جديد
الرئيسية / فكر وفلسفة / شاشة / فيلم “صيادو العقول” في رحاب التحليل النفسي والفلسفة: مقاربة نقدية سينمائية

فيلم “صيادو العقول” في رحاب التحليل النفسي والفلسفة: مقاربة نقدية سينمائية

بقلم: يوسف عدنان                               *

أستاذ الفلسفة – متخصص في التحليل النفسي –  باحث في النقد السينمائي ؛ من المغرب  *

جاء فيلم “صيادو العقول” * الذي تم إنجازه سنة 2004 على يد المخرج والمنتج السينمائي القدير “ريني هارلن Renny Harlin” وتولى كتابة السيناريو له، كل من الكاتبين “واين كرامر Wayne Kramer ” و “كيفين برودبانKevin Brodbin “، كرجة قوية تنزّلت على مسرح السينما الغربية مفعمة الشاشة السيكو-فيلمية، بتيمة نادرة تُزكّي لا هوادة تلك العلاقة المتينة بين علم النفس والسينما. ويختزل علم النفس الفيلمي تعريفه للسينما في كونها مختبرا عمليا للسيكولوجيا البشرية ومجالا للاستبصار العميق بكوامن الفعل الإنساني وكواليسه اللاشعورية ومصادره الإبداعية وإمكاناته الإعلائية بل وحتى حدوده الباثولوجية {أي المرَضِيّة}. ولا غرابة في أن الصورة الفيلمية –كتجسيد استبصاري- تلعب دور القناة التي تليّن عمليات الاسقاطات والتماهيات والهوامات التي لا تكاد تخلو منها مختلف السرديات السينمائية. ولأن الأفلام تترآى كموضوعات مرموزة، فإن هذه العمليات المُشار إليها تستبطن في جوهرها انعكاسا للاوعينا، موفّرة في حيثياتها رقعة أفسح لاستكشاف مسارح مخفية مما يسمى “باللاوعي السينمائي”، أين يصير النص البصري وما يولّده من تصورات غنية بالدلالات متعديا لحدود العين ومجسّرا بالمقابل قنوات الامدادات اللامحصورة بين المرئي واللامرئي، الشعوري واللاشعوري … الخ.

تدور أطوار الفيلم على جزيرة منعزلة تدعى “Oneiga” حيث يُقيم مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية معسكره الذي يُدعى في قاموسهم التداولي (صائدو العقول) التابع لقسم التنميط النفسي؛ وفيه يتم تدريب العملاء المستقبلين على كيفية تعقّب القتلة المتسلسلين وتمكينهم من الخبرة اللازمة لقراءة ذهنية المجرم وفك ألغاز القضايا العالقة التي تتطلب معرفة عقلية ونفسانية بالأخص، أكثر منها تداريب عضليّة أو جسمانية لا تضمن الجاهزية المرجوة من العميل في طور التمرين حتى يباشر عمله المحفوف بالمخاطر واللاّمرحب فيه بأدنى هامش للخطأ الذي قد يكلّفه غالبا حياته، إن لم يأخذ نصيبه من مُطالعة علم النفس الإجرامي إلى جانب الإلمام بتطبيقاته العملية حتى تلقى المعرفة النظرية سبيلها أو ترجمتها في الواقع، بدل تُخمة التنظيرات التي تُبِين على هشاشتها في أول اصطدام لها مع العالم المادي المعيوش، الذي يُعتبر المختبر الحقيقي للخبرات التي يتم تحصيلها ومراكمتها على مستوى التكوين الذي يخضع له ما يدعون بالمايندهانتر.

يقع في المعسكر حدث غير مُرتقب يفسد التدريب ويُدمي عن حقّ وحقيق المشهد البدئي المُخاتل الذي كان مفعما بالمحبة والإخاء والترويح عن النفس قبل النزول إلى حلبة الاختبار، وذاك حينما سيكتشف سبعة من العملاء أن أحدهم قاتل متسلسل، يخطط للتخلص من الجميع في زمن وجيز لا يتعدى ليلة وضُحاها. لذا كان لعامل الزمن منسوب جدّ هام بالنسبة للقاتل المتسلسل “serial killer” في تنفيذ مخطّطه الوحشي، لكن المليء بالدقة وفن التمويه والذكاء الاستثنائي والقوة الهادئة {…} الخ. فأن تضع الآخر تحت الضغط، فهذا يعني أنك تمتحن أسوأ وأحسن ما فيه. إذ لم يكن من المهم لدى القاتل المتسلسل الفوز فقط في التحدي الذي أخذه على محمل الجدّ ولكن أن يُضعف خصومه ويرّوضهم كالغنم {المقصود هنا أعضاء المجموعة} إلى حدّ يُثبت معه عدم جاهزيتهم وسوء تقدير المكتب الفيدرالي لقدرات رعيله من العملاء، كما سنأتي على التفصيل في هذا الجانب فيما سيتقدم من الورقة.

هكذا وجدت المجموعة نفسها أمام محكّ حقيقي لا تُلطّف أجواءه ذرّة من الرحمة لإثبات مهاراتها المنتظرة لا نرجسيتها الموهومة، لا سيما وأن هذا الاختبار لم يعد متعلّقا بامتحان قريب من الافتراضي وإنما أصبح يشي بمسألة حياة أو موت، اندثار أو بقاء، صمود أو انهيار، فوز أو هزيمة، فيصير الهمّ الشاغل لكل واحد منهم/منهن أن يفلُت بجلده بعد أن بدأ عداد الموت في الاشتغال وحصاد الأرواح، وذلك منذ أن وطأة أقدامهم الجزيرة القصيّة التي ستتحول مع حلول الغروب إلى مسرح جريمة ومقبرة مُوحشة ابتلعت أغلب أعضاء المجموعة في ريعان شبابهم.

ففي فليم “صيادو العقول” نحن أمام قصة زاخرة بوقائع مشوّقة وهامسة تتمتّع بشدادة الاتقان من حيث التماسك البنائي، وحبكة على درجة عالية من التنظيم والاتساق بُذل فيها جهد مُضني من طرف الطاقم التقني في الربط بين متواليات الأحداث، إلى جانب الإحكام الإخراجي والأداء التمثيلي الخصيم. وما من شك في أن نجاح هذا الفيلم يعود إلى كلّ ما هو غرائبي وغوري ومبالغ فيه أحيانا، يُفرط في التبسيط من جهة ويزيد من حدّة التعقيد من جهة أخرى. ولا نبالغ إذا قلنا أنا هذا الصنف من الإنتاج السينمائي يستشف منه النقاد من مختلف الجنسيات انتكاسات وجودية وإحساسات متراوحة بين الاختناق والمتعة الساذجة وحضورا طاغيا لثنائية الخير والشر مع غلبة الأخير-، على نحو يذكّر بعوالم هانيبال وكافكا وبينتز وغيرهم.

على الورق، يأتي “صيادو العقول” في شاكلة فيلم ذكيّ ومستفزّ نوعا ما لمدارك المشاهد وإمكاناته التحليلية ومقدراته الاستيعابية، يجمع من حيث مرجعيات التصنيف المأخوذ بها، بين الجريمة والرعب والغموض والتشويق والإثارة، وهو من حيث التحليل الفيلمي لا يتطابق إلاّ مع مجموع القدرات الاستنتاجية للأبطال. بعبارة أخرى، يراهن السرد السينمائي على التفكير بدلاً من العمل، التوقع بدلا من التموقع، الإستغوار في مقابل النظرة السطحية {…} الخ. لذا قد نوجز القول -بعد مقاربة مضمون الفيلم نقدا وتحليلا-في المستنتج التالي: هو أن القوة لا تكمن في المجهود الذي يُبذل ولكن في الكيفية والطريقة التي نُصرّف بها هذه الطاقة التي قد تكون ميّتة أو حيّة بدواخلنا. وهذه المحصّلة خير نتيجة يصل إليها التحليل النفسي في إطار محاولة فهمه للنفس البشرية حتى وإن أخذت الأفعال والسلوكيات -المعدودة بشرية أو شبه حيوانية -من الصورة السينمائية غطاء تندس تحته حقائقها المواربة والمتنابزة بين اللفظي القولي والمرئي البصري واللامرئي التخيّلي.

فعلى صعيد النص السينمائي وتدبير ايقاعاته وملابساته العاصفة بذهنية المشاهد وعواطفه وعقله الباطن، يطغى بل يهمين بشكل ملحوظ الجانب السيكولوجي على جلّ الأحداث والوقائع ونسيج الحبكة على نحو عام. لذا ينبغي التذكير في مُفتتح هذه القراءة النقدية التحليلية، أنه لا يمكن تحقيق فهم نفساني كامل للأفلام دون تبنّي مقاربات تفسيرية – رمزية. فالأفلام على وجه العموم بمثابة نوافذ أو مرايا تعكس عالم السلوك البشري وطرائق عمل الذهن والطبيعة الإنسانية ذاتها، حيث يمكننا عبر الاندماج في الأفلام رؤية التطور الفردي لدى الشخوص عند حدوثه، أي عمل الآليات الدفاعية اللاواعية والعمليات الاجتماعية النفسية {…} الخ. هنا تصبح المادة الفيلمية مسرحا تُعرض على واجهته الكينونات النفسية {1}.

لقد رافق عدسة المخرج هاجس تعرية طبقات النفس وإبراز نقط ضعفها وقوتها منذ الومضات الافتتاحية الأولى للفيلم حتى أنفاسه الأخيرة، ولا أدلّ على ذلك أكثر من النماذج المشهدية التي سنتوقف عند تحليل بعض منها أثناء محطة العرض، بُغية سبر أغوارها واستكناه وظائفها التعبيرية والإيحائية، مولّين ذات الحين اهتمامنا لأبعادها النفسية ووظيفتها في البناء الدرامي للأبطال والأحداث والمحكي.

ونحن نرمي أنظارنا على محتويات هذا الفيلم السينمائي الملغوم، آملين تفكيك مدلولاته وحلّ ألغازه المُستغلقة، نستشعر ذلك النهل والتماهي الذي يُقيمه المخرج مع أعمال المخرج المرموق “انغمار بيرغمان” الذي يقدّم في أفلامه رؤية فنية لا تخلو من قسوة لمكامن الضعف في الإنسان وللنزعات والميول المتناقضة التي تعتمل في أعماق الذوات البشرية دوما. كما أن أعمال هذا الأخير تستجيب لا محالة للمأثور الخالد الذي لفظه لسان روبرتو روسيني، ذاكرا: “لقد حاولت أن أعبر عن أغوار النفس وعن الينابيع المضيئة في أعماق الإنسان وعن الحقيقة الباطنية الفريدة للكائنات البشرية” {2}. فعندما يتعلق الأمر بمحاولة الولوج إلى مجاهيل النفس وعالمها الباطني –في هذا الفيلم-يتأوّه الفعل الإخراجي بإلهام وعبقرية تعتصم أمام معبد الصورة وكيمياء المحكي حتى يُسمح له بالنفاذ إلى أعماق الإنسان المتناقضة في سبيل الكشف عن المركبات المُعتملة في دواخله بحس فني رفيع لا يرقى إليه إلا القليلون، مسقطا معه غشاوة المعنى السطحي ومنبثا ذات الحين فيضا من الدلالات تُشفي لدى الرائي كلّ عمى بصري يبني أمام ناظريه جدارا منيعا يسعى الناقد بشكل حثيث هدم سمكه.

لعلّ من بين الإشارات التي من اللازم المرور عليها في عرضنا الأولي لمحتوى الفيلم، هي تلك التي تخصّ عنوانه الغير محكوم من منظورنا بطوق اللغة، إذ نعثر على ثلاثة تسميات يؤذي اختلافها اللّسني إلى استزادة سعة المعنى المُراد اختزاله في اللفظ، نوردها كالتالي:  profession profiler {حسب اللسان الفرنسي} و midhunter {حسب اللسان الإنجليزي} وكذلك نجد psyco-traguers {حسب اللسان الكيبيكي}. والحقيقة أن الفهم الأصوب لدلالة العنوان في تعدّديته قد يكون أحسن مُنطلق لسبر أغواره، بحيث تتواءم ثنائية العقلي والنفسي من حيث الدلالة الرمزية المُمكن أن نخرج بها –استنادا على فعل التأويل-رغم تنوع المسميات.

فما معنى أن تصاد شيئا غير ظاهر للعيان؟ أو بصيغة تساؤلية أخرى: كيف لنا أن نكشف عن نظام الأشياء التي يصمّمها العقل دون أن يحمل اللسان على عاتقه مسؤولية تبليغ ما ينتهي له من أفكار العقل نفسه؟ من باب التنبيه إلى جدوى هذه التساؤلات وغيرها، أنها تنير للمشاهد طريقا منتهاه التشبع باليقظة الدائمة إزاء التعاطي مع مقولة العقل فيما يتعلق بإمكاناته وحدوده وحتى زلاته {3}.

لقد أجاد السرد السينيمائي اللعب بموازين القوى الناهضة بأعمدة القصة، لا من حيث لفظية السيناريو أو بصرية الإخراج، ولم يترك للمتلقي فرصة الحسم في التوقعات والانتظارات التي يبنيها حيال الوقائع، وهذا يعود إلى كون حبكة الفيلم مؤسسة في نواتها الصلبة على فكرة الخداع والتمويه والمخاتلة والميكيافيلية {…} الخ، فأن تكون قارئا محنّكا لما يجول في ذهن الآخر ودفائن نفسيته، فأنت إذن تجيد الاستبدال الرشيق للأقنعة بالمعنى الذي يحيل على ليونة الشخصية وحربائيتها وقدرتها على التلاعب بالعقول وترويضها. فكيف لا يكون المتلقي كذلك ضحية منسوب تدفّق الأحداث وتناسقها -مثل المعمار الإغريقي-على نحو يحبس الأنفاس ويعيد كل الاستنتاجات إلى نقطة الصفر، ليخرج المشاهد خاوي الوفاض مع ذهول وخيبة في تقدير المجريات التي تؤول إليها الأحداث.

أما بالنسبة للغة السيناريو المتقشّفة، فقد أفلحت من جانبها في إزاحة فكرة البديهيات التي تُقبر السرد الفيلمي / العمل الفني في نعشه منذ بدايته، لتضع بالمقابل المتلقي أمام واجهات متاهية تبتعد قدر الإمكان من الشفافية، وهو بالمناسبة أسلوب في الكتابة السيناريستية يُضاعف جرعة التشويق ويقضي على الملل الذي قد يصيب الرائي أو يشتت انتباهه أو في أحسن الأحوال قد يخلق لديه حاجز نفسي يمنعه على نحو لاشعوري من تتمة الفيلم، تبعا إلى الطبيعة السيكولوجية لكل واحد منهم.

يعثر مخرجنا على تعبيره الخاص من خلال فيلمه في فيض من الانفعالات المعبّر عنها لدى الشخوص من خلال الصورة التي نجدها بالغة التركيز على الوجوه، ومنه يمكننا أن ندرك سر الأهمية التي يوليها هذا المخرج للوجوه البشرية في أفلامه. فالسحنة التي يكتسيها الوجه تملك قدرة تعبيرية تفوق قدرة الكلمات. الشيء الذي يؤكد وعيه التام بأهمية التعبير الجسماني، في أداء دور من الأدوار. فالكاميرا ليست، بالنسبة إليه، سوى “وسيط” في حين أن الوجوه البشرية هي التي تضفي على الفيلم خصائصه الفنية الرفيعة والمميزة {4}. وهو ما بصم عليه هذا المخرج في العديد من أفلامه {5}.

يقترب فيلم “صيادو العقول” بناء على التقديم المُبهر للتيمة المطروقة {اصطياد العقول} من أعمال الروائية الشهيرة “أغاثا كريستي” المعروفة بتفننها المشهود له في بسط معالم وخوافي العقل الإجرامي في تقابل مع نقيضه البوليسي، وهو فيلم كما أعرب بعض النقاد السينمائيين مُستوحى في بعض تفاصيله من رواية ” عشرة صغار زنوج”، التي توالد السرد في أحشائها من فكرة سجن متنافسين، يبلغ عددهم عشرة أشخاص، ينتظرهم امتحان عسير بل صارخ للحفاظ على الحياة والنجاة. وتمارس الرواية إغواء شديدا على القارئ مختبرة ذكائه وحاثة إياه على اكتشاف هوية القاتل المتسلسل. كما يقدّر أيضا هذا الفيلم قيد المناولة النقدية، كلوحة وافرة المعالم على الشخصية الإنسانية ومطبّاتها إلى جانب انكشافاتها التي لا تحصل هكذا بليونة أو على نحو شفاف، وإنما تتطلب نوعا من الاستفزاز والعزف على الأوثار الحساسة حتى تلفظ النفس مطمورها ومظمورها ومكبوتها المتعشّش في أركانها السفلية.

لقد أجاد المخرج فضلا عما قيل الاشتغال على الرموز وحقلها البصري منذ افتتاحية الفيلم، ولعلّ المشهد المغمور الذي يبيّن ما نسعى إلى توضيحه، هو عند دخول أعضاء المجموعة من العملاء الفيدراليين رفقة قائدهم”Jake Harris جاك هاريس” {الغائب الحاضر}، قاعة الاجتماعات داخل المركز المختار والمجهز بأحدث التقنيات. إذ أن أول شيء سيترآى لأنظار المشاهد هي تلك الساعة المثبّتة على الحائط مع تركيز عدسة الكاميرا على دوران العقارب في حركة ايحائية مُنمّة بسلطة الزمن، تدسّ فيما وراء المجال البصري رسالة ملغومة تفيد بمحدودية الحياة لزوار المكان. فالزمن مرتبط في هذه اللقطة بنبض الحياة وخصيمه الموت. وهكذا يرتفع المعنى المراد تمريره إلى فلسفة خاصة بالصورة السينمائية يستجدي منها المخرج تذكير المشاهد بمكر الزمن، ففي كل كسر ثانية يمضي يرسم على الخريطة البيولوجية للمرء مسارات الفناء، فالزمن قاتل ويكفي الوعي بهذا المعطى حتى يستنتج المرء أن تاريخ ولادته يتضمن موعد مماته، بمعنى آخر منذ أن يقذف بالكائن إلى الوجود فهو قد أحشر ضمن معشر الموتى بكل الحمولة الأنطولوجية للمعنى.

من المحسان التي يجود بها فيلم “صيادو العقول” هو مزجه المحكم بين الواقعية في السينما والخيال الجامح كنمط مؤخوذ به على مستوى السرديات الفيلمية والذي يُفتّق بحركة فريدة من نوعها أطوار الحبكة ويجعلها متذبذبة بين المعقولية واللامفكر فيه بين الواقعي والخيالي. هنا قد تتوفر مساحة للتحليل النفسي حتى يسبح في تموجات السيناريو الغاتقة. إذ لم تكن لغة الإغراء الكلامي جد قوية في ثنايا السرد، لكن هاجت بالمقابل لغة الجسد وأمست العلامات المتضمنة فيها تنطق بالقبول أو الرفض بالفهم أو عدمه، ملفوفة في طراز جسداني تحرص فتنة الصورة على ترتيل أبجدياته. لكم من مشهد اقتنصت فيه الصورة المستبصرة خبايا العقل ارتكازا على واجهته الجسدية. ففي الوقت الذي تهادن فيه بعض اللقطات / المشاهد الهادئة عيون الناظر، هو نفسه الزمن النفسي الذي انفلت من وعيه، حتى لا يدرك أن الحبكة المعروضة على الشاشة السينمائية قد اصطادته كم من مرة حتى صار تائها في مدارات السرد الفيلمي اللعوبة والمحيرة.

  1. الأبعاد الفلسفية للفيلم

فيما يهم البعد الفلسفي الكامن في صميم الحبكة المخرجة سرديا وبصريا نجد من أبرز التيمات الفلسفية التي تناولها الفيلم كالآتي: العلاقة مع الغير وجدل القدر والإرادة والطبيعة البشرية التي يتجاذبها الخير والشر وثنائية الحياة والموت والزمن في شقيه المدرك والمعيوش. فالنسبة للعلاقة مع الغير، يمكن تعريفها بكونها تلك الحالة الإنسانية التي يجد الأغيار أنفسهم بصددها أثناء التفاعلات التي يباشرونها مع بعضهم البعض، سواء اتسمت بالتقبل والصداقة أو الرفض والصراع أو الغرابة والتوجس إلى غير ذلك {…}، ولقد افتتحت الفلسفة التفكير في هذا الشرط الوجودي الذي لا غنى عنه تبعا لمناولات وتأملات متباينة قدرا ما لكن تنتهي إلى مكرسة بإصالة حجم حضور الغير في حياتنا وأشكال العلاقة التي يمكن أن نأخذها معه سواء قدرناه “كغير” بالمعنى الإنساني للكلمة أو “كآخر” بالمعنى التشييئي إذا صحصح التعبير.

لقد كان القاتل المتسلسل “البطل المهزوم” مضطرا لاختبار وعيه وتأكيده من خلال العلاقة الجدلية التي تجمعه بالآخر – المقصود أعضاء المجموعة -. فهو لم يكن بمقدوره الحكم على نفسه بأنه الأبرع فيما يفعل كقارئ محنّك للشخصيات، إلا بنقل التحدي الى رقعة موضوعية أكثر، استجابة لقولة “فريديريك هيغل”: “تتعرف الذات على نفسها وامكاناتها في صدى الآخر”. فالغير حسب الفلسفة الهيجلية هو المؤسس لليقين الحقيقي بالذات. وهكذا لكي يرقى وعي الذات من مجرد وعي بسيط وحسي هوية خالصة وفارغة تفتقر إلى الحقيقة إلى وعي فعلي، لابدّ من اعتراف ينتزع من خلال علاقة صراع تمثل في اللحظة الأساسية الأولى علاقة السيادة – جدل السيد والعبد – بينما تمثل لحظتها الأخيرة الاعتراف المتبادل. يحاول هذا الوعي أن يؤكد ذاته في مواجهة الوعي المقابل له وذلك من خلال الرغبة في انتزاع الاعتراف بالذات مع الغير، وستقوده هذه الرغبة الى الدخول معه في نزاع محتدم ونزال يتجذابه موقعين {السيد/العبد}. لذا ينظر إلى هذا البعد السيكولوجي الثاوي في ثنايا السرد الفيلمي كتجلي بارز للدياليكتيك الهيغلي، حيث أن فكرة نزع الاعتراف تكرست كمطلب ملحاح يسعى إلى نيله جميع أعضاء المجموعة محطّ الاختبار. إلا أن شدة الدافع لدى القاتل المتسلسل جعلته أكثر انغماسا في تحصيل هذا الجانب والدفر بالرهان {6}.

أما بخصوص الطبيعة البشرية فهي مسألة مطروحة بشدة في ثنايا السرد الفيلمي يستجدي منها الفيلم إعادة النبض لسؤال فلسفي مؤرق ومتروك بدون جواب نهائي: هل الإنسان خيّر بطبعه أم شرير بالجبّلة؟ لم يقدم الفيلم جوابا عن هذا السؤال، بل ترك للمتلقي فسحة الاستنتاج الذي قد يفضي به إلى اعتبار الانسان خير وشرير في نفس الوقت لكن يظل له هامش تغليب الجانب الذي تهواه نفسه.  كما أن السيناريو الفيلمي لم يهدف حقيقة إلى إيجاد تبريرا ما لهذا التقابل بين الإرادة والقدر وإنما حاول أن يُخرج المفهومين من عتمة الأنساق الفلسفية وينبتهما في مسرح الفعل الإنساني وإمكاناته المتذبذبة، حتى يضمن تعايشهما تحت سقف واحد، يلتهم فيه أحدهما الآخر. لذا يظهر المحتوى الفيلمي كطريق مقفول أو مسدود منذ البداية لكن تتخلله ذات الحين زقاق ضيقة تسمح لدينامية الأحداث بالمرور ولو بشق الأنفس.

وبخصوص ثنائية الحياة والموت فلا تكاد أن تمضي ثانية من الزمن الفيلمي دون أن يشعر المشاهد بسلطة هذه المتلازمات المكرورة على اختلاف الأحداث التي تجلّيها، منوّرا ساحة المشاهد بالتصميم الفرويدي للنفس البشرية المخترقة من طرف غريزتين: الايروس والتاناتوس، أي الحب والطاقة التي تشكل دافعا للبقاء والاستمرار والنزعة العدوانية التدميرية أو العنفية.

  1. شخصية البطل تحت مجهر التحليل النفسي

من سمات الذكاء الحادّ عند البطل “القاتل المتسلسل” هو كونه وفي جميع الجرائم الشنيعة التي ارتكبها لم يكن هو المنفّذ الحقيقي للفعل الجُرمي، وهكذا يغيب الركن المادي كدليل حاسم في إلصاق التهمة به من طرف المشرفين على التحقيق أو الهيئة القضائية. وهذا المعطى قد يدعونا إلى فتح أكثر من قوس لتدارس هذه المسألة، نجد أنفسنا في غنى عن إثارته، حتى لا ننزاح عن الأهداف المرجوة من إخضاع هذا الشريط السينمائي للتحليل والنقد.

لذا، قد نقول بالمختصر المفيد أن العقل الإجرامي أو حتى ذي النزوع العدواني -من باب تلطيف التوصيف-ليس بمادة هيّنة، من المستسهل تفكيكها لا بالنسبة للناقد السينمائي أو المحلل النفسي أو باقي ممثلين العلوم المهتمة بالنفس، إذ يجد الفرق تعبيره الصارخ بين ما هو مرضي / لا سوي وما هو غير عادي / خارج عن المألوف، يُستعصى تصنيفه في خانة الشذوذ أو الحالات السيكوبائية أو الجنونية الذهانية.

وحتى نعود لنلتفّ حول الفكرة المُثارة آنفا، كون القاتل المتسلسل شخصية ” Lucas harperلوكاس هاربر” على درجة كبيرة من الدهاء والفطنة، هو كونه يؤسس للفعل وبنيته، لكنه يترك الآخر – نقصد الطريدة – من ينفذّ أو ينفعل مع مجريات الأحداث في آخر المطاف. ومردّ ذلك إلى القراءة المُحكمة من لدنه لعقول المجموعة المُمتحنة. فمنهم على سبيل المثال لا الحصر من يعاني من نزع الفضول كشخصية ” J. reston جورج ريستون” وهو ما تسبب في مقتله السريع ليكون أول ضحية يفتتح بها القاتل المتسلسل طبقه الدسم. أما شخصية ”  Bobby whitmanبوبي ويتمان” فهي ترزح تحت غُمرة التحدي فكان من السهل اصطياده هو الآخر وجذبه من حيث لا يعلم {بما أن الاندفاع يُعمي البصيرة}، أما شخصية  “Nicole willis نيكول ويليس”، فلم تكن على قدر من العيوب أو نقط الضعف البيّنة، لكن إدمانها على التدخين شكل ورقة رابحة بالنسبة للقاتل، وذلك عندما عثر على مفتاح ضعفها وقام بتسميم إحدى عُلب السجائر منتظرا بفارغ الصبر أن تأتيها الحاجة الملحاحة للتدخين، عالما مسبقا أن منسوب الضغط الذي وضعها فيه – كسائر أفراد المجموعة – سيستدرجها لا محالة إلى الفخ الجاهزة حباله مهما تثاقلت عقارب الساعة أو مضت بسرعة أو بدت كما لو أنها مثبتة في سقف الحاضر.

أما فيما يخص شخصية “vince Sherman فانس شيرمان” الرجل الذي يعاني من إعاقة جسدية جعلته مقعدا في كرسي متحرك مدى الحياة، لم تشكل قدرا من التهديد بالنسبة للقاتل المتسلسل بل نجده قد أجلّ في مخطّطه المميت عملية تصفيتها، لأن وجودها سيقوم بخدمة بعض السيناريوهات التي أتقن هندستها وتفويض تفعليها للمجموعة المعدودة في قيد الأموات. لتتبقى في الأخير شخصيتين من أعضاء المجموعة هما  Sara moore” ساراي مور” وكذلك Gabe Jensen   جيب جونسون” ، اللذان توحدت مجهوداتهما والثقة المتبادلة في بعضهم البعض من أجل القضاء على القاتل المتسلسل “لوكاس هاربر” بعد اكتشافه، حيث لم يحالف الحظ سواهما ليكونا الناجين الوحيدين من هذا العالم المرقمن بدقة والمحكوم بالزمن في تدبيره من طرف صياد العقول “البطل الدموي”.

ومن بين المشاهد التي يمكن أن نستذكي منها فطنة القاتل المتسلسل هي تلك التي يجنّب فيها نفسه أن يكون في قفص الاتهام أو نقطة بادية على وجه الرادار. فتراه يتعرّض إلى حدث انفجار القارب رفقة أعضاء المجموعة من العملاء المتدربين، كما تجده يروي أحداث ماضيه المؤلم على الآذان العذبة لزميلته في الفريق والتي كانت بالمناسبة نقطة ضعفه الوحيدة وغريمه الصلب، بما تحوزه من صفات أربكت مخططه الاغتيالي، والأكثر اقناعا في استراتجيته التمويهية، هو أنه في معظم عملياته الابادية، نراه أقرب شخص من الضحية المستهدفة أثناء احتضارها، ليبعد عنه أي شك منطقي قد يحوم حوله.

لذا ومن غير المستبعد أن يكون المضمون الفيلمي امتحانا أو اختبارا ضمنيا أيضا لقدرات المشاهد ومدى استطاعته الانغماس في الأحداث وطاقته الاستعابية لمفاصل العرض إلى جانب الانتباه المطلوب منه للامنطوق في لغة السيناريو التي تتراوح بين النفي والاثباث، ممارسة تحريضا على متخيل المشاهد، عبر تُلّة من اللقطات التي تستفيق في كوامن النفس رغبتها وعطشها في بلوغ التفوق – إثبات الذات – تمثين النرجسية – تضعيف الثقة بالذات إلى غير ذلك. فعندما تشاهد فيلما من هذه الطينة الصلبة واللزبة ذات الحين، تعاني الشخصية المحورية فيه من اضطرابات نفسية –مع تعليق الحكم- وتستجيب إلى نداء القتلة المتسلسلين المطروز في جيناتهم السادية، لكنها تنعم – وهي المفارقة اللامفهومة- بإمكانات مقتدرة تجعل سيلا من الأفكار يتدفق ويزدحم في رأس الرائي، كما لو أن أسطول من النمل قد اخترق أُذناه يقتات في نفس الآن من ارتكاسات العقل الباطن { على سبيل المجاز}.

من بين الأسئلة التي قد تطرح المادة السينمائية – قيد التحليل – من زاوية علم النفس الإجرامي، هو لماذا تحول العميل المتدرب صنف قارئين الأفكار من خادم للأمن الفيديرالي إلى قاتل متسلسل ومجرم باللغة المدنية؟ لعلّه سؤال يُسحب استحقاق الجواب عنه دون غيره، لأن في ذلك فك لأهم شفرة في حبكة الفيلم. لكن تظل أي إجابة ممكنة عنه شديدة الاستعصاء دون الاستعانة بفن التحليل النفسي لأن فعالية هذا الأخير تكمن في اكتشافه لفعل أو دور الكبت في تكوينه للحقيقة اللاشعورية التي نجهلها.

ندشّن أول خطورة في إطار التحليل النفسي لشخصية القاتل المتسلسل بالنفاذ إلى متخيّله كما شيّده وفعلّه على مستوى الواقع. لم يكن الأمر بالنسبة للبطل المهزوم مجرد اختبار بسيط لنيل كفاءة مزاولة مهنة صياد العقول، وبالتالي قد صمّم في ذهنه بإيعاز طبعا من عقله الباطن مسرح جريمة حقيقي، لينقل المشهد التدريبي من سجل الافتراضي إلى حيّز أكثر واقعية. لكننا لحدّ الآن لم نجب بالكامل عن السؤال المطروح، غير أننا قمنا بفك أول حُزمة من سلسلة عنقودية قد تقودنا إلى تملّك المفتاح الذي يسمح بالولوج إلى سيكولوجية القاتل. ينجم الدافع الحقيقي وراء اتخاذه قرار تصفية كل أعضاء المجموعة الفيديرالية من استسهال هؤلاء إلى جانب قائدهم هذا الاختبار. فبذل أن يكون مسرح التدريب مؤثث بالدمى الوهمية والرصاص الاصطناعي، من الأجدى أن يصير أطراف النزال هم أنفسهم الدمى.

بمعنى آخر لقد حمل القاتل المتسلسل التحدي إلى عتبة الواقع الفعلي وأبدل المشهد الافتراضي بكائنات بشرية حيّة، معتبرا أن النجاح في هذا الاختبار هو التأشيرة الحقيقية لكسب رهان التوظيف في قسم الشرطة الفيدالية الأمريكية، لا ذلك الرصاص الاصطناعي أو التداريب الروتينية التي تهيّأ عملاء معرضون للموت في أيّة لحظة وتنقصهم براعة قراءة العقول. ففي قناعته الذاتية لا توجد هناك اختبارات شكلية أو لنقل غير حقيقة، فحتى يكون هناك اختبار حقيقي، لا بدّ أن يكون هناك أيضا رصاص حقيقي ومخلّفات يقتضيها منطق الصراع. وخير دليل على ذلك هي العبارة التي أحبّ أن يمضي بها السيناريست على الفيلم في خواتمه عندما قال خصمه اللذوذ شخصية “جيب جونسون” لزميلته “ساراي مور” بعد القضاء على القاتل المتسلسل: “هذا الرجل لا يميته سوى الرصاص”. كما لو أنه أراد أن يقول بمعنى آخر، إننا لم نفهم منطق اللعبة أو على الأقل استوعبناها على نحو متأخر “Play the Game Play to Win .

بالرغم مما يبدو على شخصية القاتل من تماسك وسيطرة على الانفعالات وثقة عالية في النفس ووداعة تبطن اهتياجات عنيفة على طول الزمن السينمائي، إلاّ أن الاستعانة بإفادات التحليل النفسي قد تمزّق الحجاب الذي يغلّف هذه الشخصية التي تجمع بين هدوء الطبع والوحشية الموغلة، وتمضي بنا إلى الواجهة الخلفية لسيكولوجية القاتل المتسلسل والتي نجدها حبلى هي بالنواقص ونقط الضعف.

وحتى إذا ما أردنا الغوص أكثر في بواعث الحساسيات المفرطة لدى شخصية القاتل المتسلسل فلن يبخل علينا التحليل النفسي بإفصاح عن ذلك المتلئك، الهاجع، المرمي في قيعان اللاشعور. فهو بالكاد –وفقا لنزوعاته السادومازوشية- استطاع العبور إلى فترة الشباب والاستواء على حافة العمر – نقطة التمفصل بين ال “ما قبل” وال “ما بعد” مع حمله أثقال طفولة بئيسة – عدمية لم يعرف فيها قسطا من التقدير ولو بحجم لقمة الطعام التي يوفرها الفأر لنفسه، مهجوس دوما من الزيارة القهرية لشبح الذات الضعيفة المقهورة التي عمرّت وفرّخت على الصعيد النفسي الطّفلي، مميتة بفاعليتها العدوانية منسوب العاطفة المتوجهة نحو الآخر. ويجوز التأكيد في هذا السياق على أن الفونتازم أكثر تأثير واستدامة من الواقع الفعلي نفسه، لذا يسمح سلطان المعرفة للتحليل النفسي بتكليم هذا الهوى، هذا التخيل، هذا الاستيهام المتجذّر في مطرح التشكل الأنوي المطروب بشذى الهو منذ بزوغه على سطح الوعي.

من الجليّ أن التحليل النفسي يبسط أمامنا أسرار النفس الإنسانية وما يكتنفها من وساوس وعقد، وما يلابسها من مشكلات وأمراض، مما يترتب عليه امكان التحكم في السلوك والعمل على توجيهه لصالح الجماعة على قدر المستطاع.  من ضمن العلامات التي تؤكد مصاب القاتل المتسلسل بالهيجان، عيونه التي تكاد أن تنفجر من شدة الامعان في خصومه متسعة حدقاته، وعقله الذي يشتغل على مدار أربع وعشرين ساعة وتعليقاته الباردة ونفسيته المحبطة {…} إلى غير ذلك من قسمات الوجه والأوضاع المختلفة التي يتخذها جسمه الهزيل للدلالة على الحالات الانفعالية التي تخترقه. ومن المعلوم أن الهيجان يلعب دورا طلائعيا في حياة الانسان (الحيوية – النفسية – الاجتماعية) {7}. وسنقتصر في هذا الصدد على مجاله النفسي خدمة لأغراض المحتوى الفيلمي. فالهجيان الذي يسيطر على سيكولوجية القاتل المتسلسل يؤخذ مسارا مزدوجا فتراه يزيد من حدة النشاط العقلي ويقوي خياله ويدّق انتباه ويعدو تفكيره خصبا كثير الابتكار ومستعد لحلّ المشكلات التي تصادفه في خضم انجاز مخططه المميت، أما المسلك الآخر فيحمل الهجيان مسلكا عنيفا تسبب له في اضطراب أحكامه وتصلب مداركه أحيانا مما أدى به إلى التهور والاندفاع ولهذا يقول المثل: أول الغضب جنون وآخره ندم بالرغم من أن شخصية القاتل الدموية لم يساورها أي ندم أو تأنيب الضمير.

تعاني شخصية “لوكاس هاربر” من خلل حاد في العاطفة وينبوعها المتصل بالنشاط اللبيدي الطفلي الذي قد لا يحسن التوظيف إذا ما حدث هناك شلل في مراحله النمائية حسب الأطوار التشكيلية للشخصية تبعا للمنظور الفرويدي. فعندما تصبح العاطفة مسيطرة طاغية بحيث تستأثر بكل حياة المرء فلا تدع مجالا لغيرها في حياته، تسمى (هوى) ويسميه العوام (الهوس). فالهوى إذن عاطفة جامحة، أوغلت في تمركزها في النفس على درجات متفاوتة من الاشباع الأولي لموضوع الرغبة، وانفردت وحدها بساحة الحياة النفسية اللاشعورية، ولهذا فإن الهوى وحتى لا يهم من هذا التوظيف للمصطلح منسوب ما جنسي / ايروتيكي حتى لدى القاتل المتسلسل، نؤكد على أن هذا الأخير موصول بتمظهرات أخرى كهوى الغيرة العمياء أو الحسد الشديد ولو أن مشتل هذه الاضطربات يظلّ جنسيا حتى لا نخون أدبيات التحليل النفسي المتّكلة على الإكسير الجنسي في تبويب منافذ الفقر الجنسي رادة إياه إلى تخوم التكوين النفسي، حتى نستوعب ضرر الكبت والصد من أصوله لا من توظيفاته الرمزية التي قد يحجبها جدار اللغة أو هدي الوعي المخدوع والمحاط بالوهم واجتباب الحقيقة.

أما بخصوص الحياة الوجدانية ومدى أثرها الملحوظ على الاتزان النفسي، نستطيع القول بناء على مجموعة من المؤشرات المتعلقة بالرصيد العاطفي لدى القاتل المتسلسل أنه يكاد يتسحّر نظرا لحدّة الطبع والتاريخ الطفلي الخزان الأول للشحنات الوجدانية سواء اقترنت بالموضوع على نحو موجب أو سالب. فمثلا نجده لم يبدي شغفا حيال العنصر النسوي أو حتى تقديرا لوجوده. فإذا ما أخذت هذه الحياة الوجدانية المنحى الأول ساهم الأمر في نمو الشخصية بطريقة تقوم على الطمأنينة والثقة الخالية من النرجسية بالنفس وفهم الآخرين حتى توفر الذات على نفسها خوض معارك تنقّط بالخسارة ولو خرجت منها فائزة.

وفيما يهمّ مسألة التعويض – عقدة نفسية ذات قدر هام في لغة التحليل النفسي – فهي تكبّل شخصية القاتل المتسلسل من نواحي عدّة أبرزها سعيه اللاّمبرر إلى اثبات الذات وإعلان الحرب على شخوص لم يبادروه بالمثل، لتنطبق عليه الحكمة القائلة ” كل ذي عاهة جبار”. زيادة على ذلك فالتعويض وثيق الصلة بالتظاهر والكاذب والتحذلق، فكلما سعى المرء إحباط عزائم خصومه أو طرائده تظاهر بالمقابل بالبلادة أو سعة الصدر أو حتى عدم الاكتراث بينما نفسيته من الداخل تغلي أو خامدة كالجمر.

بعد كل هذا التفاصيل قد يسعنا فهم حجم الإغواء الذي مارسته شخصية البطل على المشاهد بقدر أعاق مجموعة من النقاد القول أنه كان مضطربا بالكامل ومنبوذا بل إن قسطا وفيرا ممن شاهدو الفيلم وقعوا في شراك هذه الشخصية الغامضة حدّ التماهي أو التقدير، الشيء الذي يثمن مرة أخرى جدوى التحليل النفسي كأداة معرفية ضرورية في تحليل الأفلام، لكون موضوع السينما ويسميه المحلل النفسي جاي روزولانو “موضوع الناظر” يجذب المشاهد إلى التوحد معه وتتحول الشاشة إلى شاشة ذاكرة فاتحة الطريق إلى خبرة الطفولة العمياء المليئة بالحيل اللاشعورية من قبيل: النكوص – التبرير – التعويض – التحويل – الاسقاط – التكثيف – الاستدماج {…} الخ.

  • كلمة ختم

أغرب مما في هذا الفيلم الذي أذكى الشاشة السيكوفيلمية وحتى الفلسفية منها، هو مقدرته الخلاقة على توقيد التمثلات التي يبنيها المشاهد إزاء المادة البصرية المعروضة أمام ناظريه. ففعل الابصار ليس مجرد عيان حسي بل هو أيضا تأمل بصري، تفكير انعكاسي في التعبير البصري. فالخصائص التي تبدو أنها تنتمي للصورة الفنية – السينمائية – هي خصائص عقلنا التي علقت بالصورة والتي تعيد الصورة إرسالها لنا، كما لو أن الأمر متعلق بالبحث عن خصائص الصورة في الإنسان بدل البحث عن الشيء التصوري {9}. غير ذلك فقد وفّر المضمون الفيلمي وجدّ جده قدر الإمكان في تشكيل مساحة لا محدودة تسترسل في نطاقها الرحب التوقعات والتصورات، مضاعفة إمكانات الرائي حتى يتورط أكثر في استشكال ما لم تفصح عنه بصرية الإخراج ومدسوسات السرد الفيلمي وألاعيب المونتاج وانقلابات الكاميرا الفجائية … {الخ}.

الهوامش:

  1. 1. راجع مؤلف “السينما وعلم النفس علاقة لا تنتهي” تأليف سكيب داين يونج، ترجمة سامح سمير فرج، مرجعة إيمان عبد الغني نجم، الناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط 1، 2015.
  2. 2. موسوعة المعارف الحديثة، مجلد الفنون 1، منشورات عكاظ، 2016، ص 108.
  3. 3. لقد انعكست فكرة إمكانية التحكم بالعقل البشري في دراسات وكتب واختبارات لحالات قيل إنه قد جرى التحكم بعقول أهلها لتلاعب بهم، وامتد هذا الأثر حاملا معه دلالات ومفاهيم كثيرة، يتناول بعضا منها هذا الفيلم المائز.
  4. 4. تجدر الإشارة في هذا المنوال إلى كون تقنيات المونطاج المتطورة التي يبالغ السينمائيون الشباب في توظيفها قد تقلل من القيمة التعبيرية لوجوه الممثلين. وهذا الحكم المورد، قد تبناه سابقا المخرج المذكور أعلاه “بيرغمان”، وتمسكت به على نحو خاص السينما الألمانية.
  5. 1988 : Le Cauchemar de Freddy (A Nightmare On Elm Street 4: The Dream Master) -1990 : 58 minutes pour vivre (Die Hard 2- (1999 : Peur Bleue (Deep Blue Sea) – 2004 : L’Exorciste : Au commencement (Exorcist: The Beginning) – 2008 : Cleaner –  2011 : Etat de guerre (5 Days of War) – 2014 : La Légende d’Hercule (The Legend of Hercules).
  6. 6. من المرامي التي أثمرها البعد الفلسفي في الفيلم، هو كون وجود الغير يعتبر ضروريا لتحقق الوعي بالذات مادام يشكل الوسيط الضروري بيني وبين ذاتي حتى ولو كانت العلاقة معه تشييئية، جحيمية ويطبعها الصراع. ويؤكد جون بول سارتر الفيلسوف الوجودي من جهته على ضرورة وجود الغير بالنسبة للذات، إذ أن الأفضل يعود إليه، في ادراكها لوجودها وتبلور كل بنياتها، ويذكر في هذا الشأن ما يلي: لكي اتوصل إلى حقيقة كيفما كانت حول ذاتي، لابد لي أن أمر عبر قنطرة الغير، “إن الغير وسيط ضروري بيني وبين ذاتي، فلا غنى لي عنه لوجودي ولمعرفتي لهذا الوجود”.
  7. 7. علم النفس العام ، معروف زريق، منشورات دار أسامة دمشق، ط 1، 1985، ص 73.
  8. 8. مجلة روافد ثقافية مغربية، العدد 26، 2018، ص 39.
  9. نفس المرجع، ص 6.

 من أرشيف الكاتب:

التحليل النفسي ابن الظلام .. من نُتف الفلسفة النفسانية

بقلم: يوسف عدنان * جرت العادة أن يستقبح الإنسان الظلام ويفضّل النور بدله، مُعليا من قيمته ومرتاحا في ضيائه. ويعود هذا التفضيل اللامؤكد لعدة أسباب منها: وضوح حقل الرؤيا، الشعور بالطمأنينة بدل الخوف المرفق بالهواجس، إمكانية الفعل والحركة، تمييز الموضوعات عن بعضا البعض وما دون ذلك من المحاسن التي قد …

أكمل القراءة »

الفلسفة المدرسية في الوطن العربي ..

بين الوصاية العقائدية واغتراب المعنى وانتكاسة المؤسسة التعليمية بقلم: يوسف عدنان *   “.. والحال أن العيش بدون تفلسف كالذي أغمض عيناه، ولم يحاول أن يفتحهما” رونيه ديكارت. تقديم هامشي لقد خصننا هذا المقال النقدي لغرض المساءلة والاجابة عن مجموعة من التأزمات والنقيضات والمتغيرات التي يشهدها الدرس الفلسفي في بلداننا …

أكمل القراءة »

الأنطولوجيا الوجودية .. بين مارتن هايدغر و جاك لاكان يَعْبُرُ سؤال الكائن الدازيني

بقلم: يوسف عدنان * لقد اجتمع أكثر من حكم على اعتبار التحليل النفسي في حدّ ذاته فلسفة نفسانية، يتبوأ الإنسان مكانا هاما في طليعتها.  ويشهد تاريخ الفلسفة بالاهتمام الواسع لدى الفلاسفة بالمعطى النفسي واستحضاره في مخطوطاتهم كبعد إنساني جواني، له من الأهمية ممّا كان في تحقيق فهم أصوب بالطبيعة البشرية …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

فيلم: القارئ – The Reader

“القارئ” أو عندما يكون الجنس مقابلا للقراءة. أُنتج سنة 2008 وهو تجسيد لرواية للكاتب الألماني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *