الرئيسية / منتخبات / عامة / موت الإنسان وفكر ما بعد القرن التاسع عشر

موت الإنسان وفكر ما بعد القرن التاسع عشر

يونس كلة

 اهتم ميشال فوكو بدراسة العلوم الإنسانية ( الطب العيادي، علم الجريمة…) من أجل إبراز مسألة أساسية، وهي أن الإنسان يكشف ويتفحص نفسه من خلالها، وبالتحديد معرفة الإنسان من خلال الإنسان، التي هي في واقع الأمر علاقة جدلية في أساسها، إلا أنها تعد في الآن نفسه الإمكانية التي من شانها تحقيق المعرفة المنشودة.

إن ظهور العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، كان الغرض منها إظهار مفهوم الإنسان كذات فاعلة في التاريخ، ومشكّلة لكل المعارف، وهو فهم جديد للإنسان مرتبط بالثقافة التي شكلت فضاء للنقاش الذي دار في فكر ما بعد القرن التاسع عشر لدى الغرب. إن بروز الإنسان كموضوع للفكر لم يظهر إلا بعد أن تمكنت علوم من الظهور وفروع معرفية من الاكتمال ( أي انتقلت من خطابات خاصة بفروع معرفية إلى علوم اكتملت من موضوعها )، حيث كانت كل ثقافة العصر الحديث منسقة ومنظمة بشكل لا يفسح المجال أمام موضوعة الإنسان للظهور، أو بالأحرى غياب التساؤل عن الذات في علاقتها بالوجود، فلا مجال للشك في كون التحول المذكور قد ترتبت عنه نتائج مهمة.

للوقوف عند ابرز ملامح هذا التحول نقترح أن نعرج على فكر العصر الكلاسيكي الذي وحّد بين الوجود والتمثل، حيث تطابق مفهوم الإنسان عند ديكارت مع وعيه بأنه ذات مفكرة قادرة على إنتاج الأفكار والتمثلات حول جميع الموجودات التي هو واحد منها، وقد حال هذا الموقف الذي يربط بين الفكر والوجود، دون التساؤل عن الإنسان كذات عارفة ومفكرة تحمل شروط كل تفكير وكل معرفة ممكنة.1

يبدو أن هذه الآمال التي شيدها الذات الإنسانية قصد التحكم في الظواهر الإنسانية كما حدث بالنسبة للظواهر الطبيعية، سرعان ما تبددت، خاصة بعد ظهور الفلسفات النقدية التي كان كانط ونيتشه من بعده ابرز ممثليها، والتي هيأت الجو الملائم للتساؤل حول الإنسان بصيغة: ما هو الإنسان ؟، أعقبه وعي الإنسان ككائن يفعل وينفعل ويؤثر ويتأثر، ” وهكذا يبدو أن الإنسان الحديث لم يظهر كموضوع أساسي للمعرفة إلا ليواجه بالبعد اللاإنساني للحياة والطبيعة، التي تسبقه وتتجاوزه.”2

وقد سمحت هذه النهضة الفكرية التي خصت موضوع الإنسان بانتقال الثقافة الغربية من الإيمان بالإنسان وقدرته اللامحدودة على فهم الظواهر، إلى إبراز تناهي وحدودية هذا الكائن-المجبر والمهيمن والخاضع في نفس الوقت- لذا نتساءل :لماذا هذا الوضع المزدوج الذي ما انفك يعيشه الإنسان بين الأمس واليوم ؟

استوجبت معرفة الإنسان في ارتباطها مع العلوم الإنسانية في بدايات القرن التاسع عشر، الاعتماد على الذات المتعالية ، فمحاولة فهمه لذاته لن تستقيم إن هو لزم إمكانياته المحدودة، ذلك أن المعرفة المذكورة تستدعي النقد والفحص وإعادة النظر في الذات ، إذ لا يمكن أن تكتفي تلك المعرفة بالتطابق الديكارتي بين فكر الإنسان وكينونته، لذلك وظفت علوم القرن التاسع عشر الإنسان المتعالي، أي الذات الكلية ( الشمولية) التي على ضوئها يستطيع الفكر التفكير في الإنسان3. بالتالي فمفهوم الإنسان ما هو إلا مفهوم من المفاهيم المؤقتة واستمراره رهين باستمرار صرح النظام المعرفي الذي يساعده على الانبثاق، وفي الوقت الذي سيبدأ فيه هذا النظام بالتصدع والاختفاء فان اختفاء مفهوم الإنسان آت لامحالة، وهو ما يفسر وجود الإنسان المتأرجح بين الخضوع والهيمنة.

لقد تبنى ميشال فوكو بعد فهمه للمشروع النيتشوي إعلان نيتشه الشهير القائل ب ( موت الإنسان )، الذي استطاب له العيش في هذه الأرض بعد أن تخلص من الآلهة وأعلن عن موتها، كما صرح بذلك نيتشه على لسان زرادشت في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” وهي كالتالي: (لقد مات الإله )، وعلى اثر ذلك بشرت الفلسفة منذ القرن التاسع عشر، وبتفاؤل كبير بمستقر وموطن طيب للإنسان على هذه الأرض، عندما يحصل التخلص من الآلهة وإبعادها عن الأرض، وآنذاك سيتمكن الإنسان بمعية معارفه الوضعية من القضاء على الأوهام وتجاوز الإستلابات4.

بيد أن هذه الثقافة التي أحدثت مثل هذا الانقلاب ومهدت له هي نفسها التي ستعمل على رفض موضوعة  الإنسان  أيضا، وان كان ظهوره قد حدث لمدة ليست بالطويلة، فازدهار الفكر المعاصر ونموه لم يعد ممكنا إلا في غياب الإنسان، ( وبالتالي فقدان المركزية من جديد )، خلاصة هذا المقطع يمكن إجمالها في القول الآتي: إن موت الإله يستتبعه بالضرورة موت الإنسان.

إن محاولة فهم الوضع الإنسان داخل نظام العام والشامل ليست بالسهلة، خاصة وان الإنسان كائن مليء بمكامن العتمة والغموض، ما يعني انه عالم فريد من نوعه، ومنه فان المحاولة المذكورة تستدعي اكتشاف الفكر في الذات ( بما تحمله من نقط البياض ) وخارجها ( أي في علاقتها بالعالم الخارجي ). ليبقى هذا الفهم الجديد مرتبط بالفكر المعاصر الذي تشكل بعد ظهور العلوم الإنسانية، بل هو نتاج لها ” بعيد كل البعد عن الديكارتية، وحتى عن الكانطية، يطرح مشكل وجود الإنسان من زاوية اهتمام الفكر بسبر أعماق اللا مفكر فيه ، والإنصات إلى همساته، وكشف الحجاب عن بعض أحواله. لقد أصبح الفكر يدرك بان موضوعه الرئيسي هو اللاشعور أو اللا مفكر فيه، الذي يشترطه ويحدده”،5 إن ما أصبح يخترق الفكر الحديث كله هو قانون التفكير في اللا مفكر فيه6.

بناء عليه يمكن القول إن تمجيد الإنسان والعلوم الإنسانية والإفراط في الإيمان بقدرة الإنسان على التعقل وصياغة القوانين الخاصة بالظواهر الإنسانية، إبان عن ثغرات جمة منها أن الإنسان عقلا ولاعقل، أي انه أهواء وغرائز إلى جانب انه كائن عقلاني، وهو الجانب الذي أغفلت العلوم الإنسانية التركيز عليه، مما فسح المجال من جديد لإعلان موت الإنسان.

هوامش:

1) عبد الرزاق الدواي: موت الإنسان، دار الطليعة، بيروت 1992 الصفحة 162

2) الفرويدية ونقد الحضارة المعاصرة، فيصل عباس، دار المنهل اللبناني، الطبعة 1،2005 الصفحة 651.

3) نفس المرجع ونقلا عن: ليمرت تشالز، فوكو بين الجنس والجنون، ترجمة خالدة حامد، العصور الجديدة عدد 15، القاهرة 2000، الصفحة 208.

4) الدواي، موت الإنسان، مرجع سابق، الصفحة 172.

5) فيصل عباس، مرجع سابق، الصفحة 654.

6) الدواي، مرجع سابق، الصفحة 168.

 

شاهد أيضاً

حقيقة الوجود في ادب سارتر

علي محمد اليوسف بنى كل من (سارتر) واكثر منه فعل (بيكيت) صاحب ادب و مسرح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *