الرئيسية / منتخبات / ترجمة / ” الإيقاع واللحن والتناغم” تأليف: فريدريش شلايرماخر

” الإيقاع واللحن والتناغم” تأليف: فريدريش شلايرماخر


ترجمة وتقديم: كمال بومنير

فريدريش شلايرماخر Friedrich Schleiermacher فيلسوف ألماني (1768- 1834)، يعتبر أحد أقطاب ومؤسسي الفلسفة التأويلية في ألمانيا في القرن التاسع عشر، وقد اتسمت التأويلية عنده بطابع شامل من حيث هي فن الفهم والتفسير الذي يستند إلى قواعد ثابتة لا سيما معرفة قواعد اللغة والتخلص من الأحكام المسبقة التي يحملها المؤول ومعرفة حياة المؤلف الداخلية والخارجية والعودة إلى أصل النص بغرض فهم وإدراك المعاني التي ينطوي عليها. من أهم مؤلفات شلايرماخر: “خطابات في الدين” 1799، “مناجاة النفس”،1800، “الإيمان المسيحي وفق مبادئ الكنيسة الإنجيلية” 1821، “الجدل” 1836، “الأخلاق الفلسفية” 1836، “التأويلية: من أجل منطق للخطاب الفردي”1838،”مدخل إلى محاورات أفلاطون”1801، “دروس في تاريخ الفلسفة”1814، “حول مختلف طرق الترجمة”1815، “الأخلاق”1812. أما الكتاب الذي تضمن آراءه الفنية والجمالية، وخاصة في مجال فن الموسيقى فقد جاء بعنوان “الجمالية. كل الناس فنانون”.

النص:
معلومٌ أنّ الطبيعة لا تعطينا السلّم الصوتي كله عبر صوت الإنسان وإنما “توزعه” مناصفةً بحسب الجنس والسن. ومن المعلوم أيضا أنّ الأساس الأول للتناغم يتحدّد انطلاقا من هذا، بحيث يكون في الإمكان التمييز بين الأصوات، حتى فيما يخص أخفض صوت غنائي للمرأة Alto أو الصوت الغنائي الرجالي المرتفع أو الصادح Ténor بحيث لا يبدوان مع ذلك متماثلين. والحقُ أنّ هذا التمييز أصبح بكل تأكيد بيّنا ومكتملا عبر مختلف الآلات الموسيقية الهوائية Instruments à vents والآلات الموسيقية الوترية Instruments à cordes. ولا يمكننا في الواقع أن نفهم حقا التعارض الموجود بينهما إلا إذا تطرقنا إلى فيزيولوجية الصوت (الذي يستحيل فهمه هو أيضا إذا انطلقنا من الجسم كطموح للعودة إلى حالة غير متميزة ومرتبكة في آن واحد ولكن يجب الانطلاق من الجسم والهواء قصد فهم الصوت كشيء ناتج عنهما). وتبعا لذلك فإنّ الجسم في الآلات الموسيقية الهوائية يتحرك ثم يحرك بدوره هذا الهواء. أما في الآلات الموسيقية الوترية فإنّ الإنسان هو الذي يحركه مباشرة. ولكن ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أنّ هذا التعارض يكتسي طابعا ثانويا ونسبيا. وربما كان في وسعنا هنا أن نشير إلى أنّ دق الصُنجين Cymbales وقرع الأجراس قد يُفقد تنوع الأصوات. والملاحظ أيضا أنّ هذا التنوع يحدّد أكثر من غيره وبدقة الفرق بين الموسيقى عبر امتدادها الفني والموسيقى الايمائية Mimique لأنّ أغلبية الآلات الموسيقية ستتدخل بنفسها للكشف عن كل الاختلافات القائمة. وحتى وإن لم يبرز ذلك جليا إلا في الفن الحديث فإنه لم يكن من الممكن أن نعتبر ذلك انحطاطا، بل وعلى العكس من ذلك، اعتُبر هذا الإفراطُ مبالغا فيه فيما يخص الرقص أو الغناء، علما أنّ الصوت في الغناء كان هو السائد والغالب. لذلك فإنه بالوسع القول إنّ الأهمية الحقيقية للإيقاع تكمن في تقسيم فتراته، وفي تعاقب أو تناوب السرعة والبطء وفي تعارض بين المعلَّم Le marqué والمتواني Le relâché (الذي يظهر بشكل أقل في اللحن الموسيقي المتمهل أو المتريّث Adagio وبشكل بارز في اللحن الموسيقي السريع Presto). أما الألحان السريعة الإيقاع Les tempi الأساسية فهي من جهتها تستجيب بشكل بارز لمختلف الطباع؛ فاللحن المتمهل أو المتريّث Adagioيغلب عليه الجانب الحزين Mélancolique، واللحن المتباطئ Andante يغلب عليه الجانب البلغمي Flegmatique، واللحن السريع يغلب عليه الجانب الدموي Sanguin، في حين أنّ اللحن السريع جدا يغلب عليه ما يمكن أن نسميه بالجانب الغضبي Colérique. هذا وتجدر الإشارة أنّ هذا الاختلاف يظهر أيضا في الاستعمال الطبيعي للصوت كتعبير تلقائي، ولكنه في المجال الفني يكون متحرّرا من الظروف المحيطة به. وفضلا عن ذلك فإنّ اللحن Mélodie يتضمن أساسا فيزيولوجيا لأنّ بعض الفواصل أو المسافات Intervalles لا تظهر إلا بشكل تمهيدي (دو-فا-رافعة) do-fa-dièse . وربما يلزمنا أن نشير هنا أنّ اللحن لا يحل إلا في ائتلافات موسيقية (كاملة). ولكن ومع ذلك، يبدو أنّ هذا الأمر مرتبط ارتباطا وثيقا بالتابعية لأنّ القدماء لم يعرفوا –والحقُ يقال-كل الائتلافات. من المعلوم أنّ الألحان تقوم على تعارضين: أوّلها قائم بين المقاطع الموسيقية التي تستخدم للانتقال من لحن إلى آخر Transitions والفواصل. أما الثاني فهو موجود بين إبراز قيمةالنوتات Notes وتراجع الائتلافات والعكس صحيح أيضا. وهكذا وعلى الرغم من تتابع النوتات، فقد نأخذ بعين الاعتبار، في الوقت نفسه، العلاقات القائمة بينها. علما أنّ أي عنصر من هذه العناصر قد يستبعد العناصر الأخرى. ومن الواضح أنّ كل عنصر يتضمن بكل تأكيد دلالة أخرى. لذلك، بمقدورنا القول إنّ التعارض الموجود بين التنافر والتوافق في “التناغم” تابع لأننا قد نجد أنغاما متوافقة لا يصح أن تتكرر، وقد نجد أيضا أنغاما متنافرة لا مفر منها. والحقُ أنّ العلاقة العكسية بينهما تُنتج بكل تأكيد طابعا مغايرا تماما. والملاحظ أيضا أنّه وبالنظر إلى هذه العناصر يمكننا أن نتطرق إلى الحديث عن التعارض الموجود بين الموسيقى “القديمة” والموسيقى “الحديثة”. وربما كان في وسعنا هنا أن نشير إلى أنّ التناغم كان في نظر القدامى شيئا ثانويا، ليس بسبب عدم امتلاك هؤلاء آلات موسيقية متناسقة لأنهم كانوا يعرفون من دون شك التناقضات الأساسية، ولكن بسبب عجزهم عن اتباع مدى السلّم الصوتي مادام أنّ نمط حياتهم قد استبعد الجمع بين الجنسين عند أداء العمل الفني. وإنه لمن أهم الأمور هنا أن نلاحظ أنّ في المركّب المشكّل من اللحن والإيقاع نجد أنّ هذا الأخير هو السائد لأنه مرتبط بالكلية الايقاعية La totalité rythmique الناتجة عن الشعر. ومع ذلك لم يكن من الممكن أن تغض اللحنة النظر عن هذا الترابط. بيد أننا لا ننكر بطبيعة الحال أنّ الشعراء هم الذين كانوا يرتبون هذه الأمور، وتبعا لذلك كان يُعرف الشاعر بموسيقاه. ونحن نعتقد من جهتنا أنّ المؤلف الموسيقي Le compositeur شخص آخر. أما الشاعر، الذي لا يعرف ما إذا تم وضع تأليف موسيقي، فهو ينظم شعره وفق الموسيقى. لذلك كان من واجب المؤلف الموسيقي تقدير الموسيقى في ذاتها وإضفاء أسلوبه الخاص والمتميز الذي يمكن أن نتعرف عليه بكل سهولة. وحينما ننعم النظر فيما قاله القدامى نجد بأنهم كانوا يؤكدون بأنّ الاختلافات اللحنية كانت موزعة بحسب التنوع الاثني.
عندما نتحدث عن الموسيقى الألمانية والايطالية أو الفرنسية فإنّ الأمر متعلقٌ بدون شك بتنوّع المدارس الموسيقية. لذلك، بمقدورنا القول إنّ الغناء المقدس يمكن أن يمثّل جسرا يربطنا بالموسيقى القديمة؛ لذلك بجدر بنا أن نشير بأنّ العديد من هذه الأنواع ترجع إلى ما قبل فترة الغزوات الكبرى. ولكن ومع ذلك يجب أن نعترف في نفس الوقت بأنّ المسيحية قد أثرت من دون شك في التحولات التي عرفتها الموسيقى قبل الشعر لأنها نشأت في أحضان الطبقات الدنيا، ومن ثمة كان من اللازم أن تنخرط أكثر في الحياة الشعبية بالنظر إلى من تلقى تكوينا فنيا بدأ حينئذ يؤول إلى الزوال. ومع ذلك، ليس من الصعب أن نتبيّن كيف أنّ المقامات الموسيقية (الليدي Lydien، والخليط من الليدي Myxolydien، الخ، الخاصة بالأغاني المتعلقة بالجوقة الموسيقية Chants chorals غير متطابقة تماما مع تلك القواعد التي وضعها القدامى. ومع ذلك نجد الطابع العام القائم على عدم التمييز الواضح بين الأسلوب المقدس والأسلوب الدنيوي. والحقُ أنّ المرحلة الأسطورية التي يقوم عليها هذا التعارض لا تؤثر بالتأكيد مباشرة على الموسيقى، ولكنها تؤثر من دون شك من خلال علاقتها بالشعر. لذلك فإنه بالوسع القول إنّ الميل إلى مثل هذا التعارض كان حاضرا عبر التعارض القائم بين المقام الدوري Dorien والمقام الأيونيIonien (وضمن هذا الأخير، عبر التعارض الموجود بين الفريجيPhrygien والليدي Lydien) ولكن ومع ذلك لم يبلغ كماله. وإذا نحن أولينا النظر إلى هذا التعارض في مجمله سيتبين لنا من دون شك أنّ كل مجموعة موسيقية أصبحت تشكل كلية تضم عناصر ذات قيم متعارضة. وهذا ما لا يمكن أن يحدث إلا –في حالة ما ما إذا تعارض ذلك مع الظروف- ضمن وحدة الترتيب الفعلي تعبّر عن نفسها من خلال ذلك.لقد تحصل بهذا أيضا، أنه كلما انفصل الفنُ عن الظروف المحيطة به كلما أصبحت الكلية La totalité التي بشكلها متعددة العناصر ومركّبة، وهذا ما سيؤدي في آخر المطاف إلى ضياع الدلالة La signification الواضحة والدقيقة على المستوى المنفرد، بحيث تصبح مندمجة في هذه الكلية. بل حتى الجملة القصيرة سيكون لها في هذه الحالة معنى حينما يتم ربطها بالموسيقى. أما عندما يكون الأمر متعلقا باللحن الذي يعزف على آلة موسيقية منفردة بمصاحبة الأوركسترا Le concerto فسيكون المؤلف الموسيقي من دون شك عاجزا عن التعبير على تلك الأشياء التي تخيلها بصورة مفصلة. والحقُ أنه عندما يكون الأمر متعلقا بالأوبراOpéra فإنه يحيلنا إلى السجّل. والمستفاد من هذا أن لم يكن من الممكن أن تظهر الموسيقى كفن مستقل، من الدافع الجمالي العام المتمثل في التعبير عن الترتيب الفعليمن خلال الإبداع الفني الحر. بل والعكس من ذلك، من كان واقعا تحت تأثير مثل هذا الطرب فإما أن يختار شكلا آخر من التعبير عن هذا الدافع أو أن ينتظر امتلاكه عنصرا إيمائيا أو شعريا يمكن أن يعبّر به عن ذلك الدافع. وتبعا لذلك فإنه إذا كتب للموسيقى أن لها نوعا من الاستقلالية فإنه من الضروري أن يصل الالهام الخاص بذلك إلى هذا الصدى المتواصل بحيث يكون في إمكان الفنّان أن يتصرف كالجسم المرتج الذي يفرغ هذه الإثارة في الهواء.من أجل ذلك تبدو لنا الموسيقى الآلية Musique instrumentale الخالصة محدودة.وبالمقابل، تبدو لنا جملة الآلات الموسيقية التي ترافق الغناء والرقص مفرطة وزائدة عن حدها. وعلى هذا الأساس يمكننا النظر إلى التعارض التالي: في الموسيقى التابعة لنظام آخر يكون الطرب العام سائدا، أما في الموسيقى الحرة يكون هذا الطرب فرديا. ولكن ومع ذلك، فقد يتماثل هذا ما نجده أيضا في الرقص المسرحي والدراما، بحيث نلاحظ أنهما يتطلبان أيضا إفراطا في الصوت. وفضلا عن ذلك فإنّ التفكير في الطريقة الخاصة فيما يخص التعارض بين العبقرية والمهارة في عزف الموسيقى قد تذكرنا -من دون شك- بما يمكن أن نجده أيضا في الفنون الأخرى. والحقُ أنّ المؤلف الموسيقي الماهر ليس في حاجة إلى الغناء أو إلى عزف الموسيقى بل من المستحسن أن يترك المجال لأداء تأليفه الموسيقي للآخرين. ولكن ومع ذلك فهو يعتقد دوما بأنّ هناك أشياء لا يمكن للكلمات والألفاظ أن تعبّر عنها، ولهذا السبب، فإنها تتطلب معرفة خاصة ومتميزة.
Friedrich Schleiermacher, Esthétique. Tous les hommes sont des artistes. Traduction de l’allemand par C. Berner, E. Décultot, Marc De Launey, D. Thouard, Paris, Les éditions Du Cerf, 2004, pp 127-129.

شاهد أيضاً

شيطَّانُ الديمقراطيةِ: هذه هي السياسة !!

سامي عبد العال –  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر يبدو أنَّ للديمقراطية وجهاً آخر كوجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *