسوغوا واحدهم للآخر أحكامهم السياسية، أي أن كل واحد يتعاون سياسيا واجتماعيا مع الباقين وفق شروط لا يمكن أن يصادق عليها الجميع، وهذا هو معنى التسويغ العمومي لديه، والذي يعطي للفرد الحق في استعماله باعتباره أداة تمكننا من المحافظة على تماسك المجتمع وتحقيق التعاون بين الأفراد.

إلا أن هذا المعنى الذي أعطاه  راولز لمفهوم التسويغ لن يقبل به راينر فورست، إذ سيعترض على كيفية توزيع الحق في التسويغ في المجتمع، ويبني من خلاله تصوره الثاني للعدالة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترسيمة:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانيا: الصورة الثانية للعدالة (العدالة السياسية أو الحقوقية)

إذا كان السؤال الأساسي في العدالة التوزيعية يتعلق ب: كم يملك الفرد الفرد ؟ فإن الصورة الثانية للعدالة عند راينر فورست ستتوجه بالأساس إلى سؤال كيف يتم التعامل معك أثناء عملية التوزيع ؟[22] الأمر الذي سينتج عنه انفتاح هذا التصور الثاني للعدالة على البنيات والعلاقات البينذاتية لا على الحالات الذاتية أو الموضوعية المتعلقة بتوفير الخيرات أو تحقيق السعادة،[23] ويجعل من العدالة مسألة علائقية تحتاج فيها العلاقات بالأساس إلى التبرير،[24] ونجد المشاركين يترابطون عبر علاقات سياسية للحكم أو علاقات اجتماعية للتعاون في إنتاج الخيرات وتوزيعها أو عبر علاقات التعاون السلبي للإكراه أو الهيمنة.[25]

تقتضي العدالة وفق هذا التصور الثاني للعدالة أن يكون هؤلاء المشاركون في سياق التعاون السلبي أو الايجابي محترمين باعتبارهم أفراد متساوون في الحقوق، ليشاركوا في النظام الاجتماعي.[26] وعليه فإنه وفق هذا المنظور الجديد للعدالة لن يصبح حصول الناس على خيرات مادية معينة هو أساس وجوهر العدالة، وإنما سيتجلى في السؤال عمن يحدد من يحصل على ماذا ؟ ليفتح بذلك المجال أمام مبدإ التسويغ الذي جعله راينر فورست من الحقوق الأساسية والإيجابية التي ينبغي أن يتمتع بها كل الأفراد،[27] وعلى أساسه قعد للعدالة السياسية والاجتماعية. لكن ما دلالة التسويغ التي أتى بها راينر فورست ؟

إن التسويغ يتحدد في توضيح الأفعال والسلوكات التي يقدم عليها الفرد،[28] وذلك بالاعتماد على آليات حجاجية ومنطقية، ليجعل منها سلوكات مقبولة لدى الآخرين، إنه يقوم على مبدإ بسيط مفاده أن أي شخص يتمتع بحس الأخلاق والعلاقات الاجتماعية والسياسية، سيوافق على أن ممارسة الاحتجاج والنقد وقول لا على حقه في رفض السلطات، هذا الرفض الذي يترجم رغبته في المطالبة بمسوغات لأفعال أنجزت أو لقرارات، وهي أسئلة مثل: كيف فعلت هذا لي ؟ ولماذا هذا القانون وليس ذلك ؟ ولماذا هذا الصوغ وليس ذاك ؟ وهي أسئلة تضم معنيين: الأول هو تفسير واقعي يلخص في سؤالين: ماذا يمكن أن يترتب على نتائج هذا الفعل بالنسبة إلي ؟ وماذا يمكن أن ينتج من دعمك لهذا القانون وليس ذاك ؟ والمعنى الثاني أخلاقي يمكن صوغه في سؤالين أيضا: لماذا تعتقد أن ما قمت به واخترته هو اختيار وفعل مسوغ ؟ وإذا أثبت أن ما قمت به من فعل لم يكن مسوغا وأحدث لي أذى، فهل ستعوضني عن الأضرار المترتبة على اختياراتك ؟[29]

وفي إطار هذا التوجه العلائقي للعدالة، يقول راينر فورست:” إن المؤسسات تعمل لتحقيق مبادئ الاحترام المتكافئ، خاصة تحت غطاء مؤسسات التبرير الخطابي التي تقوم على مبدإ الاختلاف ولا تقحم أية امتيازات اجتماعية، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن عمل المؤسسات يمكن خرقه سواء تعلق الأمر بالنتائج أو بالإجراءات“.[30] وقوفا عند هذه النقطة نجد أن أمارتيا سين يقترح داخل مقاربة القدرة فكرة النتائج الشاملة ويستبعد فكرة النتائج الكاملة، باعتبار أن الأولى تأخذ المسائل الإجرائية بعين الاعتبار، فتطرح أسئلة عدة من قبيل: كيف أحدثت نتيجة ما ؟ من شاركوا في قرار ما ؟ من أخذ مصالحهم بعين الاعتبار ؟ ومتى كانت اعتباراتهم حاسمة ؟

وردا على هذه المقاربة، يقول راينر فورست: ” سأذهب أبعد من ذلك لأقترح أن هذه المقاربة مادامت تركز على النتائج والوضعيات، فإنها لن تقدر على صياغة تفسير للعدالة بوسائلها الخاصة، بل يحتاج إلى قبول بأسبقية الجوانب العملية عندما يتعلق الأمر بسؤال العدالة“.

إن أهم ما يميز التصور الثاني للعدالة هو سؤال السلطة الذي تغفله النظريات المهيمنة القائمة فقط على توزيع الخيرات والثروات المادية،[31] فلا هي تهتم بسؤال كيفية تحديد بنيات إنتاج الخيرات وتوزيعها، ولا هي تقف عند سؤال كيفية التعامل مع الأفراد أثناء عملية التوزيع. فسؤال السلطة الذي انبنت عليه العدالة عند راينر فورست يمكن أن نفهمه كقوة تبريرية تمنح للأفراد القوة الخطابية لقلب التبريرات وتحدي التشريعات الكاذبة ورفع الظلم والاستبداد.

وفي إطار تطوير راينر فورست لفكرة العدالة نجده يدعونا لأن نميز مفهوميا بين العدالة الأساسية (الحد الأدنى) التي تتلخص مهمتها في وضع البناء الأساسي للتبرير، وجعلها موضع تنفيذ من خلال إجراء ديمقراطية خطابية توزع فيها القوة التبريرية بالتساوي بين المواطنين قدر الإمكان، وبين العدالة الكاملة التي تتحدد مهمتها في وضع البناء الأساس المبرر.

إذا أردنا ان نجمل الاختلاف الموجود  بين صورتي العدالة، فيمكن القول أنه يوجد في فكرتين مختلفتين عن الإنسان، الأولى تنظر إليه (الإنسان) باعتباره كائنا تنقصه خيرات معينة تعد ضرورية من أجل أن يحيا حياة سعيدة تليق به كإنسان، أما الثانية فتنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا له كرامة، بموجبها لا يكون موضوعا للهيمنة والظلم والاستبداد، الأمر الذي سيجعل من هذه الفكرة الأخيرة أساس التصور الثاني للعدالة السياسية أو الحقوقية كما يسميها محمد الأشهب عند راينر فورست.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترسيمة:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

لا توزع علي مالا ولا تعطني مسكنا بدافع الإحسان أو الصدقة، ولكن اجعلني مشاركا لك أثناء عملية التوزيع، لا تسألني كم أملك ولا حتى كيف حصلت على ما ملكت ؟ بل اسألني من أنا (لمعرفة الاختلافات بين الأفراد) وأجبني من أنت (لتحديد من يحدد بنيات الإنتاج والتوزيع)، لا تجعل من التوزيع همك الأكبر، ولكن فكر قبلها في الكيفية التي بها ستوزع. بهذه الجمل يمكن أن نخلص إلى أن العدالة الحقوقية مع ممثلها راينر فورست والمبنية أساسا على مفهوم التسويغ، تؤسس لعلاقة أفقية قوامها المساواة بين الأفراد،[32] ولحياة كريمة تكون فيها ذات الإنسان فاعلة لا متلقية، وحاضرة لا غائبة، ثم ذاتا لا موضوعا.[33]

 

المراجع:

1- محمد عبد الرحمان مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط، بيروت_ باريس، ط 2، 1981.

2- محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، دفاتر فلسفية: نصوص مختارة، الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 3، 2008.

3- ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014.

المصادر الأجنبية:

4- Rainer Forst, Justification and Critique, translated by Ciaran Cronin, Edition Polity, 2014.

5  – Rainer Forst, le combat pour la dignité : exiger un droit à la justification, traduction par Aurélien Allard, Edition Esprit, 2014..- onin, Edition Polity, 2014, p

 

[1] محمد عبد الرحمان مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط، بيروت_ باريس، ط 2، 1981، ص. 30.

[2]  يرجع محمد الأشهب ما يجري في العالم العربي من تحولات إلى غياب الحق في التسويغ الذي حرم المواطن العربي من المشاركة في العملية السياسية، وتسبب في تهميشه من المشاركة في آليات تدبير الشأن العام، فالمواطن مل تسويغ السلطة، ويريد الآن أن يشارك في السلطة، معتبرا إياه فورست المدخل الحقيقي نحو بناء مجتمع عادل تكون فيه الغلبة لسلطة التسويغ لا لتسويغ السلطة. أنظر: ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص. 155.

[3]  ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص.107.

[4]  مقتبس من إحدى المحاضرات التي قدمها د. محمد الأشهب في  مادة ” النظرية النقدية الجديدة ” بماستر ” الفلسفة العملية: قضايا ومناهج “، كلية الآداب والعلوم الانسانية،  ظهر المهراز ، فاس.

[5]  مقتبس من إحدى المحاضرات التي قدمها د. محمد الأشهب في  مادة ” النظرية النقدية الجديدة ” بماستر ” الفلسفة العملية: قضايا ومناهج “، كلية الآداب والعلوم الانسانية،  ظهر المهراز ، فاس.

 

[6]  مثلا نجد كتاب ” نقد علاقات التبرير “، ” سياقات العدالة ” ، ” الحق في التسويغ” ، ” DasRechtaufRechfertigung “، “Toleranz  in Konflit “، ”   le combat pour la dignité : exiger  un droit à la justification “. مقتبس من إحدى المحاضرات التي قدمها د. محمد الأشهب في  مادة ” النظرية النقدية الجديدة ” بماستر ” الفلسفة العملية: قضايا ومناهج “، كلية الآداب والعلوم الانسانية،  ظهر المهراز ، فاس.

 

[7]  محمد عبد الرحمان مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات ومنشورات بحر المتوسط، بيروت_ باريس، ط 2، 1981، ص. 112.

[8]    Rainer Forst, Justification and Critique, translated by Ciaran Cronin, Edition Polity, 2014, p. 17.

[9]  Ibid, p. 18.

إن إهمال سؤال الكيفية الذي ينتج عنه تغييب الفرد أثناء عملية التوزيع وإقصاء لحقه في التسويغ يترتب عنه انتهاك الكرامة حسب راينر فورست.

انظر:

Rainer Forst, le combat pour la dignité : exiger un droit à la justification, traduction par Aurélien Allard, Edition Esprit, 2014, p. 36.

[10] Ibid, p. 23.

[11] Ibid, p. 23.

[12] Ibid, p.18, 19.

[13] Ibid, p. 19.

[14] Ibid, p. 19.

[15] Ibid, p. 20.

[16] Ibid, p. 21.

[17]  ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص. 153.

[18] Rainer Forst, Justification and Critique, translated by Ciaran Cronin, Edition Polity, 2014, p. 25.

[19] Ibid, p. 25,26.

[20]  فيلسوف ألماني معاصر ولد عام 1953 بهامبورغ، يشتغل حاليا كمدرس جامعي للفلسفة والعلاقات الدولية  بجامعة ” يال ” الأمريكية، ومن أهم كتبه « World and Poverty »  و « Human Rights » والتي تعد من أهم الكتب التي قرابت موضوع العدالة الكونية.

[21]  ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص.147.

[22]  نفس المرجع، ص، 147.

[23] Rainer Forst, le combat pour la dignité : exiger un droit à la justification, traduction par Aurélien Allard, Edition Esprit, 2014, p. 20.

[24] Ibid, p. 24.

؛ العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص. 157.

[25]  يحدد راينر فورست كرامة الفرد انطلاقا من مشاركته في تدبير الشأن العام ومنحه السلطة في التسويغ في الفضاء العمومي لاختيار مؤسساته، في حين يبقى تهميش هذا الفرد وإقصاءه  من المشاركة هو إقصاء للإنسان باعتباره كائنا قادرا على المشاركة في بناء مؤسساته بنفسه، وبالتالي الوقوع في الظلم. وإذا كان راينر فورست قد عرف الإنسان باعتباره كائنا قادرا على تسويغ أفعاله، فإنه يحدد المجتمع ككل بوصفه نظاما للتسويغ. انظر:

Rainer Forst, le combat pour la dignité : exiger un droit à la justification, traduction par Aurélien Allard, Edition Esprit, 2014, p. 35.

؛ ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص. 153.

 

[26]  إن التصور الثاني للعدالة عند راينر فورست يستند فيه إلى أخلاقيات المناقشة وفلسفة الحق لهابرماس (الديمقراطية التشاورية). انظر: ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص. 154،155.

[27]  إن مبدأ التسويغ عند راينر فورست هو مبدأ للعقل الاستدلالي وأيضا مبدأ أخلاقي، تتجلى أخلاقيته في: قيامه على مشاركة الجميع والمعاملة بالمثل. انظر :

Rainer Forst, le combat pour la dignité : exiger un droit à la justification, traduction par Aurélien Allard, Edition Esprit, 2014, p. 35.

[28]  يتحدث راينر فورست في هذا الصدد عن ما يسمى بسردية التسويغ التي من خلالها يعيد تعريف الإنسان باعتباره كائنا قادرا على التسويغ، ولا يتوقف عند حدود تسويغه لأفعاله، وإنما إلى الانصات إلى الاخرين. انظر:

ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص. 150،151،152.

؛

Rainer Forst, le combat pour la dignité : exiger un droit à la justification, traduction par Aurélien Allard, Edition Esprit, 2014, p. 35..

[29]  ما العدالة ؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، تقديم عزمي بشارة،  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، حزيران/يونيو 2014، ص، 151.

[30] Rainer Forst, Justification and Critique, translated by Ciaran Cronin, Edition Polity, 2014, p. 29,30,31,32,33.

[31] Ibid, p. 34,35.

[32]  إن العدالة التوزيعية أو الإجتماعية (عكس العدالة السياسية أو الحقوقية عند راينر فورست) تؤسس لعلاقة أفقية قوامها اللامساواة.

[33]  يحدد راينر فورست الكرامة في اعتبار الأشخاص ككائنات تملك الحق في تسويغ أفعالها، فكل شخص أخلاقي في نظره مجبور على إنتاج التبريرات.

 

شاهد أيضاً

اَلْصَّخْرَةُ المثيرة الملعونة

  بقلم: عمر بن أعمارة *هذا المقال كتب بمناسبة الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها تمثال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *