الرئيسية / منتخبات / عامة / “في معنى الموسيقى والتنغيم” تأليف: القديس أوغسطين

“في معنى الموسيقى والتنغيم” تأليف: القديس أوغسطين

ترجمة وتقديم: كمال بومنير

القديس أوغسطين Saint Augustin فيلسوف ولاهوتي مسيحي من أصل جزائري، وُلد عام 354 م بمدينة تاغست (سوق أهراس) وتوفي في 430م. يُعد رائدا للفكر المسيحي وذلك لـتأثيره الكبير في معظم لاهوتيي العصر الوسيط الذين انصبت اهتماماتهم الفكرية والدينية على الجمع بين الإيمان والعقل والتوفيق بين الدين والفلسفة. تأثر القديس أوغسطين –إلى جانب الدين المسيحي- بالعديد من الاتجاهات الفلسفية اليونانية القديمة، وخاصة الرواقية والأفلاطونية والأفلاطونية الجديدة أو المحدثة، وخصوصا فلسفة أفلوطين Plotin . من أهم مؤلفاته:”حول خلود النفس”، حول عظمة النفس”، “أصل النفس”،”حول التثليث”، “الإيمان والرمز”، “حول طبيعة الخير”، “حول الصبر”، “الديانة الحقيقية”، “فائدة الإيمان”، فائدة الصوم”، “عن نعمة المسيح والخطيئة الأصلية”، “ضد الدوناتيين”،”الطبيعة والنعمة”، “فائدة الثقة”، “الاعترافات”، “مدينة الله”. أما الكتاب الذي عالج فيه القديس أوغسطين القضايا والمسائل المتعلقة بفن الموسيقى فقد كان بعنوان “كتاب الموسيقى”.

النص:
المعلّمُ: إنّ غرضنا ههنا ليس أن نتجادل حول الألفاظ وإنما بالأحرى –إن اتفقت معي في ذلك- أن نتفحص طبيعة وماهية هذا الفن أي الموسيقى.
التلميذُ: لنتفحص إذن هذه المسألة، لأنني أرغب حقا أن أعرف إلى أي مدى يتسع مجال هذا الفن.
المعلّمُ: إذا كان الأمر كذلك عرّف لي الموسيقى.
التلميذُ: لا أجرأ القيام بذلك.
المعلّمُ: هل بإمكانك أن تخبرني –على الأقل- إن كان تعريفي للموسيقى صحيحا؟
التلميذُ: سأحاول-بطبيعة الحال- بعد صياغتك للتعريف.
المعلّمُ: الموسيقى هي علمٌ يعلمنا التنغيم الجيد. هل تتفق معي في هذا الرأي؟
التلميذُ: ربما، إذا فهمتُ حقا ما المقصود بالتنغيم.
المعلّمُ: ألم يسبق لك أن سمعتَ هذا اللفظ من قبلُ، أو على الأقل، ألا تعلم أنه يخص الغناء والرقص؟
التلميذُ: لقد لاحظتُ أنّ كلمة التنغيم مرتبطة بالمقدار، وأنه من الضروري الحفاظ على هذا المقدار في كل ما نفعله من خير، في حين نجد في الغناء والرقص أشياء دنيئة لا تعد ولا تحصى رغم أنها جذابة. لذلك بودي أن أفهم على نحو دقيق ما معنى التنغيم لأنّ هذه الكلمة تتضمن بشكل كامل تقريبا مفهوم هذا الفن الواسع أي الموسيقى، ولا يتعلق الأمر هنا بطبيعة الحال بتعلّم أسرار المغنين والبهلوانيين.
المعلّمُ:لقد قلتَ بأنه يجب المحافظة، ليس فقط في مجال الموسيقى، على نوع من المقدار في أفعالنا،ولكن ومع ذلك فإنّ لفظ التنغيم يندرج في تعريف الموسيقى. والحقُ أنه لا يجب أن تستغرب هذا الأمر: ألا تعلم بأنّ الكلام يعتبر موهبة الخطيب؟
التلميذُ: أعلم بكل تأكيد هذا الأمر. ولكن لماذا طرحتَ علي هذا السؤال؟
المعلّمُ: لو أنّ خادمك الفظ والجاهل يجيبك بكلمة واحدة على طلبك، فهل تشاطرني الرأي إن قلتُ لك بأنه يتكلم؟
التلميذُ: نعم أشاطرك الرأي.
المعلّمُ: ولكن هل معنى ذلك أنّ هذا الخادم يملك القدرة على الخطابة؟
التلميذُ: بالتأكيد لا.
المعلّمُ: إذن أنت تتفق معي أيضا أنّ هذا الخادم لم يحسن “الكلام” من خلال التلفظ ببعض الكلمات، حتى وإن كان الكلام –بطبيعة الحال- من التكلم.
التلميذُ: بالتأكيد؛ ولكن ما غرضك من كل هذا الكلام؟
المعلّمُ: غرضي من ذلك هو أن أبيّن لك بأنّ التنغيم كلمة لا تنتمي إلا إلى فن الموسيقى وهذا على الرغم أنّ هذه الكلمة مشتقة من لفظ يمكن أن ينطبق -بطبيعة الحال-على أشياء أخرى. وهكذا فإنّ موهبة الكلام تُنسب إلى الخطباء فقط، مع أنّ لا أحد بإمكانه أنّ يعبّر عن شيء بدون أن يتكلم، علما أنّ الكلام يتأتى من التكلم.
التلميذُ: الآن فهمتُ.
المعلّمُ: أما فيما يخص تلك الملاحظات التي أشرتَ إليها سابقا، مثل قولك بأنّ الغناء والرقص يتضمنان بذاءات فلا يمكن اعتبارها تنغيما من دون أن نحط من مكانة هذا الفن شبه الإلهي، ومع ذلك فهو قولٌ صائبٌ من دون شك. لننظر الآن إلى الغرض من التنغيم، ثم كيف يتحقّق هذا التنغيم الجيد، فليس من العبث أن تُضاف كلمة “جيد” هنا إلى التعريف. أما فيما يخص كلمة “علم” فلا يصح أن تمر مرور الكرام، إذ من الواجب أن تنال الاهتمام الكافي. والمتحصل من كل ما ذكرناه أنّ هذه هي الكلمات الثلاث التي يتألف منها التعريف بحسب ما اعتقد.
التلميذُ: نعم أشاطرك الرأي في ذلك.
المعلّمُ: بهذا المعنى يمكننا أن نعرّف التنغيم بأنه فن الحركات، أو بعبارة أخرى فن أداء حركات منتظمة لأنه –والحقُ يقال- من غير الممكن القول بأنّ شيئا ما يخضع لحركة منتظمة إن لم يحتفظ بمقدار ما.
التلميذُ: بالفعل هذا غير ممكن، ولكن في هذه الحالة سيعني التنغيم كل ما يتم أداؤه على أحسن ما يرام لأنه لا يمكن أداء شيء جيدا بدون حركة منتظمة.
المعلّمُ: ولكن إذا تحققت هذه الأفعال وفق قوانين الموسيقى فإنّ استعمال كلمة التنغيم عادةً ما تستعمل فيما يخص الأدوات الموسيقية. والحالُ أنني اعتقد أنك تميّز تمييزا جيدا بين عمل مصنوع من خشب أو فضة وأشياء أخرى عن الحركة التي يؤديها العامل أثناء إنجازه العمل.
التلميذُ: الاختلاف عميق بكل تأكيد.
المعلّمُ: ولكن هل تم أداء هذه الحركة من أجل ذاتها أم بالنظر إلى الشيء المصنوع؟
التلميذُ: من دون شك بالنظر إلى الشيء المصنوع.
المعلّمُ: إذن في هذه الحالة إذا حرّك شخصٌ ما جسمه سوى بغرض تحريكه برشاقة وأناقة ألا يمكن أن نقول بأنه يرقص؟
التلميذُ: هذا صحيح بكل تأكيد.
المعلّمُ: والآن قل لي متى تعتقد بأنّ شيئا ما يكون متفوقا ؟ فهل نبحث عن ذلك بالنظر إلى هذا الشيء أم لغرض آخر ؟
التلميذُ: بالتأكيد بالنظر إلى الشيء ذاته.
المعلّمُ: لا شك أنّ في وسعك الآن أن تتذكر ذلك التعريف الذي قدمناه للتنغيم حينما أشرنا إلى أنّه فن الحركات؛ بإمكانك أن تعرف ما هي الحركات التي تنطبق على هذا التعريف. هل على تلك الحركات المستقلة التي تثير الإعجاب أو على التي تتضمن نوعا من الخساسة؟ لأنّ كل ما يُستخدم لغرض آخر غريب عنه قد يكون تابعا لغيره.
التلميذُ: من الواضح أنّ ذلك ينطبق على الحركات التي نبحث عنها في ذاتها.
المعلّمُ: إذن من المرجح أنّ علم الأنغام هو علم قائم على تنظيم الحركات تنظيما جيدا بحيث تنال اهتمام وإعجاب الناس.
التلميذُ: هذا من المرجح فعلا.
المعلّمُ: من المعلوم أنّ الموسيقى هي علم الحركات المرتبة بشكل جيّد. لذلك كان بإمكاننا القول بأنّ الحركات فيها مضبوطة، حينما ننظر إلى مقادير الأزمنة والتوقفات لأنها تحقّق المتعة ومن ثمة يمكن أن تُسمى أنغاما. ولكن ومع ذلك، ألا يمكن أن تكون الإيقاعات والقياسات في غير محلها بالمقارنة مع صوت جميل ورقصة رشيقة بغرض تحقيق المرح والابتهاج حينما يتطلب الظرفُ الجهورية ؟ والحقُ أنه قد نغالي هنا في التنغيم التام، أو بعبارة أخرى في حركة كانت من دون شك رائعة، ولكن وبالنظر إلى المقدار، فإننا قد لا نحسن استعمال هذه الحركة عندما يتم استخدامها بشكل غير لائق. وعلى هذا الأساس يمكننا القول بأنّه يوجد فرق كبير بين التنغيم والتنغيم المحكم. هذا والجدير بالذكر أنّنا نلاحظ وجود التنغيم عند كل المغنين شريطة أن لا يخطأ هؤلاء المغنون في المقدار الطبيعي القائم بين الكلمات والأصوات. وعلى هذا الأساس يمكننا القول إنّ التنغيم الجيّد لا يمكن أن نجده إلا في هذا الفن الحر أي الموسيقى. ولا تبدو الحركة نفسها بشكل جيد عندما ينقصها التناسب مع أنها قد تبدو لنا متوافقة تماما مع قوانين الإيقاع. لذلك كان لزاما علينا أن نتذكر دوما المبدأ التالي: علينا أن نمتنع عن التلاعب بالكلمات عندما يكون الأمر واضحا وعلينا أن لا ننشغل بمسألة ما إذا كانت الموسيقى هي علم التنغيم أو علم التنغيم الجميل.
التلميذُ: هذا صحيح. لندع هذه الاختلافات اللفظية جانبا، ولكن مع ذلك فإنّ هذا التمييز الذي أشرت إليه لا يزعجني.
المعلّمُ: حريٌّ بنا الآن أن نعرف لماذا تدخل كلمة علم في تعريف الموسيقى.
التلميذُ: إنه كذلك لأنّ النقاش قد تتطلب حقا ذلك.
المعلّمُ: هل تشاطرني الرأي إذا قلتُ لك بأنّ العندليب يحسن أداء نغماته في فصل الربيع ؟ بحيث يكون تغريده منسجما وجميلا، بل يكون –إن لم أخطأ- متناسبا كثيرا مع هذا الفصل؟
التلميذُ:بكل تأكيد.
المعلّمُ: هل يعني هذا أنّ لهذا العندليب معرفة بقواعد فن الموسيقى ؟
التلميذُ: بالطبع لا.
المعلّمُ: هل يترتب عن ذلك أنّ كلمة علم ضرورية في التعريف ؟
التلميذُ: هذا أمر واضح.
المعلّمُ: قل لي من فضلك، ألا يبدو لك أنّ كل أولئك الذين يغنون بشكل جيد يشبهون حقا هذا العندليب، أقصد أنهم يغنون بشكل موزون وجميل، ولكن إذا سألناهم عن التناغم وسلّم الأصوات الثقيلة والحادة لا يعرفون حتما الإجابة عن ذلك ؟
التلميذُ: كلا بالتأكيد، هي مجرد عصافير.
المعلّمُ: ولكن كيف نصف أولئك الذين يتمتعون حقا بسماعهم من دون أن تكون لهم مع ذلك معرفة بعلم الموسيقى؟ قد نجد فيلة ودببة وحيوانات أخرى أداء حركات وفق إيقاعات وأصوات بشرية، بل إنّ العصافير نفسها تنتشي بغنائها، ولم يكن من الممكن أن تتحمس لذلك لولا امتثالها للمتعة بدل المصلحة. وإذا كان الأمر كذلك، أليس من المناسب مقارنة مثل هؤلاء الناس بهذه الحيوانات؟
التلميذُ: هذا صحيح. ولكن هذا نقد موجه إلى أغلبية الناس؟
المعلّمُ: ليس من شك أنّ هناك بعض الناس البارزين، وعلى الرغم أنهم غرباء عن الموسيقى، فقد يتلذذون بمشاركة أذواق الشعب التي لا تسمو على الحيوانات، وهم الأغلبية، وهذا على الرغم أنهم يعتبرون ذلك اعتدالا وحذرا. ولكن ومع ذلك ليس المجال هنا للخوض في هذا النقاش. وفي هذه الحالة، فإما أنهم سيستمعون إليهم هروبا من انشغالاتهم الجدية بغية تحقيق المتعة. ولكن إذا كان من المعقول تحقيق مثل هذه المتعة من حين إلى آخر، فمن غير اللائق حقا الوقوع في ذلك. ثم ألا يبدو لك أنّ عازفي الناي والقيثارة أو آلات موسيقية أخرى تشبه أصوات العندليب؟
التلميذُ: كلا بالتأكيد.
المعلّمُ: أين يكمن الاختلاف بينهما؟
التلميذُ: اعتقد أنّ الموسيقي متحصلٌ على نوع من الفن، في حين أنّ العندليب يخضع لتوجيه الطبيعة.
المعلّمُ: إنّ ما قلته لقريب من الحق. ولكن هل يصح في رأيك أن نعتبر الأعمال القائمة على المحاكاة فنا؟
التلميذُ: ولما لا ؟ مادام أنّ للمحاكاة هذا الدور الذي لا يستهان به حقا في مجال الفنون، إذ لولاها لما أمكن أن توجد ربما هذه الفنون.
المعلّمُ: ليس من شك أنّ الفن متعلقٌ في نظرك بالعقل، ومن ثمة فإنّ التصرّف بشكل فني معناه أيضا التصرّف وفق العقل. أليس كذلك؟
التلميذُ: هذا صحيح.
المعلّمُ: المترتب على ذلك أنه بدون العقل لا يوجد فنٌ.
التلميذُ: في هذه النقطة اتفق معك تماما.
المعلّمُ: هل تعتقد إذن أنّ الحيوانات التي تفتقر إلى اللغة والعقل، كما هو معلوم، قادرة على التصرّف وفق العقل؟
التلميذُ: بالطبع لا.
المعلّمُ: عليك أن تعترف إذن بأنّ الببغاوات والعقائق والغربان هي حيوانات عاقلة أو أنك تسرعت في اعتبار المحاكاة فنا. فنحن نعرف على سبيل المثال كيف أنّ العصافير قد تتعلّم عن طريق الإنسان على الغناء أو إصدار أصوات، وهذا بطبيعة الحال بواسطة المحاكاة. فهل لديك ما يخالف هذا الرأي؟
التلميذُ: لم استسغ جيدا النتيجة المترتبة عن هذه البرهنة.

Saint Augustin, Traité de la musique. Traduction de MM. Thénard et Citoleux. Paris, Editions du Sandre, 2006, pp 35-40.

شاهد أيضاً

حقيقة الوجود في ادب سارتر

علي محمد اليوسف بنى كل من (سارتر) واكثر منه فعل (بيكيت) صاحب ادب و مسرح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *