الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / سياسات الرغبة

سياسات الرغبة

 

بقلم عبد الرحيم رجراحي

 

يتحدد الإنسان باعتباره كائنا راغبا؛ ذلك أنه لا يكتفي بتلبية حاجاته التي تمليها الضرورة الطبيعية، بل يدِّبر هذه الحاجات وفق سياسات للرغبة، تحدد نمط حياته، وخطة عيشه، وعلل فعله؛ وهو الأمر الذي يجعل رغباته ليست منفعلة فحسب، وإنما فاعلة كذلك، من حيث هي مصدر للمقاومة، مقاومة البلاهة والتفاهة والوهم والاستهلاك والاحتكار وغلاء الأسعار.

يُمْكِنُ مقاربة سياسات الرغبة في علاقتها بالسعادة؛ ذلك أن هذه هي الخير الأسمى الذي تتطلع إليه البشرية جمعاء، على اختلاف سياسات رغباتها؛ إذ هناك من يجد سعادته في المأكل والمشرب والمنكح، وهناك من يجدها في  المال والنفوذ والمجد، وهناك من يجدها في المناصب السياسية، بينما فريق آخر يجدون سعادتهم في العِلم والحِكمة.

غير أن سُبُلَ تحصيل السعادة، مهما  اختلفت، لا تعني أنها طرق مَلَكِيَّةٌ معبدة نحو هذا الخير الأسمى؛ ذلك أن المرء كلما مال إلى تحصيل اللذة، في مقابل اجتناب الألم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، كان أقرب لتحصيل السعادة، وما السِّياسة إن لم تكن هي القدرة على حسن التدبير؟

تستدعي إذاً السياسة الفعّالة للرغبة حسن تدبير حاضرنا، وما يفترضه هذا التدبير من عدل وعفة وحكمة وشجاعة؛ وكلها فضائل تتِّقي الإفراط وما يترتب عنه من عبودية، مثلما تتقي التفريط وما ينجُم عنه من رهبانية.

يتبيَّن إذاً أن سؤال سياسات الرغبة هو من جنس سؤال الحاضر، وغض الطرف عن هذا السؤال هو ما يجعل الخير الأسمى المنشود مؤجلا دوما وأبدا، ومشروطا بخلاص دنوي أو أخروي، خلاص يجعلنا ننعم في الشقاء في انتظار المخلص.

إننَّا لا نملك من الحياة إلا الحاضر؛ ذلك أن الماضي مضى وانتهى، والمستقبل مرجأ دوما وأبدا؛ ومن ثمة فالسؤال الذي يعنينا بالدرجة الأولى هو سؤال الحاضر، بما هو سؤال الحياة، أي كيف نحيا؟ كيف نقاوم النزَّعات الارتكاسية والاستهلاكية؟ كيف ندبِّر العيش المشترك مادام الاجتماع البشري قدرنا؟ كيف نكون، بالمحصّلة، سعداء هنا والآن؟

أما أسئلة الماضي والمستقبل، أسئلة الموت والخراب والدَّمار والوعيد والجزاء والعقاب والحشر، فهي أسئلة ميتافيزيقية، إن لم نقل مَرَضية، نظرا لما تخلِّفه في النفس من خوف هستيري، وما تولِّده من وسواس قهري، وأنواع العُصاب المَرضي التي تثنينا عن عيش  حياتنا الطبيعية كما هي دون إحساس بالنقص، وتجعلنا لقمة سائغة لمافيات مجتمع الفرجة، وبائعي الدجل المقنع بالتنمية الذاتية، وشركات الأدوية المسكّنة والمنشّطة والمقوّية وغيرها من الأوهام التي تتفنن شركات الإشهار في تسويقها، فضلا عن  أنها تجعلنا زبناء لتجار الدين، وقنابلا موقوتة في يد الحركات المتطرفة التي تعدنا بالحور العين، وأنهار من الخمر، وضروب متنوعة من اللذة في جنات النعيم، والحال أن شيئا من الحكمة وبضعة كؤوس رفقة من تطمئن له قلوبنا كافية لتجعلنا ننال الجنة على هذه الأرض.

إن تجذير سياسات الرغبة من خلال مقاطعة نمط الحياة الذي يكرسه مجتمع الاستهلاك، ويسوق له مجتمع الفرجة، وإبداع سياسات بديلة نحقق من خلالها ذواتنا دون ضرر بذوات الآخرين، لهو ضرب من ضروب المقاومة الفعّالة والبديلة في الوقت الذي أتت فيه الرأسمالية المعولمة على الأخضر واليابس من الثروات الطبيعية والبشرية، محتكرة البر والبحر والجو.

فهل لعموم المهمّشين والمقصيّين من نمط الحياة الذي تسوق له الرأسمالية المعولمة وما يخلفه في النفس من استهامات من رهان آخر غير تجذير سياسات رغباتهم، من خلال مقاطعة سياسات الاستهلاك، والتَّصالح مع الطبيعة، وفضح زيف الحياة التي يكرسها مجتمع الفرجة؟ أَ لا تفيدنا حكمة الأولين لتحقيق هذا المسعى؟ حكمة أفلاطون وأرسطو وأبيقور وباروخ سبينوزا وجيل دولوز؟ أَ ليست الفلسفة وسيلة فعالة لتطوير سياسات جذرية في ضوء خبو الخطابات الوضعانية التي كانت تحمل لواء التغيير، ولم تكن ترى في الفلسفة إلا تأملات فارغة وخالية من المعنى؟

من أرشف الباحث عبد الرحيم رجراحي:

في ثقافة الاعتراف تعليق على كتاب سفر في ذاكرة فنان لعزيز المجذوب

بقلم عبد الرحيم رجراحي إن الاعتراف بالفضل فضيلة، ولعل من سمات الاعتراف تأليف كتاب عن فنان كانت ذكراه قاب قوسين أو أدنى من الضياع. يقول الجاحظ في كتاب الحيوان: “فقد صَحَّ أن الكتب أبلغ في تقييد المآثر، من البنيان والشعر”. وقد أبلى عزيز المجذوب البلاء الحسن وهو يُقَيِّدُ آثار مسيرة …

أكمل القراءة »

الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

بقلم عبد الرحيم رجراحي   لعل ما يلفت الانتباه في التقديم الذي أعده سعيد ناشيد للكتاب هو اعتباره أن “هذا الكتاب مدخل نظري ونضالي إلى أخلاق المدينة، أخلاق الفضاء العمومي، أخلاق الحداثة السياسية”.[1] وسنسعى في مقالنا إلى الكشف عن هذه الأخلاق التي هي من جنس الشأن العمومي، والتي من فرط …

أكمل القراءة »

الفلسفة بصيغة المؤنث أم المؤنث بصيغة الفلسفة؟

  عبد الرحيم رجراحي لتحميل الكتاب وقراءته أنقر هنا كتاب الفلسفة بصيغة المؤنث – العلوي رشيد نهدف من هذا المقال إلى تسليط الضوء على كتاب “الفلسفة بصيغة المؤنث”[1] لرشيد العلوي، لكن ليس على سبيل تلخيصه أو تقديمه، وهو ما نهضت به الباحثة خديجة زنتيلي في مقال لها[2]،  وإنما من أجل …

أكمل القراءة »

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

بقلم عبد الرحيم رجراحي   قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! …

أكمل القراءة »

تفكير في حركة 20 فبراير

 عبد الرحيم رجراحي يُمَثِّلُ يوم 20 فبراير من سنة 2011 حدثا تاريخيا في المغرب، تَمَّ من خلاله التأسيس لحركة اجتماعية ذات مطالب سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهو ما تشهد عليه الشعارات التي رفعت في المسيرات الاحتجاجية التي خرجت في مختلف ربوع المغرب، والتي ترتَّب عن قوة تنظيمها، وتنوع تياراتها، وتضحيات …

أكمل القراءة »

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

عبد الرحيم رجراحي – باحث مغربي يعد كتاب مشروع السلام الدائم[1] امتدادا للمشروع النقدي لإيمانويل كانط، بعد أن ألف نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وفيه ينتقد الحروب التي شهدها العالم، والتي ما فتئت أسبابها في تزايد، أمام الحظ على الخيانة، وانتهاك شروط السلام، والتجسس على الدول، …

أكمل القراءة »

الأخرويات الإسلامية من الدين إلى الأدب: قراءة في رواية الأربعينية لخوان غويتيصولو[1]

عبد الرحيم رجراحي يعد خوان غويتيصولو (1931…) أنموذجا للأدب الإسباني المعاصر، خاصة في جنس الرواية؛ ذلك أن دراسة أعماله الأدبية والنقدية تكشف للناظر عن فَرادة في الإبداع وجدة في النظر لا عهد بهما للأدب القديم والحديث على حد سواء؛ وهو أمر طبيعي إذا ما أخدنا في الاعتبار أن الرجل كان …

أكمل القراءة »

الفلسفة ونظرية الحجاج

عبد الرحيم رجراحي – المغرب سعى برلمان رفقة تيتيكان من خلال مؤلفهما المشترك في الخطابة الجديدة إلى تقديم طرح جديد بخصوص الحجاج؛ لذلك كان المقصد من مؤلفهما هو تحرير الحجاج من جهتين: الأولى، من شبهات الخطابة، وما تحيل عليه من مناورات ومغالطات وتبكيتات؛ والثانية، من صرامة الجدل، وما يحيل عليه …

أكمل القراءة »

في مشروعية الدولة

عبد الرحيم رجراحي يعدُّ الإنسان كائنا مدنيا، من حيث أنه محكوم عليه أن يجتمع ببني جنسه وأن ينخرط في تدبير الشأن العام إن إيجابا أو سلبا، فاعلا أو منفعلا؛ ولما كان الأمر كذلك، فالإنسان في مسيس الحاجة لتنظيم سياسي يتولى  تدبير أموره وقضاء مصالحه وحل خلافاته. ولعل الدولة من التنظيمات …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

هل الفلسفة في حاجة إلى ديداكتيك؟

بقلم: المحفوظ السملالي يبدو للوهلة الأولى أن هذا السؤال متجاوزا بالنظر الى الحجج التي قدمها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *