جديد
الرئيسية / تربية و تعليم / الفلسفة للأطفال / قراءة نقدية للسلسلة القصصية الفلسفية للأطفال للأستاذ: علي المليح

قراءة نقدية للسلسلة القصصية الفلسفية للأطفال للأستاذ: علي المليح

بقلم: المهدي تجديد*

تندرج  سلسلة قصص فلسفية للأطفال في إطار أدب الأطفال الهادفة إلى الرقي بأفكارهم والرامية إلى تربيتهم على طرح أسئلة بناءة لصقل شخصيتهم.

من أجل ذلك عمد الأستاذ علي المليح إلى نقل مفاهيم فلسفية في حبكة قصصية تنطلق من واقع الأطفال كما سنرى  للوصول بهم إلى معرفة بعض الفلاسفة الكبار الذين غيروا مجرى الحياة الإنسانية عبر العصور. وهنا تطرح أسئلة إشكالية من قبيل : كيف تمت عملية الانتقال من الفلسفة إلى الحكي السردي ؟ ماهي مراحل بناء الأقصوصات ؟ كيف تم التعامل مع الشخصيات ومع الإطار الزمكاني لحكاية الإطار ؟ كيف تم تخطي الصعوبات المعجمية والموضوعية ؟ ألا يمكن الحديث في هذا الصدد عن أدب فلسفي موجه للأطفال ؟

من أجل الإجابة على هذه التساؤلات المشروعة في نظري سنرى في بادئ الأمر كيف تم الانتقال بسلاسة من الفلسفة إلى السرد، لنتطرق بعد ذلك إلى العراقيل السردية والفلسفية التي قد تطرح أثناء هذه المعالجة النصية وكيفية تجاوزها لنخلص في النهاية إلى أن هذه السلسلة القصصية لكاتبها الأستاذ الفاضل علي المليح تريد تأسيس اتجاه أدبي مغربي جديد يعمل على الحث على التفلسف كأساس لبناء شخصية الطفل ولتعويده منذ الطفولة على طرح الأسئلة الهادفة ليصبح مواطنا فاعلا في مجتمعه.

لطالما تحدثنا عن الأدب كحامل للأفكار وللقيم من خلال عمليتي الخيال والتخيل أو من خلال رصد تجارب واقعية في إطار أدبي، لكن قلما نجد في أدبنا العربي الأدب الذي يتأسس على بناء فكر ما أو بناء تصور ما عن طريق فعل التفلسف.

والأمر يزداد وضوحا بالنسبة للأطفال فهناك ندرة إذا لم نقل خواء في هذا الإطار، فنحن لا نجد على الأقل في بلادنا المغرب قصصا تروم إلى تثقيف الأطفال فلسفيا، ونحن نرى أن سلسلة قصص فلسفية للأطفال تؤسس لقطيعة مع هذا الفتور الأدبي.

من أجل ذلك عمد الكاتب إلى اختيار ” قصة إطار” تضم سبع قصص :

قصة الفلسفة/ الحكماء ونشأة الكون/ طاليس أبو العلوم/ سقراط أبو الفلاسفة/ كهف أفلاطون/ المعلم الأول أرسطو/ الفيلسوف المجنون ديوجين الكلبي. القصة الإطار هي نابعة من واقع مجتمعنا ذاك عندما نتحدث عن تلميذين طفلين مغربيين يتحدثان مع شيخ حول الحكمة وحول حامليها أي الفلاسفة القدامى.

وهنا تطرح مسألتا المكان والزمان.

فالمكان يكون دائما في جو طبيعي غابة أو حديقة وهنا نسجل ذكاء الكاتب : لماذا اختار هذا المكان بالتحديد ؟ لأنه كما نعلم مكان التأمل بامتياز أنه مكان لتوليد الأفكار ومكان لنهج الطريقة السقراطية حول الذات وحول الوجود للوصول إلى إجابات حاملة بدورها تساؤلات للرقي بالفكر وبالتذوق فمثلا في قصة طاليس أبو العلوم لعب المكان الغابوي دورا مهما في شرح الشيخ لنشأة الكون كما نراه في الصفحة السادسة والسابعة. أما الزمان  فهو مرتبط بمواعيد لقاء الطفلين للشيخ مصدر الفلسفة فهو في الأقصوصة الأولى جاء بمحض الصدفة، فعلى إثر رحلة مدرسية تم اللقاء بين الشخصيات الأساسية والرئيسية صوفيا وفهمان والشيخ لتتوالى اللقاءات إما بمبادرة من صوفيا أو بمبادرة من زميلها  الطفل فهمان.

وهنا تستوقفنا الشخصيات ورمزية أسمائهم.

فالشيخ هو في مجتمعنا وأظن في جميع المجتمعات هو رمز للتجربة الإنسانية، رمز للحكمة ورمز أيضا للوثوق، في هذه السلسلة يلعب الشيخ دورا مهما في إثارة الأسئلة الفلسفية لدى الطفلين صوفيا وفهمان وهو أيضا في نفس الوقت مصدر للمعرفة العلمية والفلسفية فهو يعتبر في نظرنا قاموسا ومعجما.

صوفيا يرمز إسم صوفيا للحكمة la sagesse فهي الشطر الثاني لكلمة philosophie المرتبطة بالشطر الأول phil أي حب أو محبة وهنا ننوه اختيار هذا الإسم والشيء الأجمل هو عندما توقف الشيخ في الأقصوصة الأولى على شرح إسم صوفيا وكذا إسم فهمان الشيء الذي قد يشجع كل قارئ ناشئ على البحث في معاني الأسماء.

فهمان يرمز إلى الفهم La compréhension كضرورة أنطولوجية إنسانية تجعلها من اهتمام أي فرد فينا باحث عن حقيقة الأشياء عبر فهمها واستيعابها.

فإننا عند قراءتنا الأقصوصات من خلال الإطار الزمكاني ومن خلال رمزية شخوصها نحس بوحدة ونسق في الحكي وفي السرد.

ففي كل أقصوصة من الأقصوصات السبع تثار مسألة فهم الأشياء من خلال تدخل فهمان الذي يبحث عن فهم الأشياء ليجيب الشيخ وليثار فضول صوفيا كل هذا من أجل الوصول إلى أجوبة مقنعة إلى حد ما، فالشخصيات الثلاث محبي الحكمة من أجل فهم ما يدور حولهم.

من أجل هذا وعند قراءتنا وتفحصنا للأقصوصات نلمس عمل كاتبها على تذليل الصعاب السردية والفلسفية وذلك باعتماد عدة تقنيات مختلفة ومتميزة. فمثلا من أجل توضيح موضوعة فلسفية أو مفهوم فلسفي أو من أجل تقديم سيرة ذاتية اعتمد الكاتب على “التعريف” /La définition   التي تصدر غالبا في بداية الأقصوصات من طرف الشيخ فهو بمثابة كما قلنا معجم لفك الغموض الذي قد يشوب مفهوم أو فيلسوف ما، فمثلا في أقصوصة ” الحكماء ونشأة الكون” يعطي الشيخ أو الحكيم معنى المبدأ.

الحكيم : يقصد بذلك اللامتناهي أو اللامتعين وبذلك يكون أول من قدم هذا الإسم للعنصر البدائي . . .

أما في الأقصوصة، فيتولى تعريف أرسطو فهمان.

فهمان : ولد أرسطو في مدينة مقدونيا… وهنا نثير مسألة إثارة الفضول الذي قام بها الشيخ في السلسلة 4 عندما ذكر للطفلين الفيلسوف أرسطو مما جعلهما يبحثنان في مكتبة المدرسة عن السيرة الذاتية لكل من أفلاطون وأرسطو.

فانطلاقا من السلسلة 5 إلى 7 يختفي الشيخ، فهو عمل دور المرشد الذي يسعى إلى إثارة الفضول وإلى تعميق المعلومة بواسطة الكتاب والحث ولو بطريقة غير مباشرة على البحث عن المعلومة من خلال الكتب.

ويلعب الكتاب في الأقصوصة 7 دورا أساسيا حيث يعمل على إخفاء كل الشخصيات ليبرز كمصدر وحيد للمعلومة الفلسفية فقصة ديوجين التي تظهر في هذه السلسلة خير ختام لهذه الأقصوصات لما لها من طابع مرح وذاك من خلال سرد مقتضب لسيرة ديوجين العاقل المجنون، فبهذه النهاية البهيجة تكون القصة الفلسفية للأستاذ علي المليح فرصة للتعرف على عالم الفلسفة، فهو ليس دائما كئيبا فهو يعمل على المزج بين الجدية والمرح أثناء عملية التفلسف.

فهذه النهاية ذكية من طرف الكاتب لأنها لا يمكن إلا أن تترك طابعا جيدا لدى القارئ الطفل/ فللفلسفة عالمها الخاص عالم التناقضات البناءة.أليست هذه النهاية دعوة للتفاؤل وللإقبال على المادة ؟ فالفلسفة فرصة للفكر وللتفكر وللمرح والجنون البناء.

ومن بين التقنيات السردية المعتمدة سرد قصص داخل الأقصوصة الأساسية بما يسمى بالفرنسية Le récit dans le récit، فمثلا أقصوصة كهف افلاطون والتي تدخل بكل مرونة في إطار سرد السيرة الذاتية لأفلاطون من طرف صوفيا عندما قالت : ” عند بحثي عن حياة أفلاطون وجدته يتحدث عن أسطورة الكهف ص 4 من أقصوصة سلسلة رقم 5.

أضف إلى ذلك اعتماد الاقتباس الكلي la citation لبعض أقوال الفلاسفة المختارة بعناية وسهلة للحفظ كقولة سقراط المشهورة “‘’اعرف نفسك بنفسك’’.’’كل ما أعرفه  هو أنني لا أعرف شيئا’’.

وكمقترح لتخطي هذه العراقيل الصياغية والمعجمية لم لا يتم في طبعات قادمة اعتماد معجم يصحب كل أقصوصة لشرح الكلمات الصعبة ولاقتراح سير ذاتية كل ما دعت الضرورة إلى ذلك.

كل ما تم ذكره يعلن عن مبادرة أدبية متميزة مرتكزة على دراسة وفهم للنقل الديداكتيكي من الفلسفة إلى الأدب، وهنا نتفهم عمل الكاتب والأستاذ فيما يخص الانتقال من معرفة فلسفية صرفة إلى الحكي والسرد، فالأمر ليس هينا أو مجانيا.

وهكذا نلمس سير الكاتب نحو تأسيس أدب مغربي فلسفي خاص للأطفال تخاطب أعمارهم مخاطبة بذلك وجدانهم.

فهذه المحاولة في نظرنا لا تعدو إلا أن تكون مميزة على المستوى الوطني والعربي، فنحن بحاجة إلى تربية اطفالنا على إعمال الفكر عن طريق طرح تساؤلات ومناقشتها والوصول بها إلى تربية فضولهم المعرفي والوجداني.

والطفل بطبيعته كائن دائم التساؤل، لكن عندما يوجه أسئلته ونقومها وندعمها وننميها فإننا نربي فيه ذاك الشخص العاقل والباحث والناقد والعالم، وخصوصا الرائد في كل الميادين. فعمل الأستاذ الفاضل علي المليح عمل متميز يجب تشجيعه، فهو في نظري بداية لمشروع قائم بإرساء أسسه. فمن خلال هذه المجموعة القصصية سيطلع الطفل على عالم الفلسفة وعلى ضرورة عملية التفلسف وعلى روادها. فهذا المشروع يمكن تطويره في مراحل قادمة في اقتراح مواضيع فلسفية لها نفس الغاية ألا وهي نحت شخصية الطفل في المنحى المرغوب فيه.

فلم لا الكاتب لاحقا في مناقشة مسائل فلسفية كالخير، والكذب، والإنسانية، والشغف، والحب… كلها قيم إنسانية تسمو بالفرد نحو إثبات ذاته كإنسان رائد وفاعل في مجتمعه، بل قل كمواطن صالح في وطنه وعشيرته.

كما يمكن لهذه الإصدارات دعمها بورشات دراسية حول هذه الموضوعات الفلسفية يكون بطلها الأطفال ويكون مسيروها أساتذة للتأطير والتوجيه، كما نشهده في ورشات الرسم والمسرح.

  • الطالب-المفتش شعبة اللغة الفرنسية – فاس

 

شاهد أيضاً

ذكرى كارل ماركس في حضن الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

ملخص ندوة “اليوم العالمي للفلسفة والذكرى المئويّة الثانية لميلاد كارل ماركس” نظّم أوّل الأمس السبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *