الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / رواية “عَين خَفشة” والنّقلة النّوعيّة في إبداع رجاء بكرية: عن النّكبة وتداعياتها

رواية “عَين خَفشة” والنّقلة النّوعيّة في إبداع رجاء بكرية: عن النّكبة وتداعياتها

 

بقلم   د. نبيه القاسم ناقد وكاتب فلسطيني

(1)

“..وهكذا كانت الطيور في “عَين خفشة” الدّليل والكاشف عن سرّ المقابر الرّقمية، كما كانت الجدّة صبيحة المذكّرة الدّائمة بأحداث النكبة وفُقدان الأعزاء وتغييبهم..” د.((نبيه القاسم

(2)

“..فالكتابة هنا فعلٌ سريّ وسحريّ ، وتتميّزُ بالكثافة والتركيز وتَعدّدِ طبقاتِ الدّلالة” (نبيه القاسم، ظلال الكلمات، دار الهدى للطباعة والنشر 2010. ص9/11) ويُشكّلُ الحوارُ عنصرا مهمّا، حيث تبرَعُ رجاء في تطويع مفردات اللغة العاميّة لتنسجها في عبارات جميلة أخّاذة، وتعرف كيف تنتقي مفردات تلفت انتباهَ القارئ المتذوّق لسحر الكلمة والحرف والحَرَكة..” د.((نبيه القاسم

البداية

تُشكّل رجاء بكرية ظاهرة متميّزة في عطائها الإبداعي، فهي منذ انطلقت في رحلتها الفنيّة تُلامس الريشة، وتمزج الألوانَ، وترسم اللوحة، اختطّت طريقَها المستقبلي في عالم الإبداع. لكنّ رجاء أدركت أيضا، ومن بداية مشوارها، أنّ الكلمةَ تظلّ هي الأصل، وهي أداة التّوصيل الأقوى، وأداة التّحريك التي تُخرِجُ الفكرَ من حالة الجمود للتّحرّك والتّململ، ومن ثم تفعيل الفكر والعاطفة، ورؤية العالم المعيش بمنظار مختلف جدا.

عندما قرّرتْ رجاء تركَ مجتمعها القروي والانتقال إلى حياة المدينة، كانت تُدرك أنّها تُحَرّرُ نفسَها من كلّ ما كان عالمُ القرية بمفاهيمه وعاداته وتقاليدة يُمثّل لها. وعالمُ القرية حتى منتصف سنوات الثمانين من القرن العشرين كان لا يزال مجتمعا ذكوريّا، تتحكّم في ناسه العاداتُ والتّقاليد وفتاوى رجال الدين على مختلف معتقداتهم. وكانت المرأةُ هي الضحيّة الأولى التي تراقبُها كلّ العيون وتترصّدُ حركاتها وتحاسبُها على كلّ ما تقوم به، وحتى ما يجول في خاطرها.

كانت الأصواتُ النسائيّة المتمرّدةُ ترتفع في بعض أقطار العالم العربي، وكانت تصلنا على تَباعد، وبشكل غير متكامل. لكنها أصواتٌ تُنبّه الرجلَ إلى ما ينتظره، وأنّ عهدَ السيطرة المطلقة على حياة وفكر المرأة قد اهتزّت أركانُه.

ما جمع ووحّد هذه الأصوات النسائية المتمرّدة الرّافضة لما هو قائم هو رفضُها على إبقاء آلهتها الممسوخة، وسَعيُها لامتلاك حريّتها كاملة، الحرية التي تعني الانعتاق من نير الأهل والمجتمع وكلّ التقاليد والمفاهيم وأَحكام الدين التي رسّخها المجتمع الذّكوري على مَدار الأجيال المتعاقبة بالنّسبة للمرأة.

لقد وجدت المرأة أنّ وسيلتَها القويّة والشّبه وحيدة لإعلاء صوتها وقول كلمتها والتّعبير عن همومها وذاتها هي الكتابةُ كما قالت هيفاء بيطار “الكتابة هي الطريقةُ السّحريّة الوحيدة للتّعبير عمّا يختلج في الصدر وهي تعبير عن حريّة المرأة” (امرأة من طابقين).

هكذا أصبحت الكتابة تُمثل الأداةَ الأولى لتحرّر المرأة من سَطوة الرجل وعادات وتقاليد المجتمع. أو كما قال الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: “إذا كانت الكتابةُ فِعلا من أفعال التّحرّر، فكتابةُ المرأة تحرّر مُضاعف. كتابة المرأة طَقس تتحرّر به من قيودها الداخليّة والخارجيّة المرئيّة واللامرئيّة. كتابةُ المرأة خروجٌ من ليل مظلم طويل إلى صباح كأنّه أوّلُ صباح خرجت فيه المادّةُ من عمائها السّديميّ إلى كينونتها الحيّة الواعية”. (إبداع، يوليو 1996، ص 4-5).

ما يجمع معظمَ الرّوايات التي كتبتها تلك الكاتبات الهمومُ التي أثقلت المرأةَ والقضايا الذاتيّة التي لم تعُد قادرةً على التّستّر عليها، ورغبتُها في إعلاء صوتها وشقّ طريقها وامتلاكِ قدَرها وحريّتها.

بهذه المفاهيم والأفكار الثوريّة التحرّرية انطلقت الشابّة الصّغيرة رجاء بكرية تحملُ صليبَها، وتعلنُ ثورتَها عَبْر لوحاتها الفنيّة التي تُبدعها ومن خلال كلماتها المتدفّقة التي تنثُرها.

كانت رجاء واعيةً منذ البداية لتَحديد الهدف واختيارِ الأدوات والتّمكّن من القُدرة على المواجهة كي تكتسحَ الحواجزَ وتحتلَ السّاحات.

الحريّة كانت المطلبَ الأوّلَ في مجتمع لا يعترفُ بأيّ حريّة للمرأة، ويحجزُها ضمن ما اعتادت عليه وعرفَها المجتمع به. وسلاح ُالمواجهة كان أنْ أتقنت رجاء لغتَها وعرفت كيف تتعاملُ مع مفرداتها وتراكيبها، وكيف تعزفُ إيقاعاتها وتأخذ سامعَها وقارئها في رحلة سحريّة لا يرغب في العودة منها. واختارت الفتاةَ المتعلمةَ، الواعيةَ، المثقفة، الرّافضة، السّاعيةَ أبدا للتّغيير والتّجديد لتكونَ الشخصيّة التي تُواجه بها الرّجلَ، وتتحدّى بها المجتمع.

وقصدت رجاء بكرية في كلّ إبداعاتها أنْ تضع المرأةَ في مركز الحَدَث والمحرّكة له بينما يكون الرجلُ هو التّابع، وهو الثانوي الذي مهما صرَخ لا أحدَ يسمع له. حتى أنّها جعلت بطلتَها في قصّة “الصّندوقة” لا تكتفي بالثورة على غدر الرّجل، وإنّما جعلتها تلحَقُ به، وتترصّدُه ومن ثم تصفعُه بكفّ يدها، وتتركُه في حالة ذهول لا يعرف ما يفعل.

الفتاةُ المتعلمةُ القويّة الواعية المتحديّة هي بطلة كلّ قصص وروايات رجاء بكرية. وهي المتحكّمة بالأحداث والمقيّدةُ للرّجل، ومعاقبته إذا تمادى في تصرّفاته. حتى أنّ رجاء أعطت لبطلة روايتها (امرأة الرسالة) كلَّ وسائل التّحرّر والتّحكّم والانطلاق، وأنْ تقرّرَ للرجل متى تُريده ومتى ترفضُه وتُبعده، متى تريد منه مولودا وفي أيّ مكان تلتَقيه. ولم يكن الرجل إلّا وسيلتَها وأداةَ تنفيذها الطّيّعة. وفي هذا الموقف الجريء كانت رجاء بكرية الوحيدةَ التي استطاعت أن تُبعدَ الرجل عن عنجهيّته الذكوريّة وتفرض عليه رغباتِ المرأة وقراراتِها، فتفرضُ عليه أين تلتقيه، ومتى، وهل تريد منه مولودا أم لا، وأنْ تقرّرَ امتلاكَها للمولود وحرمانَ الرّجل منه، كما فعلت “نَشوة” بطلة رواية “امرأة الرسالة”. وبهذا الموقف الشّجاع تمرّدت على كلّ المفاهيم التي حدّدها المجتمع، وأخرجت نفسَها من دائرة ما له علاقة بالحريم والحرام، وأعلنت أنّ جسدَها الذي تعشقُه ليس عورةً حتى تتسترَ عليه وتُخفيَه، وأنّ له الحقّ في مُمارسة مُتَطلّباته.

ووصل انعدامُ ثقة رجاء بكرية بالرّجل أنّها لم تُعطه أيَّ دور مهم، ليس فقط في علاقته بالمرأة والمجتمع وإنّما في العمل الوطني التَّعْبَويّ الذي طالما احتجزه لنفسه وتَفاخر به. فهي في رواية “عَين خفشة”(الأهليّة للنشر والتّوزيع 2017)، حيّدت الرّجل وحرمته من أيّ دور إيجابي، وحتى أظهرته في دور الضّعيف المستسلم الرّافض لأيّ عمل وطني، بينما أعطت للجدّة وحفيدتها دورَ البطولة والمبادرة والقُدرة على التّخطيط والتّنفيذ لرفض الواقع وخَلق عالم جديد.

 رواية “عَين خَفشة” والنَّقلة النّوعيّة في إبداع رجاء بكرية

اعتدنا في قصص وروايات رجاء بكرية الأولى أن تكون المرأة المتعلّمة، المثقّفة، البالغة، الواعية، المتمرّدة، الثائرة، الرّافضة، هي بطلة قصصها وراويتها. وأنْ تتركّز اهتماماتُها ومشاغلها في همومها الذاتيّة والعاطفيّة والجسَديّة وعلاقتها بالرّجل، ورغبتها في التمرّد عليه وإخضاعه والسّيطرة عليه،لكنّها في روايتها “عَين خفشة” خرجت على ما عوّدتنا عليه، وقدّمت إبداعا متميّزا فريدا:

  • تدور أحداث الرواية كلّها حول نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 وما حلّ به نتيجة للخيانات والتّقاعس والاتّكاليّة.
  • بطلتا القصة وراويتاها لبيبة الفتاة الصغيرة ابنة السبع سنوات، وجدّتها صبيحة التي فارقت الحياة وهي تُجاوز التّسعين من عمرها.
  • شخصيّة الرّجل صاحب السّطوة والمتحكّم انعدَمَت، وظهر بصورة الجبان الخائف الفاقد لكلّ أمل في تغيير الواقع ، وإذا ما حاول البَوح برغباته المدفونة سرعان ما كان يُغيّبُ وتنقطع آثاره أو يفقد وعيَه ويعيش عاجزا مرعوبا لا يتجاوب مع الذين يُحيطون به.
  • اتّخذت الطيور الكاسرة لتكون الدّليل على عِظَم الجريمة.
  • المكان استحوذ على كلّ الأحداث، وشكّل البؤرةَ الوحيدة التي تُثير اهتمامَ الناس وتفزعهم، وتؤكّد لهم جبنَهم وعجزَهم وفقدانَ كلّ أمل يرسمون .
  • الاستعانة بالأساطير لتكونَ الرّكيزة في دَفْع الأمل وتثبيت الحلم

دافع كتابة رواية “عَين خفشة”

تقول الكاتبة رجاء بكريّة:”إنّ دافعَ كتابة رواية “عَين خفشة” كان تقريرا نُشر في جريدة “الاتّحاد” الصادرة في مدينة حيفا قبل ما يُقارب العشرين سنة حول مقبرة الأرقام التي يدفن الجيشُ الإسرائيلي فيها الفلسطينيين الذين يقتلهم، ويشير إليهم بأرقام تدلّ عليهم”(في حوار أجرته الكاتبة مع الصحفيّة ريهام مغاري، الاتحاد 13 يوليو 2017).

أثار هذا التّقرير اهتمام الكاتبة، وبدأت عملية بحث واستقراء مُضنية للوصول إلى سرّ هذه المقابر ولحقيقة الجرائم التي تُرتَكَب وتُخفى عن الأنظار. وهي تُؤمن، كما تقول بأنّ”اغتيال الفكر لا يعفو عنه الزمن، فالموت يستيقظ كلّما تحرّش به رقم مارقٌ، وأنّ التاريخ يُسجّل أحداثه على سطور السماء، فلحبر الحقيقة لغة لا يهزمها، ولا رتل ذئاب. غير قابل للمحو، ولو اجتمعت عليه أسباب السماء. فالغراب الذي أخذ هابيل إلى حفرة أخيه أوّل بدء الخَلق قام بالمهمّة نفسها بعد بدء الخَلْق”(ص7). وهكذا كانت الطيور في “عَين خفشة” الدّليل والكاشف عن سرّ المقابر الرّقمية، كما كانت الجدّة صبيحة المذكّرة الدّائمة بأحداث النكبة وفُقدان الأعزاء وتغييبهم، “ففي بيت جدّتي الكبير ازدهرت مملكة البكاء. فيها يُذَبّحون الأشواق أيام الأعيادحدادا على عمّي المفقود.(ص11) و “تنويحاتها ذائعة الصّيت، مواويلها المغنّاة تحديدا، جعلتها مركز عالم قريتنا الصغيرة، وكانت نسوة العين كلّما غنّين مواجعهنّ بكين مثلها، فلكل منهن عزيز أُخِذ عنوة”(ص14)

لقد اهتمت رجاء أنْ تجعل من بطلة قصصها الرّاوية، وضميرُ الأنا كان البارزَ في السّرد، وهذا جعل الاهتمامَ بالذّات والعُزوفَ عن الهمّ الجماعيّ، فقد تركزّت في همومِها الذاتيّة وعواطفِها ومواقفِها من ذاتها ومن الغير. ولكنها في رواية “عَين خَفشة” أخرجت بطلتَها من ذاتها، وكشفت عن فلسفتها ورؤيتها ومواقفها الواضحة المصرِّحة بها. واختيارُها لضمير الأنا جعل المونولوج الداخلي هو المسيطر، وهو وسيلتها في الكشْف عمّا يختلجُ داخل بطلة روايتها من تَوتّراتٍ وعواطفَ وأحاسيس ورَغَبات، وعَرْض أفكارها ومواقفِها.

شخصيّات رواية “عَين خفشة”

ذكرتُ سابقا أنّ رجاء بكرية قصدت في كلّ إبداعاتها أنْ تضع المرأةَ في مركز الحدَث والمحرّكة له بينما يكون الرجل هو التّابع وهو الثانوي الذي مهما صرخ لا أحدَ يسمع له. ووصلت بانعدام ثقتها بالرّجل أنّها لم تُعطه أيَّ دور مهم، ليس فقط في علاقته بالمرأة والمجتمع، وإنّما في العمل الوطني التَّعبويّ الذي طالما احتجزه لنفسه، وتَفاخر به.

ونجد في رواية “عَين خفشة” كما تقول الكاتبة في حوارها مع الصحفيّة ريهام مغاري، ” إنّ للمرأة في رواية “عين خفشة”حضور طاغ، والأنوثة في الغالب سيّدة تملك تغيير منطق الزّمن وفق هوى خصوبتها. للمرأة خصوبة طاغية تغيّر مناخ الزّمن والتّاريخ والجغرافيا. للنّصّ رائحة امرأة، كلّ النساء اللواتي ترويهنّ الحكاية، زهوّا، بكاء، قتلا، نزوحا، جميعهنّ يُغنّين، ولو التوين في نكسة الأغنية. وجوه النّساء وأصواتهنّ تحديدا وظيفتها أنْ تلوّن وتُبهّر مَذاق الحَدَث ومكاناته ومناخاته أيضا. وتعلّم النساء أعمارهنّ شأن الجدّة، حارقة الصّوت، بمذاق المراحل. فالجدّة صبيحة تتلوّن بين طفولتها وصباها وشيخوختها كنموذج غير متداول لمراحلَ عُمريّة تقليديّة، تتجاوز أرقامها لتنثر عبر المسبحة دهشة لن تستفيق منها قبل موتها. مذاق النّغمة مميّز فنّي مثلا لشكل العلاقة التي تربط بينهنّ، وهي تُحدّد مسار الحَدَث غالبا. للغناء لغة، وللحكي لغة، وللبكاء مَسرب آخر يؤلم، وللنواح رجفة ثقيلة في عين الحرف مثلا. كلّها نساء مفاتيحها حروف مسنونة كالسكاكين تماما، كلّما دوّرتها بين يديك وخزَت جزءا منك. فالنساء بيوت وذاكرة بعضها ذهب وبعضه أُذهِبَ، والباقي يقاوم ذهابه”(الاتحاد 13 تموز 2017).

الشخصيّات النسائيّة في رواية “عين خفشة” إيجابيّة  وفعّالة ولها وجودها وأثرها على رَصْد الأحداث وتوجيهها. فالجدّة صبيحة هي راوية أحداث النّكبة التي عاشتها، وحافظة تفاصيلها، والسّاهرة على تَذكير الناس بما كان، والاهتمام بالعمل على استرجاع الحقّ لأصحابه.”بقيتْ حتى ساعاتها الأخيرة تُردّد بين التّنويحة وموّالها مونولوجا طويلا يحكي نكبة الشعب الذي ظلّت تحشره في عبّها حتى لا يعثر عليه وعليها أحد”(ص17).”أهل الحي تحصّنوا في صمتهم، عكسها تمامًا. أصرّت أن تحكي بلا توقّف، وعن كلّ ما رأته وسمعته ونسجته ذاكرتها الخصبة حتّى خانها صوتها”(ص 67)”مرّة جيش الإنقاذ دُحر، ومرّة هوجم، ومرّة ضاع. ضاعت النّاس وبكيت. إللي ركض ونسي مْرته واللي دفَن بالحَيا بنته، واللي وقع من قهره عالدّخانة، واللي واللي واللي” (ص109).

هذه الأحداث والوقائع لم تجرؤ الشخصيّات الذّكوريّة على فضحها ، متمثلة بالأب والشيخ بدر العبدالله، اللّذين لاذا بالصّمت والتكتّم والرّضوخ للواقع.

وكانت وصيّتها “سجليها، يا ستّي، على كوعكْ، على بطّة فخذك، المهم ما تنسي”(ص7). “لا تروحوا يا ستّي، وتخلّوا الأرض سايبة لولاد الحرام. بتموت لحكاية وبنموت معها”(ص120) “لا يا ستّي، لا تيأسي، إحنا الفلسطينيّة مشوارنا بدّو نَفَس طويل”(ص121). “كلهم خونة يا ستّي، ما في حدا همّه غُلُبنا، وقلّة حيلتنا. يا ويلي علينا”(ص179) “لا الحجر، ولا الضبع ولا الوعر راحوا، كلهم بستنّوا، ديري بالك على الحبر والدّمع والورق، هذول تاريخهم كُلّو ورق، ما تضَيّعي قصقوصة. لمّي قلبي يا ستي، لمّي قلبي”(ص215). “هون يا ستّي، ما في مكان غير هالعين نْقَربِط برقبتها”(ص296).

وتحوّلت الجدّة صبيحة بعد موتها “إلى قدّيسة يحلفون بأفضال حكمتها على صغارهم قبل كبارهم”ورويت عنها الأساطير، وتناقل الناس ما حدث ليل جنازتها، كيف فوجئ شيوخ القرية بظهور نجمة غريبة فوق بيتها مباشرة، حيث استراح جثمانُها، أضاءت لمرّات متعاقبة وسط الغيوم الدّاكنة، ثم اختفت، مُخَلّفة وراءها ضجّة كبيرة لم يفهمها سوى بدر العبدالله”(ص18).

أمّا الشخصيّة النسائيّة الثانية فكانت لبيبة ابنة السبع سنوات، حفيدة الجدّة صبيحة، ومرافقتها وحافظة حكاياتها وأسرارها، والمتعهّدة بتحقيق حلمها بالعمل على استرجاع حق أبناء شعبها الفلسطيني بتهيئة الوسائل الفعّالة مثل بناء أسطول بحري ينقلهم من كل بقاع العالم لوطنهم، ومثل أن حفظت قصّة نكبة شعبها وما شهدته من أعمال العدو خاصة اكتشاف مقبرة الأرقام على فخذة رجلها حتى لا تضيع الحقيقة وتُزيّف. وكانت تتحدّى والدَها وترفض اعتراضَه على ما تقوم به، ولا تقبل منه المسّ بجدّتها، وكثيرا ما كانت توجّه له الأسئلة المحرجة والاتّهامات المبطّنة، وترفض أوامر أمّها، وتعمل بما تراه صحيحا، كما أنّها خرجت على تقاليد وعادات ومفاهيم أبناء بلدتها، وكانت تخرج لترافق الأولاد كما البنات، وتختار الولد الذي يعجبها فيكون أثيرها وحبيبها ولا تهتمّ بما يقوله الناس، وكانت جدّتها راوية لما كان في الماضي،  وحريصة على حفظ الحكاية وانتقالها من جيل إلى جيل “هاي أمانة برقبتك، يا ستّي، بلادنا ما بتنترك. وبدّك تظلّي تحكي تَتِسْمَع الدّنيا عنّا”.(ص286) هكذا كانت لبيبة راوية الحاضر وحافظة الأحداث التي تجري أمامها، وتُشارك بها والمتعهدة بالعمل لتَحقيق الحلم وعودة الغريب المهَجّر لوطنه وبيته، وتقول بألم جارح وقد حفظتها السنون، ووصلت كجدّتها التسعين من العمر دون أن يتحقّق حلمُها ويعودَ المهجّر البعيد إلى وطنه وبيته “أنا لبيبة بنت طاهر المزيّن دوّخَتْ رأسي مصائب قريتي البعيدة. فضولي يزداد يوما بعد يوم لأنّ الحكاية لا تنتهي. الغربان لا تزال تنعب والسّماء تستحيل، بسرعة البرق، إلى مظلّة سوداء تُرعب الأطفال الباحثين عن عصافير المساء. هكذا تستحيل الحكاية إلى أسطورة تُبكي”. وبألم عميق تقول “كم كنتُ واثقة بقدرتي على تغيير العالَم، ومتأكّدة من قُدرة بيارة بيتنا المتواضعة على بناء أسطول بحري عملاق يُحرّر بلاد جدّتي من الاحتلال! لم أبنِ أسطولا ولم أحرّر بلدا ولا أعتَقْتُ رجلا واحدا من القَهر، لكنّي حرّرتُ حكاية لوعة عن بلاد جدّتي، التي لا يُفارقني موّالها العاطل عن الدّمع، الواقع تحت الأسر”(ص284/285).بقيت أنا، لبيبة تقدّم بها الوعدُ والوَجد، وفي جيل التسعين ورثتُ حَزم جدّتي صبيحة، وسبّابة قلبها الواقفة مثل شهادة فوق أرقام الجثث. أصبحت مثلها ومثل عجائز عين خفشة المتحلّقة حول مواقد الجَمر في تشرين أحتقن قهرا، وانتظارا وأنوح كلّما أغارت قافلة من الغربان خلف الجسر، والتَقطَتْ شيئا لا نراه في مناقيرها”(ص296).

ناعسة كانت الشخصية النسائيّة الثالثة، وهي فتاة فقيرة شَحّادة عشقَها عسّاف، وتغنّى بها وذاعت قصةُ حبّه لها، اختارها شيوخ ديوان القرية له كي يُهدّئوا من روعه بعدما سمعوا قصتَه المرعبة عن مقابر الأرقام. كانت ليلة عرسها وعسّاف ليلة ليلاء شارك بها الجميع. لكن ما حدث أن استيقظ عسّاف فجأة آخر الليل وبدأ يصرخ، وأخذ يجري، وناعسة تجري خلفه تناديه ولا يسمعها، وهو يصرخ ويردّد: “أنا لا أنام يا ناس، لا أنام يا ناعسة”. لكنّ الصّقور التي حاصرت عسّاف، وطاردته انتقاما منها لما يقوم به من دفن الجثث، تغلّبت علىيه وقتلته، فضيّعت ناعسة عقلَها، وصارت تعوي وتهذي وأصبحت تاعسة بدلا من ناعسة، لم تعد لوعيها وظلّت تُلاحق الغيم الأبيض، وتجوب حواري عين خفشة تملأ عبّها ريشا وتُردّد: كان سينتهي من سيجارته.

وكانت نهاية ناعسة بأن احترقت ذات ليلة شتائيّة باردة داخل برّاكية الإسبست بسيجارة مشتعلة.(ص282)

موقف الكاتبة المختلف من الرّجل

وقفت الكاتبة موقفا سلبيا، وحتى مُتّهما، من معظم الشخصيّات الذكوريّة، ووجّهت لهم تهمة الخنوع والذلّ والاستسلام بضياع الوطن وتهجير النّاس “كانوا حينذاك يرتعبون من أعراض المقاومة، فقرّروا ألّا يُقاومواإحباطا لأيّ فكرة اقتلاع جديدة. خافوا فزّاعات اليهود الذين استوطنوا بين ليلة وضحاها أحراشَهم، وصاروا إلى أصحاب مكان. كانت الحقائق أكبر من عقولهم. وفكرة المقاومة صعبة ومهدِّدة لصغارهم قبل كبارهم على حدّ سواء. اعتقدوا أنّهم سيخسرون ما تبقّى في خوابيهم للأبد، فلاذوا بصمت قاهر. اختبأوا داخل حقائقهم المزوّرة وتحدّثوا بلا نهاية مع الرّيح والحمام والشجر”.(ص81). وفرسان البدو الأشدّاء الذين رأت فيهم الأمل باسترجاع الوطن والأهل خيّبوا أملها “قيلَ أخذوا فرسان البدو الصّغار إلى العسكريّة، وقيل ذهبوا طوعا.”(ص180). وعسّاف ساعد الجنود في دفن الفلسطينيين الذين قتلوهم، وعمل حفّار قبور مقابل بعض الدّراهم.(ص265) و”آسر” فتاها المحبوب مُفجّر أنوثتها اختفى فجأة ولم تعثر عليه. وعمّها “بدر العبدالله” الذي كان المحرّض على المقاومة وعدم النسيان والغفران، ويحكي الحكايات التي تثير حماس وآمال الأجيال الشّابّة فَقَد القدرة على الحديث والتّحرّك، وحتى عمّها “خير” الذي هُجّر عام النكبة ظلّ حلما يرمز للبطولة والقوّة لا يتحقّق في الواقع، حتى والدها الذي أحبّته وكانت تتبّع تنقّلاته وتصرّ على مرافقته أينما ذهب، كان حريصا على ابنته وأهل بيته، ويحذّر من أي كلام أو عمل يجلب المخاطر والانتقام من السّلطات. “طيّب لبيبة يابا، هذا عمّك بدر ضيّع عقلاته، إوعي تحكي هالحَكي لحدا لأنّو راح يحبسوكي”. ويهمس لها محذّرا “إسمعيني لبيبة، فلسطين راحت، بس ما بدّي تروحي إنتي كمان”(ص231). وفزع عندما سألته “كيف سيعود عمّي يا أبي؟” وأجابها وهو يشدّ على أذنها “يا بوي خرّبت بيتي، ما حدّ راح يرجع ولا يتشحّر، هاي سِتّك كانت تْخرّف.”(ص18)

جماليّة لغة الرواية

جماليّة لغة رجاء بكريّة تبدو واضحة في “سريان موسيقى الشّعر في تضاعيف البناء والنسيج القصصي، وتتوازى شاعريّةُ القصّة مع سَرديّتها. وتمتاز بشعريّتها وتكثيفها وصَفائها. وتظلُّ اللغةُ وفنيّةُ الكتابة هي الأساسُ، فالكتابة هنا فعلٌ سريّ وسحريّ ، وتتميّزُ بالكثافة والتركيز وتَعدّدِ طبقاتِ الدّلالة” (نبيه القاسم، ظلال الكلمات، دار الهدى للطباعة والنشر 2010. ص9/11) ويُشكّلُ الحوارُ عنصرا مهمّا، حيث تبرَعُ رجاء في تطويع مفردات اللغة العاميّة لتنسجها في عبارات جميلة أخّاذة، وتعرف كيف تنتقي مفردات تلفت انتباهَ القارئ المتذوّق لسحر الكلمة والحرف والحَرَكة مثل في كلمات “تعبّأني الشّك”(ص28) وما توحيه الكلمة من دلالات خَفيّة عميقة تدلّ على استحواذ الشك بصاحبه حتى يُحيل حياته إلى دمار شامل. وكلمة “شلَخَتْ”(ص46) التي تدلّ على رَمي الواحد بغضب وقوّة لما لا يُريده وعافَه. وكلمة “أوْهَر” “أوهر من الخوف”(ص71) التي تصوّر الفزع والخوف الذي يصيب الواحد في بعض المواقف. وكلمة “قَراقيح” “قراقيح القَهر”(ص75) التي تدلّ على عمق القَهر الذي يحسّ به الواحد وتغلغله في أعماق  أعماقه، وكلمة “ستَحُوفُه”(183) بما تدلّ عليه من إصرار في الملاحقة، وكلمة “يشلَعُني”(ص184) بما توحيه من تمزّق قاس وعنيف قاتل. وغيرها كثير. وكما المفردات الجميلة نجد الصّوَر الأخّاذة مثل “تفركُ الحكايةُ جَزَعها بملابسي، وتنرسم تحت شتاء يعيش تحت وعيد”(ص71).

وتستعين الكاتبة بالأساطير الشعبية لتؤكّد موقفا أو فكرة، وكانت تكتفي بذكرها أو التّلميح لها أحيانا، ومن هذه الأساطير التي شغلت عالم وخيال الأطفال سنوات عديدة “بيضاء الثلج” “السندباد”، فريط الرمّان” والنسر الذهبي”.

المكان له حيّزه المركزي في روايات وقصص رجاء

قد يكون مخزونُ الحكايات والقصص التي سمعتها رجاء في صغرها حول ما حدث للبلاد وأهلها عام 1948 قد تفاعل أكثر، وأخرجها من سَكينتها،وأحسّت به وعاشته بعد انتقالها إلى مدينة حيفا وملامستها للتّزوير والكذب للواقع الحقيقي للبلاد وأهلها، وأشعرَها بأنّها ابنة الشعب المهان المسلوب بيتُه ووطنُه وحريّتُه وقدرتُه على إسماع كلمته التي يُريد أن يقول.

هذا الواقع الذي واجهته رجاء أشعرها بقيمة المكان الذي تُقيم فيه وبقُدسية البلد الذي هُدِم، وبمأساة الناس الذين هُجّروا. وبهذا أخذت على عاتقها إعْلاء صوتِها المُطالب بالحقّ والحقيقة ، والمُعلن للملأ أنّا هنا فوق تراب الوطن الذي انتُهك.

وكان ما واجهته رجاء وغيرُها من عرب البلاد منْ رفض وإبعاد وتَجاهل من قبَل الأهل الأشقّاء في العالم العربي، ومن جهة ثانية عمليّة التّدمير والإخفاء لكلّ ما له علاقة بانتماء الشعب الذي كان بالبلد الذي اسمُه فلسطين.

وكانت محاولات رجاء بترسيخ قيمة المكان وقُدسيته لدى كل راغب في سَماعها، وحمَلتْ أسماءَ عكا وحيفا ويافا والناصرة لترسّخَها في ضمير كلّ عربي في روايتها “امرأة الرسالة”، وأكّدت أكثر من مرّة أنّ حبَّها، مهما بلغ لكاظم العراقي وسواه من الذين عاشرتهم وعرَفتهم، أو لمدينة لندن وغيرها من المدن، لا يمكن أنْ يكونَ بنفس قَدْر حبّها للحبيب الفلسطيني أو لعكا ويافا وحيفا . فقد ترحلُ وتبتعدُ وتتعرفُ وتُعاشر، لكنّ حبّها يظل للوطن وأبناء الوطن.

وتبدو مركزيّة المكان في رواية “عين خفشة” حيث استطاعت بخَلقها للبلدة الوهميّة والمكان الوهمي أنْ تُعَيّشَ قارئَها في واقع حقيقي عاشه أهلُه منذ سبعين عاما، ولا يزال هو يعاني من تَركاته حتى اليوم. لقد حوّلت حارات البلدة ومجالسها إلى عوالم حيّة تعج بأهلها. وشدّت القارئ إلى مكان المقابر الرّقميّة لتستحوذ على فكره واهتمامه ، وتُثير لديه الأسئلة الكثيرة والبحث عن جوابات لها. وجعلت الطيور الكاسرة التي تعتاش على لحوم أشلاء قتلانا، رغم قسوتها وبشاعة ما تفعل، دليلَنا إلى الجريمة الكبيرة التي تُقتَرَف بحقّ الذين قُتلوا، وفَقد الأهل كلّ أثر لهم.

أخيرا

تظلّ رجاء بكرية الكاتبة والفنّانة التشكيليّة علامة بارزة في ساحات ثقافاتنا العربية على طول العالم العربي، وتؤكّد أنّها القادرة على التطوّر والتجدّد والعطاء.

الرامة – الجليل. 

13 أكتوبر 013

شاهد أيضاً

تفاهة الشر: حنة أرندت في القدس 

بقلم: كريم محمد “الشرّ دائماً متطرّف وليس جذريّاً أبداً. الخير هو الجذريّ والعميق”. حنّة أرندت. -1- …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *