الرئيسية / منتخبات / عامة /  الهجرة من صقيع المدينة إلى دفء الواحة

 الهجرة من صقيع المدينة إلى دفء الواحة

بقلم: عمر بن اعمارة

 فڭيڭ*، في السنين الأخيرة، كلما نزلت وحللت بهذه الواحة وصرت جزءا منها، إلا وشعرت وأحسست بإله الكون حاضر معي وهو أقرب مني وإلي أكثر من قربه مني خلال تواجدي بأي مكان آخر، وأنه يتجلى لي في كل لحظة و في كل مكان، فأينما وليت وجهي فثم وجه الله، بل أكثر من ذلك أحس أنه يشمل هذه الواحة برعاية وعناية خاصة. وفي لحظات عديدة أجد نفسي غارقا في عالم السؤال عن سر ومعنى وكذا مصدر هذا الشعور وهذا الإحساس؟

هل هو شعوري بالانتماء إلى هذه الأرض، وحبي لها أكثر من حبي لغيرها من أماكن هذا الكون الشاسع، يستيقظ، يطفو ويظهر ويكتسحني كلما نزلت وتحولت إلى ضيف عليها وتراميت في تربتها ومائها وبين أزقتها ودورها وأهلها، بين بساتينها ونخيلها، في فضائها وجبالها وتنفست من عبق نسيمها ؟      هل لأن هذه الواحة تجيد السمع، وتحسن الإصغاء والإنصات إلي وتتحاور معي في صمت وبلغة نفهمها معا أنا وهي، وبالتالي تبوح لي ببعض من أسرارها وتستوعب جزءا وافرا من فائض همومي، عكس الأمكنة الأخرى، الصماء والبكماء التي تلتهمني وفي رتابة قاتلة تحولني إلى نظير سيزيف ؟ .

هناك في واحتي كل شيء ينطق ويتحدث إلي وأحدثه، ولكل شيء هناك رسائل ومعاني ودلالات وخصوصيات، ذاكرة ونسيان وتاريخ، وكل شيء هناك يحمل من الأسرار، ما حول العدم إلى وجود والموت إلى حياة، ما صنع من القبح جمالا وما جعل من الظلمة نورا، هناك اللامكان تحول إلى مكان وأحدث الزمن المنفرد.

هل لألفة المكان والاستئناس المتبادل بيني وبينه ؟ لقد صار جزءا مني بعد أن كنت جزءا منه. لقد استوطنتني الواحة بعد ما سكنتها، وصرت أحملها بعد أن حملتني. فأنا الجزء من الكل الذي هو الكل في الجزء.

أهي حفاوة الاستقبال وحرارة الأحضان و دفء الأسرة الصغيرة والكبيرة، بعيدا عن صقيع المدينة، جفائها وشحها الممتد إلى كل الجهات، بعيدا عن مجاملة زائدة عن اللزوم حتى تحولت إلى فائض من نفاق مستشري لا يحتمل، بعيدا عن واقع طافح بطمع آتى على الأخضر واليابس ؟.

هل هي ذكريات الطفولة تحضرني و ترحل بي إلى الزمن الجميل، إلى لحظات امتزجت فيها الفطرة بالبراءة و بعض من شغب و مشاكسة و “شيطنة “المراهقة ؟ الطفولة حيث كان ” القلب نصفا للرب ونصفا لألعاب الطفولة”(1) .الطفولة التي كنا في لحظات عديدة منها نناجي الله ،نطلبه أن يعطينا النجاح وأن يحقق لنا متمنياتنا وأحلامنا وطلباتنا وأن يشفينا ويحفظنا من كل مكروه ويرعانا، ندعوه أن يعطينا المطر مرددين أنشودة “المطر الأولى” وعند نزول القطرات الأولى من المطر كنا نمشي تحتها وهي تبلل شعرنا ونحن نمرر أيادينا فوق رؤوسنا مرددين  أنشودة “المطر الثانية”،وحين تصير القطرات غديرا كنا نمشي عليه مرددين أنشودة “المطر الثالثة”. كما كنا نرجو منه أن يفك كربة القمر في لحظات الخسوف ونحن نقرع على الأواني الحديدية والنحاسية مرددين:( ذكروا الله يا الغافلين لا تمتوا كافرين). القمر، ذاك الكوكب الجميل الذي ارتبطنا به في مناسبات وأفراح عديدة، إذ كنا ننتصب بقاماتنا النحيفة فوق سطوح منازلنا بعد الغروب للبحث ولرؤية الهلال بالعين المجردة ومهللين إعلانا وفرحا بقدوم شهر رمضان أو أحد الأعياد الدينية. الطفولة التي جعلتنا ننسج علاقة خاصة مع أمنا الشمس (من لا شمس له لا حياة له) حيث منحتنا من أسرارها كيف نعمل على ضبط وتدبير الوقت ونستغني عن الساعة وعقاربها وذلك في أوقات الاستيقاظ من النوم، أوقات الذهاب إلى المدرسة، أوقات الأكل، أوقات الولوج إلى منازلنا، أوقات اللعب، أوقات الذهاب إلى البساتين والرجوع منها. الشمس التي كانت ومازالت تزعج العديد منا كل صباح أيام الصيف ونحن نيام فوق سطوح منازلنا المفتوحة على السماء، فكلما تقدمت بأشعتها الملتهبة واقتربت منا – ونحن نكابر مع قيضها – إلا وسحبنا فراشنا نحو جنب الحائط حيث الظل (لا يعرف مكانة الظل وقيمته إلا من عاش في الصحراء) ،هكذا كأننا في لعبة الفر دون الكر معها ،كأننا نتحايل عليها، إلى أن تكتسح السطح كله بأشعتها الحارة والمحرقة، حينئذ لا يبقى لنا من اختيار وحل إلا الاستيقاظ والهروب بجلدنا ثم الانصراف إلى العمل في البساتين أو اللعب أو اللجوء إلى مكان ما تحت السقف لإتمام النوم .هذا إن لم يكن لك أب أو جد أو عم أو خال أو أخ أكبر يوقظك مع الفجر، وتكون وجهتك البساتين أو وادي “زوزفانة” أو”الملياس” أو غيرها من أماكن العمل التي قد تظل فيها في أعمال متعبة وشاقة إلى الغروب أو حتى أكثر. وإن كان لك من حظ فتبقى في فراشك حتى الشروق. أما في أيام الشتاء الباردة فكنا نترقب بزوغ الشمس كل صباح بل كنا نترجاها كما لو كنا أبنائها ونحن نردد أنشودة “الشمس” ونحن مصطفين وعارضين لأجسامنا في الأماكن التي تسلط عليها أشعتها الأولى عند الشروق، كأننا ننتمي إلى فصيلة الزواحف إذ لا نتحرك من أماكننا حتى نأخذ قسطا وافرا من الحرارة ونستشعر الدفء. أو كما لو أننا بطاريات تشحن بأشعة الشمس كي تشتغل. كما كنا نتربص بها عند غروبها وهي تتوارى خلف الجبال، ليس عشقا في الاستمتاع بمنظر غروب مغري وسرقة لحظات رومانسية، بل طمعا في نور ودفء لا متناهيين، أو بحثا عن ظلمة من أجل مباشرة بعض الألعاب التي تحتاج إلى قدر وافرمن الظلام كأننا خفافيش. – كانت السماء هي ساعتنا وكانت الشمس والظل عقاربها-.

هل هو من سخاء أمي وكرمها معي ؟ وذلك بإكثارها من الدعاء والرجاء من إله السماوات والأرض بأن يحفظني ويرعاني وأن يهديني ويرضى علي ويمنحني العمر الطويل والرزق الحلال الوافر.وهي التي تردد دائما وباستمرار: «ليس بيننا وبين الله إلا حجاب كالذي يفصل التمر عن النوى».

هل لكوني في فكيك أستحضر بعضا من صور لأبي، وهو معتكف على كتابه “القرآن الكريم” في غض للسمع و البصر بشكل كلي دون أن يكترث ولو لذبابة أو لأزيزها ؟ وهو الشيخ الورع المتقي الصامت، الذي تعلمت منه أن الدين عمل ومعاملة، الدين أخلاق وقيم، الدين ليس في القول والشكل بل في السلوك اليومي: مع الجيران، مع الناس كافة دون فرز أو تصنيف، مع الحيوانات، بل حتى مع الأشياء، وأن جوهر الشيء في باطنه لا في ظاهره.

هل لأوجه الشبه والتماثل القائم بين الأمكنة التي نزلت فيها الرسالات السماوية وهذه الواحة ؟ ربما لا ينقصها من زمن النبي إلا الكعبة والنية ولا تزيد عن ذلك الزمن إلا بالكهرباء والسيارة والأنترنيت.

هل من سحر الطبيعة وتنوعها ؟ قرب الجبال، تعددها و تنوعها، كثافتها وتسلسلها، الحضور القوي واليومي للشمس- معاينة الشروق والغروب بشكل يومي – الظل، قرب السماء وصفاؤها، قرب القمر ووفرة نوره، النجوم المرصعة الوهاجة وكثرتها، الظلام الممتد في كل الجهات ،السحاب، السكون والصمت، الرياح، الزوابع والغبار، التراب، الحجر، الرمال، الفيافي والخلاء، الزواحف، الدواجن ،الطيور والعصافير، الحشرات: (الذباب، البعوض، النمل، العناكب، العقارب، الخنافيس والصراصير)، الماء، السراب، الحشائش والنباتات، الأشجار، النخيل (تلك الشجرة التي جاءتنا من الجنة ).

في الليالي الصيفية، على سطوح كل المنازل، لوحة فنية تغري الجميع، هدوء وسكون تام إلا من بعض الأصوات – منها المطربة و منها المزعجة – لبعض المخلوقات الطيبة التي تتقاسم معنا هذا البلد : ضفادع، بعوض، جنادب “تبزبسين” “les grillions”. ظلام مترامي الأطراف، كيف لظلام ألا يصنع الجمال والبهاء في حضرة قمر منير وسماء صافية تؤثثها نجوم وهاجة بكثافتها غير المعتادة وغير المرئية في أماكن أخرى، لدرجة قال أحد الظرفاء من أهل الواحة: «في سماء فكيك توجد النجوم بكثافة أكثر من أي سماء في مكان آخر من هذا العالم»؟.

هل لبساطة الناس، عفويتهم وتلقائيتهم، طيبوبتهم وتسامحهم ؟ لا تصنع، لا استعراض لعضلات المال، أو السلطة أو العلم أو الجسد، لا لباس فاخر، لا بحث عن تميز ما. هناك في الواحة حتى المكان في طبيعته وطبعه غير مجبول وغير مؤسس لأن يستوعب ويظهر أكثر مما هو أساسي من حياة الإنسان وضروري لحياته.

   هل ونحن في واحة” فڭيڭ نستشعر الموت، نحسه و نعيشه أكثر من غيرنا مِمَّنْ هم في أماكن آخرى؟.  (طبعا لسنا في حالة حرب أهلية أو خارجية، والواحة ليست في منطقة زلازل أو براكن أو إعصارات أو عواصف هوجاء أو فيضانات أو حرائق أو أمراض معدية وفتاكة.وملاك الموت “عزرائيل” لا يلتفت إلينا ويزورنا ويجزي لنا الكيل أكثر من غيرنا من بني البشر). ونحن نعلم ما لسؤال الوجود والعدم “الموت” من علاقة بإله الكون .مع الرتابة والعادة والقرب والقرابة، وفاة شخص ما من أهل فكيك المقيمين بالواحة أو حتى خارجها، يشكل لنا خبرا مهما، نظرا للروابط العائلية أو لمعرفتنا وعلاقتنا بالشخص المغادر للسفينة أو لأحد أقربائه، الإشعار يكون جماعيا (الإخبار المباشر شفويا، بث المقاهي لآيات من “الذكر الحكيم” كإعلان عن خبر الوفاة ومشاركة في لحظات الحزن َوالأسى، أو عبر وسائل التواصل الحديثة: الهاتف والأنترنيت).وفي حالات كثيرة عند وفاة أحد أفراد أهالي الواحة القاطنين خارجها تقام له مراسيم العزاء والحداد في بيت أهله أو أحد أقربائه بالواحة. الوفاة بباريس والدفن والعزاء وطعام المأتم (الصدقة) بفڭيڭ.

لكثافة حضور أضرحة ومقامات الأولياء التي تسكن قلب وكل أركان وهوامش الواحة، والواقفة شامخة ببناياتها المكعبة وقببها الممتدة والمتجهة نحو السماء، كأنها تتماها مع أبراج المراقبة العتيقة هناك في الواحة، أو تستكمل مهامها (الأمن الروحي) وهي متحدية آثار الزمن وفعل التعرية ولمبالات المسؤولين معاني ودلالات. و للأولياء رمزية قوية وعلاقة بكل ما هو روحي وقيمي، وفي شق آخر منه بجنيالوجيا الأُسر. وأنا المتسائل باستمرار كلما انتبهت أو استحضرت هذا السرب الكبير من الأولياء، عن سر ومعنى هذا الحضور القوي والكثيف لهم، وعن خلوتهم ربما الاختيارية الأبدية ؟ هل أَسِرَتْهم الواحة وسكنتهم بعد أن سكنوها ؟ هل زمن الأولياء تمدد وامتد إلى زمننا ؟ هل كانوا في زمنهم يحملون نفس الإحساس والشعور الذي يسكنني الآن، دون أن يعني ذلك أنني من طينتهم وأنتمي إلى عالمهم ؟.

قد أجازف وأقول أينما وجدت أولياء الله فاعلم أن الله هناك قريب والشيطان بعيد.

هل لكون كل ما يغري ويفتتن به الإنسان، قليل الحضور بفكيك وبالتالي يخف وقع الإغراء وتأثيره على النفس هكذا تتصالح مع ماهيتك العميقة ؟.

هل لأن الشيطان قليل الحضور والتواجد في هذه الواحة و بالتالي المسافة بيني و بينه عريضة مما يمنحني مساحة من الزمن للتفرغ لنفسي ومساءلتها بعيدا عن قلق فكري طافح وفائض وفزع لا متناهي؟.

هل لأن في فكيك المكان والزمان يأخذان معاني ووظائف وأبعادا غير التي تعودنا عليها و ألفناها في الأماكن الأخرى و بالتالي هذا ما يجعلني أهيم وأسبح في البعد الروحي الذي لا يحضرني في الأماكن الأخرى ؟.

هل لكوني تقدمت في السن، ولم أعد أنتمي إلى نادي الشباب، وأصبحت من قدماء هذه الأرض ومن كهولها، وصرت أميل أكثر فأكثر إلى الهدوء والسكون والسلم وإلى كل ما هو بسيط، طبيعي ومسالم بعيدا عن صخب وضجيج، حركية وتلوث، فتن ومعارك المدينة ؟ .

هل كل هذه العناصر المذكورة سلفا متداخلة ومتفاعلة فيما بينها ؟.

أو ربما لا هذه ولا تلك، بل فقط  التشبث والتقيد بسماع آذان الصلاة كمقياس لضبط المواعيد بعيدا عن عقارب الساعة و ضغوطاتها، فما أجمل وأعظم أن يكون موعد عملك أو سفرك أو أكلك أو نومك أو استيقاظك أو أنشطتك مقرونا بسماعك ذكر اسم إله الكون وتذكيرك به : ما بعد آذان صلاة الفجر كموعد للسفر أو التوجه نحو الواد والبساتين، ما بعد آذان صلاة الظهر كموعد لتناول وجبة الغداء وبعدها القيلولة، ما بعد آذان صلاة العصر كموعد للالتقاء مع الأصدقاء بمقاهي” تاشرافت” أو التوجه نحو البساتين، ما بعد آذان صلاة المغرب كموعد للوليمة (الصدقة)، ما بعد آذان صلاة العشاء كموعد لتناول وجبة العشاء، وبعد ذلك النوم أو اللقاء بالأصدقاء قصد السمر والسهر.

هذا التقسيم القديم /الجديد والمنفرد للزمن والذي يستحضر ما بعد آذان الصلاة كأوقات محددة للمواعيد على الأقل أربع مرات في اليوم.”الله أكبر” أربع مرات في كل آذان للصلاة مما يجعلك تسمع هذه العبارة بصوت مرتفع، صافي ودون أدنى ضجيج أو تشويش أو تلويث على الأقل ست عشرة مرة في اليوم إن لم يكن اثنتين وثلاثين أو ثمان وأربعين أو ما يزيد عن ذلك حسب موقع تواجدك في لحظات الآذان، فالمآذن متعددة ومتقاربة فيما بينها، فبين مئذنة ومئذنة تعلو وتنتصب مئذنة. “حي على الفلاح ” أليس في هذا النداء الذي ينادي به و إليه كل مؤذن مرتين في كل آذان للصلاة ما يغري و يشد إلى التقرب أكثر من وإلى إله الكون ؟.

  في فڭيڭ لا شيء غريب هناك ،لا غربة ولا اغتراب ولا تشيؤ، هناك إنفراد المكان والزمان، هناك الأنا والجمع، الجد والجدة، الأب والأم هناك، الأهل والأصدقاء هناك، البيت الذي رأيت فيه النور وصرخت وتعلمت فيه كيف أحبو وكيف أمشي وكيف أتكلم وأنصت هناك، الأزقة والمساحات التي لعبت ومرحت فيها هناك، الوحل الذي لطخت به ثيابي وكذا جسدي هناك، المدرسة التي تعلمت فيها هناك، هناك تعلمت ركوب الحمار وأيضا قيادة الدراجة، البساتين التي تعلمت واشتغلت وغرست ولعبت وصهرت ونمت فيها وأكلت منها هناك، النخلة التي رضعتها بعد أمي هناك، الصهاريج التي تعلمت فيها السباحة هناك، الجبال التي تسلقتها هناك، “زوزفانة ” الواد الذي حطبت منه واستقدمت منه التمور والحشائش ومرحت في تلاله الرملية وسبحت في مائه واصطدت من سمكه وأكلت من تموره، وبعد ذلك منعت وحرمت من زيارته بل حتى من رِؤيته وأنا في أعز شبابي بعد أن سلب منا ومن أهلنا هناك. هناك ولدت وهناك ترعرعت وهناك ودعت طفولتي، مراهقتي وجزء من ذكرياتي، وباختصار كل ما يوحي إلى جذوري وأيضا إلى باطني العميق هناك. أزقتها هي المكان الوحيد الذي أمشي عليه حافي القدمين (كما في شط البحر)، هي المكان الوحيد الذي أتجول فيه دون إنارة، أوحتى دون أن تشكل لي الظلمة مصدر خوف أو انزعاج (دون أن أنسى رحم أمي)، هي المكان الوحيد الذي أسير عليه دون أن أتحسس جنبي وجيوبي، دون أن ألتفت في جميع الاتجاهات، دون أن أكون في حالة استنفار. واحتي هي المكان الوحيد الذي لا أعير فيه أدنى اهتمام أو تركيز لإقفال باب المنزل بل في مرات عديدة يبقى طوال الوقت نهارا وحتى ليلا مفتوحا دون حتى أن يوارى. هناك في واحتي حتى التراب طاهر، لم يكن ولم ننظر إليه مرة ما كغبارأو كأوساخ، وأتذكر جيدا في الطفولة كم من لعبة صنعناها وكم من ألعاب لعبناها من طين ومن تراب (لعداد، خلوضة، غاتير، لفتوح، أخلول ،أقشود، إبودا، تكحيين ،تدرين)، بل كم منا كان يتذوقه أو حتى يلتهمه في غفلة من أهله وذويه، من منا من أهل الواحة لم ينم على الأرض وهو مفترش مباشرة التراب، دون حتى حصير، وهو موسد السطور(إبودا) أوالمصاطب (التكانات) أو راحة يده، ولو في لحظة قيلولة عابرة  تحت ظل نخلة ؟ من منا لم يختلط عرقه ودمه بتراب الواحة ؟ ومن منا لا يحمل في أحشائه نصيبه من تراب الواحة، قد يكون في حجم طوبة (توطوبت) أو ما يزيد عنها ؟ – ألم يخلق الإنسان من تراب ؟- (أتذكر جيدا “نظرية “غريبة وعجيبة لأحد حكماء الواحة إذ كان يردد في مرات عديدة على مسامعنا ونحن مراهقين : «أصل الإنسان الأول من “تاغيت” Taghite- وهي منطقة مجاورة للحدود المصطنعة مع الجارة الجزائر- إذ كانت الأرض هناك في العصور الغابرة تنشق وكان الإنسان  يخرج من داخلها عبر هذه الشقوق كما الفطر “الترفاس” ” “les truffes وبعد ذلك ينتشر في أرض الله الواسعة و يشكل القبائل والأمم ويصنع الحضارات »).على جدران الواحة أصابع آبائنا وأجدادنا مرسومة ومنحوتة ،على بساتين الواحة عرق وجهد آبائنا وأجدادنا مسكوب ومكتوب  ويتحدث لكل من أراد الاستماع إليه ولكل من بإمكانه فك ألغازه ورموزه ،معانيه ودلالاته.

  في فڭيڭ نعيش لحظات و نحن سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين غني وفقير، بين عاطل و مشتغل، بين دكتور و شيفور (سائق)، بين أستاذ جامعي و طلبته، بين مهندس و فلاح، بين القادم من نيويورك و القادم من الماروك (المغرب)، بين عاقل ومعتوه وحكيم.

   في فڭيڭ الفضاء العمومي غير قابل وغير مؤهل لعرض وتأثيث وبالتالي استيعاب بعض مظاهر البؤس الاجتماعي التي نحياها بشكل مكثف ويومي في المدن وحتى القرى والدواوير، لا مكان هناك للمتشردين أو الشحاذين والمتسولين، لا مكان هناك للنشالين، فضيق وقلة ذات اليد لا يعني بالضرورة أن تمد للآخرين، ليس هناك مساحة لبائعي السجائر المتجولين،ولا للذين يقتاتون من النفايات ولا مجال هناك لماسحي الأحذية، فتراب وغبار الواحة أنظف من الكريمات والملمعات المصطنعة، والشمس والرمال أحسن وأمهر ملمع، أو ربما الأصابع لا تشير والعيون لا تمتد ولا تصوب نحو الأرجل والأقدام من أجل تصنيف الناس وتقييمهم هناك.

أليس في الابتعاد عن صخب و ضجيج المدينة والتخلص من عنفها المادي واللغوي و الاستراحة من ضغط العمل و البحث عن القوت اليومي، ما يمنحك مساحة من الزمن لتختلي بنفسك، تتصالح معها، تتحدث إليها و تستمع لها ؟ .

في فڭيڭ أتحرر من صرامة الوقت و الارتباط بعقارب الساعة وأرقامها، أتخلص من ثقل ورتابة  متابعة ومراقبة أطفالي، أستقيل من وظيفة مقتصد، معلم و شرطي الأسرة، أقاطع كل ماله صلة بالبروتوكولات، أكف عن مراقبة نفسي وكل شيء في : لغتي، هندامي، لباسي، حركاتي وخطواتي، أهجر أثاث فراش لم يصنع من أجلي وأفترش ما يشبه الأرض (تحلاس، تشضفين، إجرتال) ،أبتعد كثيرا عن الجرائد، عن الكتب، عن الهاتف، عن المذياع، عن التلفاز، عن الأنترنيت، أتخاصم مع المرآة ، وأضع أو بتعبير أدق، أصح وأوضح، توضع مسافة بيني و بين زوجتي، بل حتى أطفالي يتحررون من كونهم رهائن لي، لأمهم، للعمارة وللجدران الأربعة.

 فڭيڭ، الواحة المحاصرة والممزقة الأطراف بفعل طاعون السياسة والمصلحة، اللامكان  يتحول إلى مكان والمحدود فيها يتحول إلى اللامحدود، أو كما قال أحد حكماء الواحة عندما لاحظ هناك الأطفال يلعبون ويمرحون مطمئنين – كما أهلهم – وهم في أمان وحرية تامة إذ خاطبهم قائلا  :« لا عليكم يا أطفال لقد وجدتم كل الحرية والفسحة والرحابة في الأرض المحدودة التي تشكو الضيق».

أليس في الكف عن استعمال الإنسان كمجرد أداة لتأثيث فضاء يعرض فيه كأرقام صالحة للعد والتعداد و كآلات  للإنتاج و إن أصيب بأعطاب ما يجعله يسترجع إنسانيته ويتصالح مع ذاته ؟.

في فڭيڭ أحس بوجودي كإنسان لا كآلة إنتاج، كانتماء إلى علاقات اجتماعية، إلى أسرة كبيرة، إلى جماعة، إلى طفولة، إلى حلم أجهض، إلى وهم تحقق، إلى ثقافة، إلى تقاليد وعادات، إلى ذاكرة ونسيان وتاريخ، لا مجرد فاصلة في نص بدون طعم، أو رقم في عملية حسابية بدون حاصل.

في فڭيڭ أنا فلان ابن فلان وابن فلانة وحفيد فلان وفلانة وأخو فلان وفلانة وابن أخ فلان وفلانة وابن أخت فلان وفلانة وابن عم فلان وفلانة وابن عمة فلان وفلانة وابن خال فلان وفلانة وابن خالة فلان وفلانة وأبو فلان وفلانة أبناء فلانة. أنا المعرف لا مجرد نكرة أو نقطة.

في فڭيڭ أشعر بكينونتي نخلة ضاربة بجذورها في عمق الأرض، وبطول جدعها في رحابة السماء، وبخضرة سعفها (ترضوين ) في بهجة الحياة، وبوفرة تمورها في حب الناس، وبعمرها المديد في تخوم التاريخ، صامدة  لن تزحزحها أية ريح مهما عصفت وزمجرت، وليس مجرد ورقة صفراء في غصن شجرة تتساقط وتتهاوى على الأرض مع أي نسيم هب.

في فڭيڭ أتحدث بلغتي، لغة الأم التي رضعتها، وأول ما عرفت الله عرفته هناك وبهذه اللغة وتحدثت إليه بها، طلبته ورجوته بها، وكان يستجيب لي بها دون أن نحتاج أنا وهو إلى ترجمة أو مترجم أو تشويش من وسيط ما، كما لم أستعن يوما ما بكتب الدعاء المستجاب أو المستحب أو ببصمات الفقهاء، أو بمصفاتهم أو بتأشيراتهم، بل فقط البراءة والنية.

نعم في ديننا الله موجود في كل مكان وكل زمان، ودائم الحضور إلى جانبنا، وهو القريب منا وإلينا من حبل الوريد، أو كما تردد أمي دائما: «بيننا وبينه فقط حجاب كالذي يفصل التمر عن النوى»، أو كما قال ذات يوم الشيخ الأكبر ابن عربي: «هو الأقرب إلينا من أنفسنا». وهو الذي يقول لنا دون كلل أو ملل أو انقطاع: «أدعوني أستجب لكم أينما كنتم، أينما حللتم وارتحلتم». لكن هناك في فكيك أحسه واستشعره أقرب مني وإلي أكثر من قربه مني وإلي في أي مكان آخر و في أي زمن آخر غير زمن فكيك.

أن تحل بفكيك هو نوع من غض الطرف عن العالم كله (2)

أن تحل بفكيك هو أن تقفل الأبواب عن العالم كله وتفتح أبواب نفسك العميقة.

هناك في فڭيڭ تكون أقرب ما تكون لنفسك.

هناك في فڭيڭ تشعر بكينونتك وماهيتك غاية وليست وسيلة.

هناك في فڭيڭ تسبح وتغوص في باطنك العميق.

هناك في فڭيڭ تجد نفسك وتجتمع إليها بعد أن تكون بحثت عنها في كل مكان دون جدوى (3).

هناك في فڭيڭ منسوب الفتنة يدنو ويقترب من درجة الصفر.

هناك في فڭيڭ يتم العبور والانتقال من حالة كلب إلى حالة قط.

هناك في فڭيڭ ترسو وتخبو النفس المتوترة وتطفو وتبدو النفس المطمئنة.

هناك في فڭيڭ سكينة تطاردك كي تحل فيك وتسكنك.

هناك في فڭيڭ أفعال رومانسية ما، تظهر وتبدو لك، تناديك، تغريك، تشدك إليها ثم تستضيفك.

هناك في فڭيڭ ينضاف ما هو روحي كبعد رابع إلى الأبعاد الثلاثة.

هناك في فڭيڭ تنفلت إلى حد ما من طغيان البعد الأفقي لتقترب أكثر فأكثر من البعد العمودي.

هناك في فڭيڭ حقل مغناطيسي وجاذبية، للطبيعي، للفطري وللروحي. وفي مقامك هناك تقترب، تغترف وترتشف منهم، فالواحة هي المكان المجبول دائما بروح الطبيعة والحرية.

لن أقول كلما أحل بفكيك يزداد إيماني أو شكي. لن أقول بنظرية أو بفعل الحلول كما هو الشأن عند بعض المتصوفة، أو عند بعض الديانات الشرقية. لكن أقول هو شعور وإحساس. وهل من سر و معنى لهذا الشعور ولهذا الإحساس ؟.

************************************************

* فڭيڭ، Figuig، أو فجيج: واحة تقع في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية على الحدود المصطنعة مع الجارة الجزائر وهي مسقط رأسي.

1-عبارة واردة في كتاب: “في جنيالوجيا الأخلاق” لنيتشه ترجمة فتحي المسكيني والعبارة شاهد مأخوذ من:غوته فاوست،3781-3782.

(2) تعبير مستعار من المفكر التونسي فتحي المسكيني مع بعض التغيير

(3) تعبير مستعار من الروائي الليبي إبراهيم الكوني مع بعض الاضافات

* مصدر الصورة هو موقع: figuig aghram inoukh

من أرشيف الكاتب:

المركزية المعكوسة أو احتقار الذات المبدعة

  عمر بن اعمارة   لا أدري إن كان وصف المريد هو الكلمة الأكثر ملاءمة لحالاتنا الفكرية ؟ وهل يمكننا الحديث على أن الأمر ظاهرة ثقافية تشكلت مع الفعل والتأثير الاستعماري أم مجرد حدث مؤقت وعابر؟ لا أخص بالحديث هنا ما يسمى في المعتاد بالعامة أو الجمهور، بل أعني أساسا …

أكمل القراءة »

 أركون تحت سهام حميش أو النقد كإلغاء للآخر

عمر بن اعمارة   “في الإسلام الثقافي” هو عنوان الكتاب الذي أصدره الكاتب المغربي الدكتور بنسالم حميش عن الدار المصرية اللبنانية للنشر الطبعة الأولى مايو 2016 يقع فيما مجموعه 336 صفحة ،21 سم وهو مقسم الى مقدمة وستة فصول وخاتمات و ثلاثة ملاحق. الكتاب، بعد المقدمة تحدث في خمسة فصول، …

أكمل القراءة »

عالم إسلامي خارج التغطية الحضارية للعصر

عمر بن اعمارة من حادثة ظهور السيدة العذراء في سماء مدينة القاهرة فوق قبة الكنيسة بعد هزيمة المجمع العربي أمام دولة إسرائيل الفتية سنة1967م،مرورا بسماء مدينة مكناس حيث حلقت الملائكة في إحدى ليالي رمضان من هذه السنة، إلى حادثة الرؤيا والحلم بكنز مدفون بسفوح جبال قرية سرغينة بإقليم بولمان: عالم …

أكمل القراءة »

من دكار إلى جاكرتا. هل يشهد العالم الإسلامي “صحوة إسلامية” ؟

  عمر بن اعمارة (المغرب) هناك انحدار وانزلاق نحو الحضيض والمزيد من المستنقعات المملوءة بالضحالة والرداءة –  في تجليات ومظاهر الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي “…وهذه الصحوة – أو البعث، أو اليقظة – التي نعيشها اليوم، هي صحوة عقل وفكر، وصحوة عاطفة وقلب، وصحوة إرادة وعزم وصحوة عمل ودعاوة .فهي …

أكمل القراءة »

“الإعجازالعلمي”: دفاعا عن الإيمان،أم ثرثرة خارج النص والعصر ؟

بقلم :عمر بن اعمارة إن الإيمان من الأمور المعقدة التي تدخل في خانة الذاتية ،لذلك يبقى مسألة شخصية ،فهو لا يخضع للمنطق والبرهنة والسببية .الإيمان هو ذلك الشيء الذي يأتينا من الداخل، هو تلك السيمفونية الخاصة التي يعزفها الشخص المؤمن خارج أي مراقبة أو تَنَصُّت أو إكراه ،لذلك إما أن …

أكمل القراءة »

 

 

 

شاهد أيضاً

الاغتراب  الثقافي والجنون الجزء 2

علي محمد اليوسف يرى الدكتور مراد وهبة ان لفظة عبقرية تعني التميّز بقوى عقلية خارقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *