الرئيسية / منتخبات / ترجمة / “الشكل الفني والتجريد من منظور روبير دولوني”  تأليف: روجيه غارودي

“الشكل الفني والتجريد من منظور روبير دولوني”  تأليف: روجيه غارودي

ترجمة: كمال بومنير

لا شك أنّ التجريد الذي قصده الرسّام التشكيلي الفرنسي روبير دولوني Robert Delaunay ليس إسقاطا لعالم داخلي –مثلما هو الحال بالنسبة إلى فاسيلي كاندنسكي Wassily Kandinsky – وإنما هو عبارة عن تحليل وتنظيم “غنائي” للعالم الخارجي. معلومٌ أنّ كاندنسكي كان قد خلق رموزا ليطلعنا عبر استعارات وما شابهها على كُربه وآلامه وآماله، أما عند دولوني فينشأ الانفعال عنده من خلال عملية الإدراك نفسها التي يتم فيها إبراز لحظة من تجربتنا البصرية التي لا نعيرها اهتماما يُذكر فيما يخص علاقتنا النفعية بالأشياء. وإذا كان فن الرسم عند كاندنسكي مجرد”عبور إلى أقصى حد ممكن” بحسب ما ذهبت إليه التعبيرية Expressionisme والسريالية Surréalisme فإنّه عند دولوني عبور إلى أقصى حد انطلاقا من الحركة الوحشية Fauvisme. لذلك نجد في مقابل النزعة التعبيرية المجردة عند كاندنسكي الحركة الوحشية المجردة عند دولوني. والحقُ أنّ هذا الأخير قد انجذب بين عامي 1906-1907 إلى انعكاسات وتقزحات الضوء على الأشياء وخاصة على الزجاج. ولم يكتف بدراسة،على بلاط كنيسة في سانت سيفرين Saint-Séverin، إسقاط زجاجية الكنيسة على الأرض بل درس أيضا الالتواءات التي يحدثها الضوءُ على الدعائم والقبب. أما زجاج النافذة فيتصرف تحت تأثير الشمس كطيف شمسي. وفي هذا المضمار تجدر الإشارة إلى أنّ دولوني قد حلّل أكثر من مرة انحلال الضوء وكيفية إعادة بنائه من جديد كما أنه استخلص أيضا من دوران الأضواء الكهربائية لمدوّرة معرض الأطفال لحظة انبهار العين والصور المضيئة الناشئة عن إثارتها. وبذلك، ومن برج إيفل نفسها، ومن لوحة إلى لوحة لم تبق سوى البنية الضوئية. والحقُ أنّ دولوني كان يبحث -أولا وقبل كل شيء- على كيفية التعبير عن الحيوية التي كانت تنشط السهم اعتمادا على وسائل تكعيبية أي: فصل الأحجام ثم إعادة بنائها من جديد بواسطة إيقاع يعطي للحركة طابعا حسيا ثم التعبير عنه أخيرا بواسطة حركة الضوء نفسها. وفضلا عن هذا، فقد ارتبطت المراحل الأخيرة التي قطعها دولوني قبل أن يتعدى “عتبة التجريد” الخالص بتجربة حركة الحياة الحديثة وتوجيه الضوء المترتب عن السرعة والمتمثل على وجه الخصوص في: السيارة، المترو، المصعد الكهربائي، الطائرة، الواجهات الزجاجية، الإشارات والأضواء التي تتحوّل بسرعة كبيرة وفي كل الاتجاهات، بحيث لم نعد نرى سوى شُهب أو صواريخ وتقزحات أو حُزم واسطوانات. وعلى هذا النحو، استخلص دولوني من هذه التجربة البصرية الخاصة بالحياة الحديثة نتيجتين وهما: أولاها، أنّ للضوء بنية مستقلة عن الأشياء التي يتحرك فيها أو يستقر. والثانية، أنّ الضوء ليس واقعا ثابتا وإنما يحمل في ذاته إيعاز الحركة. وبذلك، فهي عبارة عن مبادئ شاعرية اللون عند دولوني. لقد عبّر هذا الأخير في لوحة “تحية لبليريو” Blériot عن هذا الاكتشاف بشكل جديد في التفاعل مع العالم والتعبير عنه. أما العنصر الأساسي في بناء هذه اللوحة هو التحليل الطيفي لمجازفات شعاع ضوئي مجزأ ومنكسر لا بطيف شمسي ولكن بدوران مروحة الطائرة. والحقُ أنّ دولوني قد استعاد هذا الموضوع مرات عديدة مثلما فعل ذلك في عام 1923 لما نظم اللوحة الفنية وفق الشكل الحلزوني للمروحة، بحيث ألغى كل إحالة تشخيصية للطائرة محتفظا بحركة المروحة فقط، بصرف النظر عن شكلها، وعبر عدة أسطوانات ملوّنة.
هذا، وقد انطلق دولوني في لوحة “تحية لبليريو” من الانطباع البصري المألوف للمطار حينما، وقبل اكتشاف المحركات النفاثة، كانت تدار بعض محركات الطائرات في آن واحد، وطائرات أخرى كانت تقلع أـو تنزل، إذ ذاك كان المَدرج والسماء يريان من خلال حركة المروحيات في مقابل الشمس بواسطة عجاج بحيث لم تعد سوى باقة زهر لامعة. ولكن ومع ذلك فإنّ دولوني لم يُفقر الواقع وإنما أعطاه طابعا شعريا من خلال استحضار ذلك العصر الأسطوري لخلق العالم حينما كان الضوء منفصلا تماما عن الظلمات.وفضلا عن هذا، إذا كان الضوء يقضي على أشكال الأشياء فإنه في الوقت نفسه يحمل نظامها وحركتها. وبدلا من الواقعية النفعية لليومي سينشأ واقعٌ آخر، شاعريٌ وأسطوري مكوّن من أقواس قزح [..] معلومٌ أنّ مسار دولوني الفني كان قد بدأ مع الحركة التعبيرية التي أشادت بالضوء مضحية في ذلك بالموضوع والأشكال. ولا شك أنّ التطبيق المنظّم للألوان ولا سيما لقانون “التباينات المتزامنة” لشوفرول Chevreul من طرف سورا Seurat كان بالنسبة إليه درسا حاسما. والحقُ أنّ كل الأعمال الفنية التي أنتجها دولوني في مرحلة نضجه وخصوصا لوحة “تحية لبليريو” قد تأسست على هذه القوانين المعمارية للألوان. ومن هنا نشأت ما كان يسميه غيوم أبولينير Guillaume Apollinaire ﺑ “الأورفية” Orphisme. وبذلك، فإننا أصبح نتجه –كما يقول هذا الأخير- نحو فن جديد تماما، بحيث سيكون فن رسم خالصا، ومع ذلك لا يزال –والحقُ يقال-في بدايته، بحيث لم يصل بعد إلى أعلى مستوى من التجريد.وعلاوةً على هذا، فإنّ إشادة وتعظيم الوحشيين للون ورفضهم إخضاعه للموضوع قد مثّل بالنسبة لدولوني تجربتين أساسيتين، فلا غرابة، والحال هذه، أن نتتبع عبر أعماله الفنية مراحل تحرير الضوء من الأشياء والسير نحو “تجريد” الضوء انطلاقا من الواقع اليومي. وفي رسالة موجهة لكاندسكي يقول دولوني فيها: “لا زلتُ انتظر تخفيف القوانين التي وجدتها مرتكزة على البحث عن شفافية اللون المماثلة للنوتات الموسيقية وهذا ما دفعني إلى البحث عن “حركة الضوء”. ومما لا شك فيه أنّ بحوث الفنانيْن (كاندنسكي ودولوني) تختلف في الشكل والمضمون معا. وقد أشار دولوني إلى هذا حينما ذكر أنّ الفكرة الثابتة التي انطلق منها كاندنسكي قد ارتكزت على الشكل (بمفهومه التكعيبي)، في حين أنّه من جهته يستعمل وسائل ومواهب حساسيته وأنه عدو الفوضى في فن الرسم. والحقُ أنّ كلمة فن تعني في رأيي –كما يقول دولوني- الانسجام والتناغم، ولا أتحدث هنا بلغة الرياضيات، علما أنني غير مهتم بالجانب الروحي ولا أتحدث عن الحركة الميكانيكية بل عن الحركة المنسجمة والمتناغمة مادام أنه يوجد شيءٌ اسمه التزامن أي العُمق.

المرجع:
Roger Garaudy, 60 œuvres qui annoncèrent le futur.7 siècles de peinture occidentale, Paris, éditions d’art Albert Skira, 1994, pp 273-275.

 من أرشف البروفيسور كمال بومنير:

حوار مع الدكتور كمال بومنير

الدكتور كمال بومنير يعد البروفيسور كمال بومنير أحد الأقلام الفلسفية الجادة في العالم العربي، يساهم في إغناء الدرس الفلسفي تأليفا وترجمة. بدأ مشواره الدراسي على يد الأستاذ لخضر بوناب بثانوية ابن رشد حيث قرأ لكارل ماركس وجان بول سارتر وغاستون باشلار وهنري برغسون… والتحق بجامعة الجزائر ودرس الاستطيقيا والفلسفة الألمانية …

أكمل القراءة »

جاك دريدا: “الحقيقة في فن الرسم”

ترجمة وتقديم: كمال بومنير جاك دريدا Jacques Derrida فيلسوف فرنسي معاصر. وُلد بمدينة الجزائر عام 1930، يعد أحد مؤسسي الفلسفة التفكيكية، وقد حققت له شهرة عالمية، وخاصة في العالم الأنغلوساكسوني. هذا، وتجدر الإشارة إلى أنّ التفكيك Déconstruction عند دريدا بمثابة موقف فلسفي، الغرض منه إبطال نمط من التفكير ساد الفكر …

أكمل القراءة »

“الحقيقة في فن الرسم”  تأليف: جاك دريدا

ترجمة وتقديم: كمال بومنير جاك دريدا Jacques Derrida فيلسوف فرنسي معاصر. وُلد بمدينة الجزائر عام 1930، يعد أحد مؤسسي الفلسفة التفكيكية، وقد حققت له شهرة عالمية، وخاصة في العالم الأنغلوساكسوني. هذا، وتجدر الإشارة إلى أنّ التفكيك Déconstruction عند دريدا بمثابة موقف فلسفي، الغرض منه إبطال نمط من التفكير ساد الفكر …

أكمل القراءة »

“فن الرسم بين فرانسيس بيكون وبول سيزان”، تأليف: جيل دولوز

ترجمة وتقديم: كمال بومنير جيل دولوز Gilles Deleuze فيلسوف وناقد أدبي فرنسي معاصر، وُلد بمدينة باريس عام 1925. كان متأثرا إلى حد كبير بنيتشه وبرغسون وسبينوزا، ولكنه استطاع أن يشق لنفسه خطا فلسفيا أصيلا ومتميزا على الساحة الفلسفية الفرنسية منذ الستينيات من القرن العشرين، وهذا ما يظهر بجلاء بالنظر إلى …

أكمل القراءة »

“هل الجمال ذاتي أم موضوعي ؟”  تأليف: فينتشنزو جيوبرتي 

ترجمة وتقديم: البروفيسور كمال بومنير فينتشنزو جيوبرتي Vincenso Gioberti فيلسوف إيطالي، ولد في مدينة تورينو عام 1801 وتوفي في باريس عام 1852. تلقى تعليمه الديني في بداية حياته ليكون قسيسا، وقد تقلد فعلا هذا المنصب عام 1825، ولكن وبعد سنوات قليلة أصبح أستاذا للاهوت في جامعة تورينو، غير أنه ولأسباب …

أكمل القراءة »

” الفن ﻛ “حضور” في العالم” – تأليف: موريس ميرلو بونتي

ترجمة وتقديم: كمال بومنير موريس ميرلو بونتي Maurice Merleau-Ponty فيلسوف فرنسي معاصر ولد سنة 1908، دارت أعماله الفلسفية حول الوجود الإنساني الذي يتحدد من الناحية الأنطولوجية من خلال مفهوم الجسد وعلاقته بالعالم. أما من الناحية الجمالية، فقد اهتم ميرلوبونتي بفن الرسم مبينا ارتباطه بالبعد الأنطولوجي وبرؤية العالم وبإمكانيته الكشف عن …

أكمل القراءة »

“التقنية ومسار الحضارة الإنسانية” تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير هربرت ماركوز Herbert Marcuse فيلسوف ألماني معاصر (1898-1979). تأثر بهيغل وماركس وشيلر وهيدغر وفرويد. انظم عام 1934 إلى معهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت إلى جانب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وأسهم في تعميق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من خلال مقالاته وبحوثه. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية …

أكمل القراءة »

حول مشكلة التغيير الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة :كمال بومنير النص: لقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك أنّ الجهاز التقني في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا أصبح يفرض اليوم مقتضياته الاقتصادية والسياسية على أوقات عمل وفراغ الإنسان، بل وعلى الثقافة المادية والثقافة الذهنية أيضا. لذا، يتعيّن علينا أن نشير هنا إلى أنّ هذه المجتمعات تميل اليوم –بفضل تنظيم …

أكمل القراءة »

“الجميل وفكرة الحقيقة” تأليف: كارل فلهام سولغر 

ترجمة وتقديم: أ.د / كمال بومنير كارل فلهام سولغر Karl Wilhelm Solger فيلسوف ألماني ولد في مدينة شفيدت عام 1780، وتوفي في مدينة برلين عام 1819. تحصل على منصب لتدريس الفلسفة في جامعة برلين عام 1811، ثم تقلّد منصب مدير جامعتها بين 1814/1815. هذا، ويعد سولغر من بين الفلاسفة الذين …

أكمل القراءة »

هل يمكن أن تقوم المتعة الجمالية مقام حكم الذوق؟ تأليف: مارك جيمينيز

ترجمة : أ.د/ كمال بومنير لا شك أنّ تعريف كلٍ من المتعة واللذة الجماليين ودورهما ومكانتهما في التجربة الفنية أو الجمالية لمن المشكلات الأساسية المطروحة اليوم في الفكر الجمالي المعاصر. لقد قامت في القرن السابع عشر مواجهات حادة بين المعارضين والمدافعين عن العاطفة من عقلانيين وتجريبيين، وذهنيين وحسيين، فقد أعطى …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

الاغتراب في الوجودية  الجزء 2

  علي محمد اليوسف الفهم الفلسفي الاغترابي لدى فيورباخ وماركس: يفهم (فويرباخ) الذي سبقت مفاهيمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *