الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / حول استعادة  ” الله ” من الجماعات الإرهابية

حول استعادة  ” الله ” من الجماعات الإرهابية

سامي عبد العال

ربما لم تُوجد كلمةٌ أُرْيقت بدلالتها الدماءُ مثلما أُريقت تحت كلمة الله. ففي كلِّ مرةٍ يقتل إرهابيٌ شخصاً آخرَ، لا يكون مقصودُها واحداً بين الاثنين. على الأقل يزعم الإرهابيُ كون القتيل قد تخطى رقعة الإيمان( المرتّد ) أو لم يؤمن ابتداءً( الكافر). كما أنَّ دلالة الكلمة بمُراد القاتلِّ تأتي مؤولَّةً بعنفٍ دون رجعةٍ. الإرهابي يقطن الكلمات مُفرِّغاً كراهيته الحدِّية إلى أقصى مدى، وتاركاً على جسدها انغلاقَ الفهم والتَّزيُد المشط تجاه الآخر.

خلال التاريخ الراهن تَعرَّضَت دلالة الإله لأكبر عملية ” سطو لاهوتي ” مسلح. زعماً أنَّ كيانه ليس إلاَّ فعلاً إقصائياً تهيمن عليها خطابات الإسلاميين المتشددين، الله كما يمارس الإرهابيون هو: المنتقم، الجبَّار، المهلِّك، المميت، القاطِّع لدابر الكفار، المدمر، المخيف، الآمر بمضغ أكباد البشر، الآمر بسبي النساء!! وكل اسم يرقد فوق خطورة عملية تبرر ذاتها بملء الكلمة. فقذفوا مفهوم الإله إلى الأمام لاستحلال جز الرقاب وطهي الرؤوس متناسين: كيف انتهكوا حدوده الميتافيزيقية وسرقوا قدراته العليا. صحيح أنَّ الإله لا يتَّكشف في ذاته، لكنهم استدرجوه إلى مصيدة اللغة بمراسم الأصولية العنيفة!!

في المقابل تناسى الناسُ العاديون: إمكانية الاعتقاد كيفما شاءوا وأنْ يشرِّعوا بحرية لحياتهم الإنسانية. وبالتأكيد فضاء المقدس غير قابل للاحتكار ولا الاستحواذ المُذل، لكنهم أخطأوا حين خاضوا مجابهة الإرهابيين بمنطقهم الخاص وآلياته. أي صدَّقوا ضمنياً بأنَّ الإله هناك بين أنياب السلفية الجهادية والقاعدة وداعش والنصرة وبوكو حرام. وهرولوا وراء آثار الإرهاب غافلين أصلَّ الداء. ثمَّ لاحقوا الذئاب المنفردة دون بنية التوحش المقدَّس التي تخلق أجيالاً أكثر عنفاً. والأصل: أنَّ كل مفهوم دموي للإله سينتج ” كائنات زومبي”Zombies  تمتطى سلطة الدين آكلةً جوانب الإنسانية فينا.

والفلسفة بحكم رؤيتها النسقيةsystematic  تناقش إرجاع الحقوق الإنسانية إلى العقل، حقوق: التفكير والحوار والمساءلة والاختلاف والإيمان بلا إكراهٍ. وفي هذا الإطار ستوضح: كيف يتلاعب كلُّ إرهاب دينيٍّ بمفاهيم الإله، وتفتح حواراً خصيباً حول تحرير ترابه الميتافيزيقي من “غزوات الزمبي ” بعنوان الخلافة الراشدة.

تقصد الفلسفة اعتبار الرُشد فحصاً لمبادئ العقلانية وإعادة غربلتها ولماذا تتهرب من الواقع بمجرد زحف الجراد الديني فوق ساحتها. ولا تحاول الفلسفة مزاحمة أيِ إله، فهي إمكانية متجددة لنقد القداسة وتكسير عظامها. التقديس، التبجيل، الطهرانية، النقاء الخالص، المعصومية، اللامساس أشياء ترِد في طريق الفلسفة عرضاً، بينما الفلسفة تنتقد ذاتها فيما تحلله من أفكار قابلة للنقاش. لأنَّ فعل التفلسف يخضع لمعايير تهدم نفسها بنفسها. الفلسفة لا تأمل في أي مجدٍ يحولها إلى” عربة حربية “War craft  صدئة تجرها خيول المجهول، هي تأسيس كلي لفاعلية الإنسان الحر في صياغة رؤى الفكر والتاريخ والحياة.

داخل اللغة

الإرهاب من ثمَّ هو السُكْنى العنيفة داخل الألفاظ والنصوص المقدسة بموجب وهم التملُّك الأصلي لمعاني الإله. الإرهابي يعتبر اللغةَ وكرَّه الخاص بمغزاه المادي، مع اعتقاده: عندما يدفع بعبارات التكفير في أتُون المعارك، ستصيب الهدف من أول وهلةٍ. كانت الخطابة لدى المتشددين وسيلةً أثيرةً لإطلاق أحكامهم، وسيلة سيطرة على غرائز الجموع وإعادة توجيهها لصالح التنظيم. فالثقافة الدينية شفاهية والكلام له سريان أثيري حاضر كأنَّ الحقيقة المطلقة خارجة لتوِّها من أفواه الشيوخ وأصحاب الفتاوى.

وتباعاً ستحمل إفرازات التكفير وقتل الآخر انتهاكاً للحياة البشرية برمتها. فالمعاني المطروحة للإله لا تتم– مثل الدائرة الكهربائية – دون لف خيوطها حول عنق الخارجين عن الملة. وسيسري تيار الإيمان بتجاوز الإرهابيين لأيَّة جوانب إنسانية تجمعُه والآخرين.

لدرجة أنَّ إيمانه لن يكتمل( أيضاً كقطع الدائرة الكهربائية )، أي لن يشق طريقه إلى السماء، إلاَّ على جثث الضحايا. وهو ما يُعرف بأنَّ إيماناً حقيقياً يجب تمايزه بوضوح عن الإيمان الزائف أو المنحرف. إن الجانب المضمر في كل خطابٍ ديني إرهابي يضع مخالفيه في عداد الضحايا سلفاً. ثم يتغلَّف الأمر بأنَّه أحد موجبات التقرب إلى الله، وأنَّه وحده الكائن الأعلى الذي يستحق الموت في سبيله. الفكرة تنطوي على بذرة الدافع(مطلق الدافع) وذروة الغاية( مطلق الغاية ) جنباً إلى جنبٍ.

والدوافع والغايات لا تسير في هواءٍ إنما تُرتبط بسرديات تؤسس الخيال الديني للإسلاميين على نحو متطرف. والتربية في إطار العنف لا تتم للأجساد خضوعاً لأفكار الجماعة أو التنظيم، لكنها تربية طويلة الأمد لتغذية الخيال الدموي بالمقام الأول. فقصص الجهاد ومآثر المجاهدين تثير الأخيلة وتروضها سياسياً بمعاني الموت وإفناء الآخرين. وبصرف النظر عن طبيعة المآثر القتالية، فالعقل يغيَّب لتمثل العواطف والأهواء الجراب اليومي الذي يعبأ بفائض القصص والمناقب. ونتيجة الحرمان الحسي داخل الجماعات الإسلامية بفضل الانعزال ولاهوت التحريم، ستكون الأجساد قنابل موقوتةً بشتى استعمالاتها.

بالتالي يصبح حسم ثنائية الإيمان والكفر بالقتل أمراً لا مناص منه. لتغدو كلمةُ الإله أداة نحرٍ مفرَّغةً من أي تسامح. والإرهابي كائن شرس في استخدام الكلمة الإلهية كعملية تدمير إلى رمقه الأخير، كأنَّه أخذ قراراً مقدَّساً من الله بشكلٍّ مباشر. وفوق هذا وذاك يغدو الإله بالنسبة إليه هو الصامت عن الحادثة، وربما لا يبرزها إلاَّ من هو طارئ على المشهد. ذلك أنَّ العلاقة الدموية نوع من القطيعة غير القابلة للتفاوض مع تنوع معاني الإله داخل الإنسان. هكذا كان الإرهابيون دوماً لا يرون حلَّاً للقضية باسم الإله إلاَّ بقمع الاختلاف.

الصمتُ سيؤوَّل لدى الإرهابي بأنَّه رضا الله عما فعل، وبالتوازي سيطلُب منه عوناً لانجاز مهامه. حيث تعلن كلُّ حادثة إرهابيةٍ كونِّها جهاداً يزيل الذنوب ويلقي المسئولية على الإله من جانبٍ( استمالة السماء)، ومن جانبٍ آخر سيكون ثواب الآخرة بلا حساب مقتصَّاً  من المُعْرِض عن سبيله( اغتصاب مكانة الإله). إنَّ أيَّة حادثة إرهاب هي وجه القصاص الإلهي الواجب والعادل تماماً، ولم يكن منفذها سوى شخص اختاره الإله سلفاً. اصطفاء غامض يتم تأويله كرسالة لتطهير البلاد والعباد من أعداء الله. ولا تغيب عن كل اصطفاء إدعاءٌ بآثار النبوة دون نبي وتلقي وحي السماء دون كتابٍ!!

الإرهاب بهذا المعنى هو الأثر التعويضي عن واقعة قتل سحيقة في تاريخ السرديات الدينية الإبراهيمية: قتل” قابيل أخيه هابيل “. ذلك أنَّه إذا كان الإلهُ تقبل عملاً من المقتول، فالقاتل الراهن ( الإرهابي ) سيبادر بقتل أخيه الإنسان نيلَّاً لرضا إلهي لم يكن في زمانه. الوضع رضا متأخر عن موعده ونقله إلى الآخرة بالدرجة نفسها. وعليهَ سيحددُ الإرهابي بشكل لاوعٍ: ما المطلوب منه فوراً، وسيحدد: أية طرق إليه، وما هو الثواب المنتَّظَر في الآخرة!!

لكن إذا كان اللهُ ككلمةٍ تُتَّرجم دلالياً كذلك، فليس هو كلمة مفردة إنما هو نصوص بمجملها (كتب الفقهاء والتفسيرات وأصول المذاهب وشروح وفتاوى أقطاب التيارات الإسلامية وتنظيرات الجهاديين والحركيين). المفاجأة أنَّ خطابات الإرهاب لا تستطيع الهيمنة على اللغة إلى نهاية المطافِ. لأنَّ اللغة بتعبير تزفيتان تودوروف أحداث تاريخيةhistorical events  ذات معانٍ داخل سياقات تحدد دلالتها.

وعلى الإنسان أنْ يتعامل على صعيد اللغة المتغير، أي ينبغي إرجاعها إلى التاريخ ثانية حتى تبرز تباين الرؤى والعقول. ومهما يكن الوضع، فلا توجد قداسة داخل اللغة، لا توجد مركزية المعنى، بعبارة جاك دريدا: أشكال التمركز حول اللوغوس logocentrism الذي طبع خطابات الميتافيزيقا الغربية. اللغة ستحدث تنوعاً غير محدود في الصيغ وستُقلِّب، ستفعِّل، ستحرِّك المعاني مع عمليات الفهم. أنْ تفهم يعنى عليك أنْ تختلف، أنْ تغاير مواقعك إلى أبعد حدٍّ لا أنْ تتماثل والآخرون( كما قيل في التراث: القرآن حمَّالُ أوجه).

ولأجل تجنب العنف المؤسس دينياً، ينبغي تفريغ النصوص والمفاهيم الأصولية من تأويلاتِّها الأحادية. فالسؤال الفلسفي هو: هل بالإمكان جعل العلاقة مع الإله علاقةً حرةً ؟ أي هل باستطاعتنا ربطها بالحرية لكن من داخل الإله أم أنَّها كالثقب الأسود ستبتلع كلَّ قادم ؟ أي يجب تحرير العلاقة بالإله من أية وصاية من جنس الاستعمال العمومي للدين.

يأتي الخلاص بواسطة الحفر خلف صور العنف القائمة على مشكلات وجودية ترتبط بالإيمان وفكرة القربان والمصير الإنساني. وسيكون تحرير الأفكار عملاً فلسفياً ينظف مفاهيم الإله، التألُّه، العلُّو من ترسباتها التاريخية. الأمر كقضية إيمان حرٍ سيتوافر على التخلص من تبعاتها. وعوضاً عن كون الإيمان اللاهوتي صاعداً إلى أعلى حاملاً كراهية الأغيار ونقائض التصورات البشرية، سينزع فضاء الإيمان الإنساني عن مفهوم الإله ما يظن الإرهابيون أنَّه كذلك( مثل كونه يأمر بتعذيب عباده، والتنكيل بالعصاة، وذبح المختلفين دينياً ).

في أخر حواراته بمجلة دير شبيجل الألمانية نوَّه هيدجر: وحدَّه إلهٌ باستطاعته إنقاذنا. وليس لنا إلاَّ الفكر والشعر لتهيئة ظهوره أو اختفائه. ذلك أننا سنهلّك إلى حدِّ السقوط في غياب الله[1]. إنَّ خلاصاً يشكل تاريخ الإله إزاء أرجوحة المصير التي تتقاذفها الظروف والأحوال. الإله حاضر في أفق التاريخ للتشبث بالنجاة، أي لأجل البدء في طور آخر من الوجود. ومثلما كان الفكرُ والشعرُ صيغتين لتجلي الوجود، كانا قادرين على استقبالِه ثانيةً. اللهُ إذن كفكرةٍ ودلالة يطرحُ تحرُراً مزدوجاً( للإله والإنسان ) بالتبادل.

بهذا الصدد لا يُشترط أنْ يكون التحرر أسلوباً دينياً بل وجودياً إنسانياً( هيدجرياً ). أي نحن نؤمن لنتحرر ونحرر الإله، لا أن نتقيد بقيود تكبلنا. فتجارب الإيمان قد تأخذ أشكالاً إبداعية وإنسانية مفتوحة كحال خطابات التصوف والتجارب الروحية والرومانسية. وعدم الإيمان لا يعني كذلك انعدام فكرة الله بل هو دفع شراع الفعل الإنساني نحو حريةٍ لا تُخطئ موضوعاً. حيث سيوازي الخلاصُ الوجودي إمكانيةَ الإله ذاته كموقع متعالٍّ transcendental position بالإيجابِ والسلبِ ( اعترافاً وإنكاراً ). فالإشارة لا تغنى عن مضمونها المؤشَّر إليه، وكذلك لا تلغي فلسفياً موقعه وفضاءه.

حتى لو عكسنا الفكرةَ رياضياً، فإنَّ ضياع الحرية يساوي ضياعاً لفكرة الله. لأن القائم بالتحرر لدية فكرة على نحو ما عن الانفتاح. والضياع تأسيسيٌّ لا مجرد عَرّض حادث بالمصادفة. الله ضربٌ من السر الإنساني الذي لا ينال معانيه إكراها ولو حاولنا. وجودُّه من عدمِه ليست قضيةً على محك الاختيار اليومي. فهل يُعتبر الإله اختياراً يُقبل أو يُرفض فيما هو أنطولوجي؟ بالتالي نُعيد توجيه الاستفهام من الجهة المقابلةِ: كيف لوجود كهذا أنْ يُحرِّر كائناً حيّاً هو الإنسان عندما يحرر ذاته؟

الإلهُ كتأويلٍّ

تأمُل الأفعال ذات البُعد الديني والمناقضة له يوضح جانبها المؤوِّل للإله. فهي لا تّمُر بمرحلةٍ إلى غيرها سوى بالتوكؤ على تأويل الله ككائن في متناول الكلام. وأكثر من هذا، حين تفترضه منتصباً فوق مسارح الحياة كراعٍ للأمور والأعمال والظواهر، وإنْ كان الشيطان بجواره ينال قِسطّاً من اللعنات. وترتد الحريةُ صراعاً داخل ثنائية الله والشيطان. تتحول إلى لاهوت مُعبَّأ بالكراهية الاجتماعية والسياسية انتظاراً للانفجار.

لكن: أليست فكرة الله كدلالة تحقق آفاقاً ثريةً ؟[2] هذا الوجه للإله كانفتاح نضلُّ إليه حين نفقد طريقنا نحو الالتقاء بالآخر؛ أي نضعه كقوة غامضةٍ في مواجهة أصناف التحرر. وقد لا ندرك المعنى ثقافياً طالما نترقبه عبر المكان التفسيري الخطأ خارج ذواتنا. لأنَّ ما يربطنا بالله ليس العبوديةَ كما يتوهم المتَّحدثون بفمِّ الغيب عندما ينصبون ورشةً عاطلةً لانتزاع فتاوى الدم.

الارتباط بمعاني الله يغدُّو صُلباً متى أُسِّسَ على اللا رابط؛ أي فعل الإنعتاق منه ومن كلِّ ما سواه لو كان ذلك تجاه نمطه الثابت إنسانياً. الإنعتاق والتحرر يحملان كافةَ التكاليف الشرعية وغيرها، وتُقام عليهما إمكانيات الدين[3]. وهما الاحتمالان القويان وراء مسيرة الإله في تاريخ الفكر الإنساني.

دخل التحررُ من مفهوم الله إلى بيته، حيث مفارقة الإيمان المتناقض ذاتياً وأنطولوجياً. فالإيمان يحمل بذرةَ النسف الداخلي لترسباته إذا استقرت في ايديولوجيات العنف. كلُّ إيمان ليس به هذا التَّفجُر المفتوح يغدو عبودية فارغةَ المضمون. وحده يبقى الإيمانُ الإنساني طاقةً لتطهير ذاته، لكونَّه فعلاً خارج حدود التَّحكُم الكمي والكيفي. بطريقة هنري برجسون: قد يكون الإيمان طاقة حيوية تُجدِّدُ نفسها أو تجعل الإنسانَ ترسانة كراهيةٍ بلا أمل.

إنَّ الذي يستطيع التَّحرر بإمكانه التعرف إلى الله نفياً وإثباتاً، يتعرف عليه علُّواً ميتافيزيقياً وراءه رغبة سحيقة في الوجود. وعلى النقيض لكي يقتل الإنسان إلهه بطريقة نيتشه، فربما هو يؤمن به إيماناً شوفونياً داخل هوية الذات[4]. بالفعل أقصد التعبير السياسي( هوية الذات)، لأنَّ الذات هو فعلٌّ جيو سياسي يحقق الكيان والعلاقة بالآخرين على غرار الدول. إنَّ فعل التحرر فعل تجاوز أصيل لا ينال من الآخر الأعظم( الإله) إلاَّ ويطالُ كلَّ آخر غيره( الإنسان ). كان الله دوماً يقع في الديانات الإبراهيمية حيث ينتفي أيُّ إله غيره. ولو لم ينتفِ بما هو كذلك، لما وُجِد على صعيد الإثبات المنفي( صيغة: لا إله إلا الله ).

الإلهُ كمفارقةٍ

كلُّ اختيار إلهي نقصده أو ننحرف عنه يفترض نقيضه، وإلاَّ ما كنَّا لنُؤْمر به ونُنْهي عن المغاير له. ووجود النقيض ينسف ثبات التَّوجُه القسري نحوه لو ظننا له جانباً واحداً. وتتأتى قيمة المقدس كخط عامٍ في أفق الحياة دون فقدانه لوجاهته الإنسانية؛ أي دون فقدان: قدرتنا على الرفض والقبول. هذا الشأن مبدأ لإيمانٍ يعتبرُ فردياً حتى النخاع ولو تجسد كطقس جماعي. مَنْ يمكنه الشعور بالحرية على الحقيقةً، يستطيع معرفةَ الله حراً من قبضته. فالوثنية الدينية بكل تباعتها( الوثنية السياسية، الوثنية الاجتماعية، الوثنية الفكرية ) نمط من العبودية الميتافيزيقية. فهذا الفضاء الذي يفرِّخ الآلهة بصور متتابعة لم يكن موضوعاً لوعي نقدي حقيقي.

هذا جزء من إشارة كانط: أننا كائنات أخلاقية مدفوعة بالواجب لذاته، بالتالي نستطيع التَّدين لا العكس، معتبراً كون الله ممكناً بشكل أخلاقي عملي practical لا برهاني ولا ميتافيزيقي[5]. لذلك يتجاوز الواجب الأخلاقي كلَّ موقف وينتهك أيَّ مبدأ. لو كان الله داخل الإنسان غير مؤسسٍ على تلك القاعدة، لأصبح صُندوقاً أيديولوجياً أشبه بجراب الحاوي.

إذن الحرية بالنسبة للمعتقد الديني شرطٌ ماهوي وليست عملاً كسُولاً تابعاً. هي مشاركة الله فينا من باطننا ومشاركتنا في وجوده المطلق بالمثل. الاثنان يقفان أحدُهما في إحالة مستمرة إلى الآخر بلا انتهاء. فالحرية تقف إزاء الإيمان الديني وداخله كشرطٍ له وكجوهرٍ. أليست هي مناطَ الدين وغذاءً لاستمرارية التدين؟ كما لا تندرج في خانة الشروط التابعة سوى بهذا التجلي. ولئن خضعت الحرية للتجربة سرعان ما تفترض أسبقيتها، لأنَّ كلَّ حريةٍ لمعتقد تزيحُ أيَّ تراكم ضاغط بمجرد انفراد الإنسان بنفسه. حين يؤكد: ” أنا أؤمن بكذا ” أو “أنا لا أمن بكذا” لا يجد بُدَّاً من نزع الأقنعة الزائفة[6].

تحيل الأفكار السابقة إلى التساؤل: كيف نتأمل الحرية من داخل الله فينا لا من خارجه(داخل الداخل)؟ هذا السؤال سُكِّتَ عنه طويلاً بل أُعتبر هدماً لأيَّة جماعة تحت رايته. بسبب التصورات المشوهة إيمانياً ورفضاً لتلك الفكرة. هناك تجنُب للتفكير من ذروةٍ متجاوزة لكلِّ تصورٍ جمعي محدود بالماهية. وربما يتم ذلك باعتبار الله معلقاً في عالم ميتافيزيقي ليس عليه إلاَّ معاقبتنا أو إثابتنا فقط!! وطوال تاريخها حافظ الجماعات والمذاهب الدينية على ألَّاَ ينفرد إنسان بمفهوم الإله، دائما هناك وسائط جمعية تحدد طبيعة العلاقة، بل تحدد أفعال الإله والإنسان معاً.

الإلهُ كنأيٍّ لا متناهٍ

من زاوية أخرى يبرز سؤالُ الحرية ” النأيَّ ” اللامتناهي infinite remoteness لمعنى الله. وبحسب تلك الذروة لن يتصور المرء مناقشة أية قضية لا تنتمي إلى مجالها المحدود، بينما الله هو الاستثناء الوحيد. فالإله على طريقة التصوف موضوع يوجد وينتشر في كل شيء ومع ذلك لا يوجد في أي شيء. إنَّ تفكيراً كهذا أزاح مطلق الاعتقاد الإنساني نحو حلم التأله القديم. أي لم ولن يكون الإنسان إلهاً مهما زعم ذلك، إذن عليه التحليق من موقعه المفترض إلى درجة التعالي الحُر دون أن يكونه.

النقطة الخطيرة كالتالي: ما الذي جعلنا نمسخُ مفهوم الله إلى مفهوم عبودية؟  لنتأمل أنَّ ذلك تمَّ  في تاريخ الديانات بالاسم دون المسمى. فباسم الله يحكم الحاكم المستبد، باسم الله يأمرنا راعي المعبد والكنيسة والكهنوت والمسجد، باسم الله تطيع الزوجةُ زوجها معلِّقاً إرادتّها في سترته كتميمّةٍ اجتماعية، وباسم الله يأمرنا أهل الحل والعقد كأنَّهم يملكون مفاتيح الجنة والنار، وباسم الله يتسلط الأسياد على العبيد، وباسم الله ننحت أدمغتنا في قوالب تربوية وجدنا عليها أسلافنا.

القضية تكمن لدى بعض المجتمعات في هوس ترجمة معاني الله إلى شكل جمعي بلا أي تماس روحي. بإيقاع الحياة المعاصرة نتساءل: لماذا يغدو الله شركة مساهمة اجتماعية أو سياسية؟ ولماذا كان الله صكاً نقدياً check في بورصة اللاهوت المتشدد؟ وهو ما رأينا على أثره السياسي جماعات الإرهاب الديني تدمر المجتمعات وتستبيح الأموال والممتلكات.

وبالإيقاع المعاصر أيضاً: إنَّه ما لم تتحرر الأفعال من طغيان عبوديتها لا تُسمى الحرية حريةً. هي ستسمى أيَّ شيء آخر مدَّجَن إلاَّ هذا الاسم، فأصالتها المعطاة للأفعال كنتاج إنساني لا تتأتى من مصدر خارجيٍّ. كما أنَّ الإيمان لا يأتي بالأصالة نفسها من ذات المصدر. إضافةً إلى كون دلالة الله البعيدة إلى حدِّ الاستحالة تغرس فينا عمق الأصالة دون وسائط، بحيث تظهر مسؤولية الأفراد عن حياتهم وجها لوجه.

أشار بول ريكور إلى عبقرية الكوجيتوCogito  الديكارتي لكونِّه دفع نفسه إلى أقصى حدود يعود فيها ” الأنا أفكر” إلى ذاته، حيث يحدد في ذاته صورة جسده وصورة الآخر. وتغدو النفس قادرة على التحرر متمركزة عبر ما يسميه الرواقيون دائرية الروح circularity of soul [7].

وإذا كان هذا يوازي الإيمان، فقد تجنب الفلاسفة معنى الله في ذاته. لأنَّ المعنى – من هذا القبيل- ينحرف إلى أشكال لا إلى ماهيات مفارقة. فمفارقة المعنى عبر الكائن الأسمى كونه مستحيلاً في عينه فيصير صوراً لغيره. والصور الأخيرة تعدُّ بديلاً منافياً للمعنى لا اتساقاً مع أبعاده. هو بديل سيُعيّن على وجه الضرورة في سلطةٍ، قضيةٍ، نصٍ، وظيفةٍ، حقيقةٍ، تنظيم لاهوتي، دين مشخّص. فالله  ضمن المسيحية كان إنساناً – إلهاً. وأقانيم مثل( الآب والابن والروح القدس ) تطرح الحرية كصيغة تركيب وبناء. وبالديمقراطية أضحت الصيغة تجربة سياسية اجتماعية عبر أي إنسان آخر، فهي قيم ومبادئ ليست وسائل وإجراءات.

بالنتيجة فأنَّ معنى الله لم يمسسه تفكيرٌ في ذاته، نظراً لسبب كانطيٍّ شهيرٍ أنَّه لا يتسنى إدراكه بالعقل. فعالم الأشياء في ذاتهاnoumena  يعجز العقل عن اكتشاف أسراره. هنا إشكالية قد تصبح أفقاً لطرح مختلفٍ: أنَّ لانهائية معناه( أي الله ) تُدخلنا إلى ساحته القصوى، بموجب فشل القدرة على تعييناته أيا كانت. وتلك قضية الحرية غير المتعيِّنة  حتى ضمن إطار صارم، فهي مستوى النفاذ عبر ما يستعصي إدراكه واحتواؤه. لأنَّها فعل كُلي إلى درجة الإطلاق رغم محدودية تصوراتها التاريخية بتجارب المجتمعات وبخبرات الأفراد. وهي انفتاح لن يُملأ عبر كيان إنساني معجون بالرفض والتمرد.

فمن ذا الذي يمتلك الله حتى يستعبدنا باسمه؟! السؤال ليس ساذجاً، لكنه مطروح إزاء أدعياء التأله باسمه طوال الوقت. إنَّهم يلعبون لعبة الإستملاك، الإستقواء في غير موضعها. فإذا كان الله يستحيل امتلاكه، سيقولون نحن نمتلكه بقوة الغلبة( الغزو). ولا يتوانون عن نهب الفرصة تلو الفرصة لذلك. وعلى المتضرر اللجوء إلى إثبات العكس. المغزى أنَّهم ناجحون في هذا طالما هم الأقوى. فيظن المستعبَّدُ أنَّ مفهوم الله في جعبتهم. وهو إثبات القضية مقلوبةً؛ أي قضية التحرر عن طريق الله. نظراً لاستحالة الاستحواذ عليه معنى وكلاماً وماهية وإيماناً وطرفاً في أية ثنائية. إذن ماذا يبقي من الادعاء بامتلاك القداسة غير تأكيد عكس الاستعْباد( الحرية). وطالما لا نستطيع القيام بالتأكيد، فإنَّهم يستندون إلى هيمنةٍ لا أساس لها من الصحة. وبالتالي هم أيضاً لا يستطيعون تأكيد هيمنتهم دون فعل إكراهٍ([8]).

القضية تتقرر بالنقيض دائماً، أي حين نحاول إقرار مضمونها ننفي عكسه( ما يسمى في المنطق برهان الخُلفReductio ad absurdum ). لأنَّ هؤلاء الأسيّاد الواهمين لن يتركوا الله لغيرهم بسهولة. فالطرفان: العبودية والحرية لا يثبتان منطقياً إنَّما يُمارسان. فالتعادل الذي يبدو بريئاً فيهما هو تعادل زائف، لا تعادل دون التّحرر في كلتا الجهتين. المتحرر هو من يشعر بالقيد، والمتحرر كذلك هو من يعرف قيمةَ الحرية. أما لو اطمأن إلى حريته فقد سقط في العبودية. وتلك هي فكرة الله من أقصر الطرق. الله يحرر البشر من نفسه، من أخيلتِّهم عنه، من طبيعته المتصورة إنْ ظنوها بما هو كذلك.

تبدو الحرية قدراً إلهياً كونياً حتى على ذات الإله ( منه وإليه ). لأنَّه لا يتجسد في عبودية الشكل، ولم يعطِّ أحداً مبرراً للتحدث كأنَّه هو، مثلما لا يوجد إله بلا حرية كاملة وإلا لرأيناه في الزمان والمكان وبالتالي سيناقض فكرته. ليس معنى الله إلاَّ أن يكون حراً خالقاً وموجوداً لدرجة اللا وجود. ولن يعرفه إلاَّ الذي يدركُ التحرر المتواصل من أي شيء نحوه. نحن كمخلوقاتٍ علينا أنْ نمتلك إرادتنا – غير منقوصة – حتى نعي محض كلمة الله. إنَّ الحرية لا تدرك إلاَّ بحرية بإطلاقها لا بنسبيتها، ولا تصبح وقتئذ مصدراً تام الانجاز إنما هي دّأب متواصل. بينما العبد عكس ادعاء الفقهاء: لا يدرك معنى الله، كيف لمستعبد حساً وخيالاً إدراك جوهر الحرية؟ كيف يتحرر من هو غير متحرر أصلاً؟

لعلَّ ذلك وراء أنّ الإله التوحيدي بدون وثن أو نموذج صنمي. ففكرة الله لا تتعين بشكل ماهوي ضمن أية مفاهيم. كذلك هي ليست مجهزة ضمن أيِّ إطارٍ يقولُ: إليكُّم ما أحوي، أمامكم ما أحدد، لتأخذوا ما أقرر. إنَّها الصمت الأزلي إلى درجة الخفاء في كل تجربةٍ دينية ودنيويةٍ.

إحالات:

[1]– حوار هيدجر مع مجلة دير شبيجل ترجمة وتقديم حمودة إسماعيلي. على الرابط التالي:

http://anfasse.org/2010-12-30-16-04-13/2010-12-05-17-29-

[2]– في التجارب الصوفية تتضح هذه الدلالة بصورة أكثر بروزاً. فالله ليس كائناً لكنه وجوداً روحياً خالصاً. ولا يبتعد عن هذا الموجود البشري المحدود، بل لا يتحدث عنه المتصوفة سوى داخل وجودِّهم، داخل أجسادهم وأحوالهم الذوقية. بالتالي تمثل إشكالية التصوف: كيف يكون الوجود الإلهي متجسداً في التجربة الروحية؟ واللغة التي يستعملها المتصوفة لغة خاصة بهذه التوحد الروحي. إنها التعبير الأكثر شفافية للتحرر بالله وداخله.وانطلاقاً من هذا المعنى المفتوح كان المتصوف قادراً على رؤية الله في كل ما سواه. لأنَّ التحرر الروحي يجعل الذات تتماهى كما الحب داخل كل آفاق ممكنة.

[3]– لا توجد فكرة دينية غير معتمدة افتراضاً على الحرية. فطالما أنَّ الإيمان – وهو بدء الدين وذروته- مؤسس عليها فكل شيء لاحق يسير في نفس الطريق. ولأنَّ الوجود الإلهي يتأرجح معها قبولاً ورفضاً فلعلَّها أبعد أثراً من طقوس الدين وأنماطه. فالحرية فعل إيمان أيضاً بل تشكل جوهر كل اعتقاد يتجه نحو الغيب اليومي. بالإمكان السيطرة على إنسان وشكل حركته لكن لا نستطيع الهيمنة على إيمانه إلاَّ مع ثقافة القهر والقمع. الحرية هنا قد تفهم على عدة مستويات:

أولاً: علاقة الإنسان بالله وهي علاقة داخل- خارج الفرد بوصفه كائناً حراً.

ثانياً:علاقة الله بالإنسان في حالة الديانات التوحيدية وغيرها. والارتباط يرجع إلى تقبل الفرد من عدمه.

ثالثاً: علاقة الإنسان بالمجتمع وهي الراجعة إلى تحرر العلاقتين السابقتين. وطالما أنهما كذلك كانت للفرد قدرة على التحرر الثقافي وإنْ أخذ مجهوداً مضاعفاً.

[4]– الإله هو أقصى موقع يمتلئ بالإيمان والقيمة الرمزية لإحلال شيء محل آخر. وهنا إشارة نيتشه حيوية لأنه لا يقصد الإله كما هو شائع لكن الإله  بوصفه هذا الاعتقاد الذي تعمد فيه الأخلاق وتغتصب أيضاً تحت عناوين لاهوتية و سياسية واجتماعية. ومثله مثل: الغاية والعلة والأصل والعقل والبرهان والحقيقة، جميعها مفاهيم ميتافيزيقية كانت وجوهاً للقهر واستلاب الواقع. أشار نيتشه أنه تعلم مبكراً الفصل بين التحيز اللاهوتي theological prejudice وبين التحيز الأخلاقي باحثاً عن أصول الشر فيما وراء العالم…. وبناء على ذلك ميز بين العصور وبين البشر وحتى  بين الأفراد”.

Friedrich Nietzsche, On Genealogy of Morals, Translated by Walter Kaufman and R.J. Hollingdale, Vintage Books, New York 1967, P17.

[5]– Eric Watkins, Kant On the Hiddenness of God, In: Benjamin J. Bruxvoort Lipscomb, James Krueger(eds), Kant: Moral Metaphysics, God, Freedom and Immortality, De Cruyter, Berlin- New York, 2010.p. 256.

[6]– رغم أنَّ الشخصية تمسرِّح الوجه إزاء الآخرين، سوى أنَّ الإيمان قدرة على التمثيل الشعوري بخلفية نموذج باطني. نموذج يحاول التوحد مع ذاته. ولهذا ستكون الشخصية كما هي معروفة قناعاً في إخفاء الوجه الحقيقي. كل وجه ليس حقيقياً هو أحد أشكال الشخصية المتحولة. فيصبح الوجه شاشة عرض تنعكس على صفحتها توترات وحالات نفسية. إنَّه مرآة التواصل مع العالم الخارجي ومسرح التأويلات العميقة للرؤية.

[7]– Paul Ricoeur, Freedom and Nature: the Voluntary and the Involuntary, Translated, With an Introduction by Erazim V. Kohak, Northwestern University Press, 1966. P.14.

[8]– الله هو الكائن الأعلى الذي لا يستطيع إنسانٌ أخذ مكانته ولو كان رمزياً. ونظراً لاختلافه عن كل كائن آخر فسيكون مستوى حياً داخل البشر. ولهذا يمثل نمط من الوسع والامتلاء بغياب آخر. غياب لا يساوي اللاوجود لكنه عمل الوجود في نشاطه الضمني، في سريتَّه الكونية. ولهذا يأخذ موقع الإله دلالات التنوع والاختلاف.

شاهد أيضاً

هل الفلسفة في حاجة إلى ديداكتيك؟

بقلم: المحفوظ السملالي يبدو للوهلة الأولى أن هذا السؤال متجاوزا بالنظر الى الحجج التي قدمها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *