ترجمة: خبيب زهير. مراجعة: فريق نظر.


موجز المترجم

يسعى كاتبا هذا الفصل لعرض السياق التاريخي لظهور النيوليبرالية كنظرية اقتصادية و أيديولوجيا سياسية وصولاً لهيمنتها على أطر السياسات الاقتصادية والمخيلة الاجتماعية. ويؤكد الكاتبان على ضرورة عدم الخلط بين تأثير التطور التقني في مجالي النقل والاتصالات على الاقتصاد العالمي وبين الأيديولوجيا النيوليبرالية. ويجادل الكاتبان أن النجاحات الاقتصادية للنيوليبرالية كانت محدودة بعكس ما يدعيه أنصارها، وأن النجاح الأبرز للنيوليبرالية كأيدولوجيا وسياسات تمثل في تغيير موازين القوة بين الطبقات الاجتماعية لصالح الأغنياء. يفسر الكاتبان تباين الآثار الاجتماعية للنيوليبرالية من منطقة لأخرى باختلاف السياقات السياسية المحلية ومقاومة بعضها للتطبيق الكامل للسياسات النيوليبرالية.

الإحالة إلى المقالة الأصلية

Evans, Peter B., and William H. Sewell, Jr. “Policy Regimes, International Regimes, and Social Effects.” In Social Resilience in the Neoliberal Era, edited by Peter A. Hall and Michèle Lamont, 35-68. New York: Cambridge University Press, 2013.

تم استبعاد الصفحات من ٤٨-٦١ من هذا الفصل وذلك لتناولها وضع النيوليبرالية في عدة مناطق بشكل مفصل.


 

على مدى العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين، خضعت هيكلة الاقتصاد السياسي العالمي لتحول عميق، من نموذج اقتصادي متمركز حول الدولة (State-centric) إلى نموذج نيوليبرالي. في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، كانت الاقتصادات في جميع مناطق العالم محكومة بأطر تنظيمية اقتصادية متمركزة حول الدولة، فالبرغم من كون اقتصادات الدول الغنية في أمريكا الشمالية و أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى اليابان و استراليا و نيوزيلندا مبنية على الأسواق الحرة والملكية الخاصة، إلا أنها كانت موجهة ومقننة بعناية بأنظمة رفاه اجتماعي ديمقراطية كنزية. في الدول الشيوعية، كانت جميع النشاطات الاقتصادية تجري في داخل مؤسسات الدولة السلطوية. و في كبرى دول أفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، طبقت الحكومات خطط تنمية طموحة تقودها الدولة. خلال عقد السبعينات من القرن العشرين، دخلت أطر التنظيم الاقتصادي التي تقودها الدولة في أزمة. و بحلول عقد التسعينات، كانت الأنظمة الشيوعية سقطت أو تم تحويلها كلياً من الداخل عن طريق إنشاء الأسواق وخصخصة الانتاج. في الدول الرأسمالية المتقدمة، تم تفكيك أو إضعاف الأطر التنظيمية عن طريق خصخصة المشاريع العامة، ورفع القيود عن رأس المال، و تحرير الأسواق، والتقليص الانتقائي لضمانات الرفاه. تخلت الأغلبية الساحقة من الدول النامية في آسيا و أفريقيا و أمريكا اللاتينية عن مكونات هامة من استراتيجيات التنمية القومية و فتحت حدودها للتدفقات العالمية من البضائع و رؤوس الأموال – البعض بمحض اختيارهم و البعض الآخر تحت الضغط القسري من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. أصبحت جميع هذه الدول جزءاً من سوق عالمية متسارعة الاندماج يتم تنظيمها بقواعد عالمية تديرها مؤسسات الحكم الاقتصادية كمنظمة التجارة العالمية، وضبطها بالتبادلات العالمية الفورية للعملات والسندات المالية.

عادة ما يطلق على هذا النموذج التنظيمي الجديد للاقتصاد العالمي النيوليبرالية أو الليبرالية الجديدة، وهو مصطلح يبدو ملائماً. فكما هو الأمر في الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية، يصور النظام الاقتصادي الجديد بكونه محكوم بعلاقات السوق سواء داخل إطار الدول أو فيما بينها. لكن هذه ليبرالية جديدة أو معدلة، وذلك لأنها تلت فترة زمنية طويلة كانت خلالها الأسواق مقيدة بالدولة، ولأن الليبرالية الاقتصادية وجب تعديلها لتلائم بيئة جديدة مكونة من دول وشركات و فاعلين اقتصاديين مختلفة عن البيئة التي سادت في القرن التاسع عشر والتي ازدهرت فيها الليبرالية ابتداءً. كان هذا المشهد الاقتصادي الجديد مأهول بشركات عملاقة تملك قوة الاحتكار، ودول ديمقراطية، في العالم الغربي الصناعي على الأقل، ملتزمة بالرفاه الاجتماعي وليست أنظمة مطلقة أو ملكيات دستورية تقيد حق الانتخاب. كان لاستخدام الوصفة الليبرالية الكلاسيكية لبناء البرامج السياسية وسياسات الاقتصاد السياسي في منتصف القرن العشرين تبعات لم يكن ليتنبأ بها ليبراليو القرن الثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر.

بالطبع، فإن وصف الحقبة الراهنة بالحقبة النيوليبرالية، أو الإطار التنظيمي للاقتصاد العالمي بكونه نيوليبرالي يؤكد على البعد الأيديولوجي لهذا التحول. إن صعود نظام اقتصاد عالمي مبني على السوق على مدى العقود الثلاث الماضية لم يكن نتيجة حتمية لقوى تقنية واقتصادية، بالرغم أن مثل هذه القوى ترسم حدود المخرجات الممكنة تاريخياً. إننا مؤمنون بأن النظام العالمي الحالي تمت صياغته بشكل أساسي عن طريق الهيمنة الفكرية والسياسية للأفكار وخطط السياسات النيوليبرالية كضد للسياسات الكنزية أو الديمقراطية الاجتماعية أو الشيوعية و التصورات التنموية القومية، والتي صاغت الاقتصادات المتنوعة في الفترة السابقة. نسعى في هذا الفصل لتوضيح مفهوم النيوليبرالية، ورسم العملية التاريخية لصعودها، وفي ذات الوقت نتتبع بعض الانحرافات عن النيوليبرالية الكاملة في العديد من مناطق العالم ،وهي انحرافات منتشرة حتى في الدول التي تبنت إصلاحات نيوليبرالية واسعة. ونجادل هنا بأن الديناميكيات السياسية المتباينة التي رافقت تبني الإصلاحات النيوليبرالية في مختلف الدول ساهمت في جعل الأثار الاجتماعية للنيوليبرالية مختلفة إلى حد كبير من بلد لآخر.

ما هي النيوليبرالية؟

إذا كان مصطلح النيوليبرالية مناسباً لوصف النظام الاقتصادي الحالي، فهو أيضاً مصطلح إشكالي، فاللنيوليبرالية معاني عديدة في الخطاب الحالي بالإضافة إلى حمولات سياسية يسارية قوية. غالباً ما يستخدم مصطلح النيوليبرالية من قبل نقاد النظام الاقتصادي الحالي أكثر من مناصريه. بالتأكيد، تستخدم النيوليبرالية كوصمة أكثر من كونها مفهومأ ذو جدوى تحليلية. نحن لا نسعى هنا لتقديم تعريف “علمي” محايد لمفهوم سيبقى دائماً موضعاً للنزاع، لكننا نعتقد أنه من المفيد تمييز أربعة أوجه للظاهرة النيوليبرالية: النيوليبرالية كنظرية اقتصادية، النيوليبرالية كأيديولوجيا سياسية، النيوليبرالية كبارادايم للسياسات، و النيوليبرالية كمخيلة اجتماعية. وفي الوقت ذاته، نسعى للإشارة إلى استخدامات معينة لمصطلح النيوليبرالية نعتبرها مضللة أو غير مجدية.

تركز النظرية الاقتصادية النيوليبرالية على تبادلات السوق بوصفها قادرة على تحقيق الحد الأقصى للرفاه الاجتماعي، وتقوم بذلك بدرجة من الجودة التقنية و السعة المعرفية تجعلها متاحة بشكل رئيسي للاقتصاديين المحترفين الذين يملكون المهارات الرياضية الملائمة. أضفت الجودة المعرفية العالية لهذا العمل، كما تشهد له جوائز نوبل، قدرا لا يستهان به من البريق للأيديولوجيا النيوليبرالية. وبالإضافة لهذه الأفكار الاقتصادية الأكاديمية عسيرة الفهم، يشير مصطلح النيوليبرالية لأيديولوجيا سياسية واسعة الانتشار، تمجد أفضلية السوق في توزيع السلع والخدمات على التوزيع الحكومي، وتفضل تقليص الإنفاق العام وتخفيض الضرائب، و إضعاف اتحادات العمال، وتحارب التنظيم الحكومي للنشاط الاقتصادي، و لكنها في الوقت ذاته تتبنى الديموقراطية الإجرائية وسيادة حكم القانون. يعد كتاب ميلتون فريدمان “الرأسمالية والحرية”، والذي حقق نجاحاً وشعبيةً عاليين، مثالاً جيداَ لكيفية ترجمة الحجج الاقتصادية للنيوليبرالية لأيديوليوجيا سياسية رائجة، بينما يمكن اعتبار مارجريت تاتشر ورونالد ريغان المروجين الأكثر موهبة للنيوليبرالية كأيدولوجيا سياسية، والتي وصف البعض مضمونها ب “أصولية السوق”[1] ، و “الحملة الصليبية للمسؤلية الفردية.”[2]

النيوليبرالية كباراديم للسياسات عبارة عن مجموعة مترابطة من السياسات يراد لها بشكل عام زيادة دور السوق في تنظيم الحياة الاقتصادية. تتضمن هذه السياسات خصخصة المنشئات العامة، وتخفيف القيود على حركة رأس المال، والعلاج بالصدمة، واتفاقيات التجارة الحرة العالمية وتمتد إلى إلغاء القيود على أسواق التمويل والعمل، واشتراطات صندوق النقد الدولي، والأنظمة الجديدة للملكية الفكرية. لعل أبرز ما يرمز للنيوليبرالية كبارادايم للسياسات هو “إجماع واشنطن” والذي ذاع صيته في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات. من المهم التنبيه إلى أن العديد من الدول التي تبنت هذه السياسات حافظت على مسافة من النيوليبرالية كأيديولوجيا سياسية، فقد تبنت دول كالسويد وفرنسا وألمانيا، والتي طالما افتخرت بكونها دول رفاه شاملة و سخية، إجراءات واسعة النطاق تنتمي لباراديم السياسات النيوليبرالي. إحدى مهامنا في هذا الفصل هي التفرقة بين تبني سياسات ضمن النمط النيوليبرالي العام – والذي أصبح في الواقع ثمن القبول في السوق الرأسمالي العالمي المعاصر – وبين التبني الكامل للأيديولوجيا النيوليبرالية. إن التبني الواسع لباراديم السياسات النيوليبرالي من قبل الدول في جميع أنحاء العالم هو ما يدفعنا لنعت العقود القليلة الماضية بـ”الحقبة النيوليبرالية.”

كان للنيوليبرالية كنظرية وأيدولوجيا و سياسات تأثير متابين لكنه قوي على المخيلة الاجتماعية العالمية. تمجد المخيلة الاجتماعية النيوليبرالية ريادة الأعمال، والاعتماد على الذات والفردية الصارمة، و تساوي السعي غير المقيد وراء المنفعة الذاتية و رضا المستهلك بحرية الإنسان، وتمجد الثروة الخاصة، وترى أن الأعمال التطوعية والخيرية تشكل حلاً ملائماً للمشاكل الاجتماعية، وتربط البرامج الحكومية بالفساد وانعدام الكفاءة والفعالية. تشكل المخيلة الاجتماعية النيوليبرالية الأهداف والسلوكيات الفردية جاعلة في الوقت ذاته الأيدولوجيا السياسية وبارادايم السياسات النيوليبرالية تبدو “طبيعية”.[3] ساهمت سيادة هذه المخيلة الاجتماعية، حتى بين أؤلئك الذين أضرت السياسات النيوليبرالية بمصالحهم، في ترسيخ القوة السياسية للنيوليبرالية كأيديولوجيا و بارادايم للسياسات.

كان للنيوليبرالية كنظرية اقتصادية، وكأيديولوجيا سياسية، و كبارادايم للسياسات، و كمخيلة اجتماعية، تبعات على الاقتصاد السياسي للحقبة النيوليبرالية، فبالرغم من أن البنى الحالية للقوة الاقتصادية والسياسية خلال الحقبة النيوليبرالية هي في الأغلب بعيدة عن ما تقتضيه النظرية والأيدولوجيا النيوليبرالية، إلا أنه ليس بالإمكان فهم تطور تلك البنى خلال العقود الثلاثة الماضية دون الأخذ بعين الاعتبار آثار النظرية والأيديولوجيا النيوليبرالية.

بالإضافة لتقييم آثار النيوليبرالية، بمعانيها المختلفة، على المجتمعات المعاصرة، فإننا نسعى أيضاً لإنكار بعض الآثار المزعومة والمتكررة، ففي كثير من الأحيان تتم نسبة ظواهر ما إلى النيوليبرالية في محاولة للتنديد بها، في حين أن صلة هذه الظواهر بانتشار الأفكار النيوليبرالية ضعيفة. إنه لمن المهم إدراك أن البرامج السياسية والسياسات التي تستمد بعض مكونات الأيديولوجيا الليبرالية الكلاسيكة ليست بالضرورة إحدى تبعات النيوليبرالية، ففي نهاية الأمر، فإن أغلب الأيدولوجيات التحررية المعاصرة تحوي مكونات هامة مستقاة من الفكر الليبرالي، وبالتالي فإن الحركات السياسية والفكرية التي توظف مصطلحات كالفردية والحرية و حقوق الإنسان و الديموقراطية لا ينبغي أن توصم بالنيوليبرالية لأنها على الأرجح تنهل من إرث ليبرالي واسع وليس من النيوليبرالية تحديداً. ثانياً، يتوجب علينا مقاومة إحالة كل النزعات الاقتصادية والاجتماعية المميزة للرأسمالية العالمية المعاصرة إلى النيوليبرالية.

من المؤكد أن تطورات مثل توسع التجارة العالمية، وأمولة النشاط الاقتصادي[4] (Financialization)، والتعهيد المعولم للعمل (Globalized Outsourcing)، وظهور أنظمة الانتاج المرن، أو تجارة العملات الدولية جميعها متسقة مع الأيديولوجيا والسياسات النيوليبرالية، فعندما تستخدم النيوليبرالية في الخطاب العام فإنها تشير بالفعل إلى هذه الحزمة الاجتماعية و الاقتصادية، لكننا ينبغي أن نحذر من الافتراض أن كل هذه التطورات والنزعات هي آثار سببية للأيدولوجيا والسياسات النيوليبرالية، وذلك لأن لبعضها أسباب نشوء مختلفة تماماً – على سبيل المثال، التغييرات في التنافسية الدولية أو تقنية الاتصالات والمواصلات. في الحقيقة، فإن بعض هذه الظواهر سبقت ظهور النيوليبرالية وربما كانت أسباباً للنيوليبرالية بالإضافة لكونها أحد آثارها. لا شك أن النيوليبرالية والنزعات الرأسمالية العالمية المعاصرة متشابكين، لكنه من المهم تمييز العلاقة التبادلية واللولبية للمسببات والآثار بين الأيديولوجيا والسياسات، وبين النزعات الاقتصادية، بدلاً إرجاع الكل لنيوليبرالية غامضة التعريف.

صعود الأيديولوجيا النيوليبرالية

تعود بدايات الأيديولوجيا النيوليبرالية لما قبل الحرب العالمية الثانية، إذ أخذت في بداية الأمر شكل حركة مناهضة للقبول المتزايد للتنظيم الحكومي للحياة الاقتصادية بين الاقتصاديين في الثلاثينيات الميلادية. بالمقابل، حافظ الاقتصاديون النيوليبراليون (أو كما كانوا يطلقون على أنفسهم آنذاك “الليبراليون”) على التزامهم بليبرالية القرن التاسع عشر الكلاسيكية. بدأت الليبرالية الاقتصادية، والتي سادت خلال فترة الهيمنة البريطانية في العقود الوسطى من القرن التاسع عشر، في الانحسار كبارادايم للسياسات بنهاية القرن التاسع عشر، وذلك عندما أقرت عدد من الدول الرأسمالية الرائدة تعريفات جمركية عالية و مركزة هائلة للصناعة (Centralization of Industry)، مهددة بذلك الأسس المحلية للتنافس الليبرالي. منذ الحرب العالمية الثانية و ما تلاها،أخذت الدول على عاتقها دوراً متزايداً في الاقتصاد، دوراً رسخته جهود حل الأزمة الاقتصادية الكارثية الناتجة عن“الكساد الكبير” في ثلاثينيات القرن العشرين. أخذ التحكم الحكومي بالاقتصاد أشكالاً عديدة في فترة مابين الحربين: الشيوعية السوفيتية، الاتفاق الجديد الأمريكي، إصلاحات الجبهة الشعبية الفرنسية، الديمقراطية الاشتراكية السويدية، و أنواع عدة من الأنظمة الفاشية. كان إجماع الاقتصاديين، حتى داخل بريطانيا حصن الليبرالية السابق، قد تجاوز بشكل كبير مُثل الليبرالية الكلاسيكية التي سادت في ثلاثينيات القرن العشرين. نشر فريدريك هايك، أحد الآباء المؤسسين للنيوليبرالية والذي درس في كلية لندن للاقتصاد في الثلاثينات والأربعينات، كتابه “الطريق إلى العبودية” لأنه كان مقتنعاً أن زملاؤه “أساؤوا تماماً فهم” طبيعة التجارب الشيوعية والفاشية على قارة أوروبا، و بدا له بوضوح “أن انجلترا ذاتها قد تخوض تجربة مع نوع ما من السياسات الاشتراكية بعد الحرب”.[5] لقد كان هايك محقاً، فقد قام وليام بيفريدج، مدير هايك السابق في كلية لندن للاقتصاد، بكتابة التقرير الشهير الذي أسس دولة الرفاه البريطانية عقب الحرب.[6] كان هذا الرفض لأيديولوجيا السوق السائدة في القرن التاسع عشر، هو ما أطلق عليه كارل بولاني “التحول الكبير” لأواسط القرن العشرين.

تباينت الأشكال المحددة لسياسات مابعد الحرب في الدول الصناعية بشكل كبير، لكنها جميعاً أسست أنظمة رفاه موسعة، وتنظيماً حكومياً قوياً للاقتصاد. قامت بعض الدول بتأميم الصناعات المهمة، لكن الجميع أبقى على الملكية الخاصة والمشاريع التجارية الحرة نمطاً رئيساً للنشاط الاقتصادي. حمت السياسات العامة والمؤسسات الحكومية المواطنين من مخاطر وتقلبات الأسواق و قامت بتوفير السلع المعززة للرفاه -كالسكن والرعاية الصحية ومعاشات التقاعد لكبار السن، أو التأمين ضد البطالة- والتي لم تكن توفرها الأسواق بشكل ملائم. لم يعد السوق في النوع المثالي من “رأسمالية الرفاه” ذاتي التنظيم، بل أصبح منحازاً للأولويات الاجتماعية عبر تدخل الدولة. بمصطلحات بولاني، أصبحت السوق “متضمنة” داخل مجموعة من الأولويات الاجتماعية المحددة سياسياً والتي تنفذها الدولة.[7] كانت هذه الأنظمة الليبرالية المتضمنة مبنية على تسوية طبقية بين العمال و أصحاب رؤوس الأموال – بالتأكيد بنيت أيضاً على تعددية ديموقراطية موسعة والتي أتاحت نفوذاً لمصالح اجتماعية و اقتصادية واسعة. تمتعت اتحادات العمال بالاعتراف القانوني في جميع الدول الرأسمالية المتقدمة، ونظمت الحكومة العلاقات العمالية، رغم أن النمط المحدد للعلاقات العمالية اختلف بشكل كبير من دولة لأخرى. وكما أشار ريجي (١٩٨٢)، فإن الحماية الاجتماعية المحلية كانت عاملاً أساسياً في إمكانية إعادة إحياء التجارة الدولية الحرة والتي قد سبق وأن تخلت عنها الدول الصناعية خلال الكساد العظيم. اتحدت رأسمالية الرفاه مع نظام دولي جديد تم الاتفاق عليه في بريتون وودز (Bretton Woods) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد تضمن هذا الاتفاق نظاماً لتثبيت أسعار صرف العملات. كان هذا النظام الدولي مفروضاً بشكل كبير عبر الهمينة السياسية والاقتصادية غير القابلة للتحدي للولايات المتحدة الأمريكية، هيمنة عززتها الحرب التي دمرت كثيراً من البنية التحتية الاقتصادية للدول المتحاربة، لكنها زادت القدرة الانتاجية والقوة المالية الأمريكة بشكل كبير. أعطى اندلاع الحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في نهايات أربعينات القرن العشرين حافزاً قوياً ومستمراً لدول الكتلة الرأسمالية لكي تقوم بتنسيق السياسات الاقتصادية فيما بينها. في تلك الظروف السياسية، عززت الجاذبية المحتملة للشيوعية لدى الطبقة العاملة ـ جاذبية أثبت فعاليتها القوة الانتخابية للأحزاب الشيوعية الجماهيرية في فرنسا و إيطاليا- تفضيل الرأسماليين لعلاقات عمالية سلمية و قبولهم لمشاركة منافع الرخاء مع العاملين لديهم.

كان لرأسمالية الرفاه التي سادت في أواسط القرن العشرين فترة طويلة من الازدهار الملحوظ فقد سميت الطفرة الممتدة من ١٩٤٧ إلى ١٩٧٣ “بالعصر الذهبي” للرأسمالية.[8] عززت سياسة المساومة الطبقية للعصر الذهبي ارتفاعاً في الانتاجية عبر دعم البنية التحتية الاجتماعية و البحث والتطوير. كانت تلك فترة من النمو الاقتصادي غير المسبوق في تاريخ الرأسمالية إضافة إلى ارتفاع في الأرباح والأجور، و مستويات متصاعدة من منافع الرفاه. ساهم توزيع الدخل الذي امتاز بمساواة أكثر، والذي نتج عن التوازن السياسي لسنوات مابعد الحرب (العصر الذهبي)، في النمو الاقتصادي عبر تعزيز ارتفاعات غير مسبوقة في الطلب على السلع المصنعة والمساكن، فقد شهدت الفترة ظهورالاستهلاك الشعبي المرتفع في دول العالم المتقدمة ـ نظام اجتماعي اقتصادي يتسنى فيه لعامة الناس شراء سلع استهلاكية كالسيارات والثلاجات وأجهزة الغسيل والتنظيف والتلفاز – وهو وضع كان متاحاً بشكل جزئي قبل الحرب لعامة الناس في الولايات المتحدة فقط. خلال هذا العصر الذهبي، بدت الدول الرأسمالية المتقدمة – الولايات المتحدة، أوروبا الغربية، اليابان، كندا، أستراليا، ونيوزيلدا – وكأنها ترتقي في لولب غير منتهي من الإنتاجية العالية التي أدت لارتفاع الأجور ونمو الطلب وخلق مستويات عالية من الاستثمار والأرباح، والتي ضمنت بالمقابل ارتفاعات إضافية في الانتاجية.

لم يكن ازدهار ما بعد الحرب حصراً على العالم الرأسمالي المتقدم، فقد شهدت الدول النامية في آسيا وأفريقيا و أمريكا اللاتينية، والتي تحرر العديد منها من السياسات الاقتصادية الاستعمارية المقيدة، مستويات عالية و تاريخية من النمو المبني على الطلب القوي على منتجات تلك الدول من قبل الدول المتقدمة، إضافة لبدايات التصنيع المحلي. في دول الكتلة السوفيتية، حيث ركزت الاقتصادات الموجهة (Command Economy) الاستثمار في الصناعات الثقيلة، كانت معدلات النمو مساوية تقريباً للدول الرأسمالية في فترة ما بعد الحرب، بالرغم من أن مواطني الكتلة السوفيتية لم يشهدوا أي شي مقارب للوفرة الغربية من السلع الاستهلاكية. في الصين، أنهى انتصار الشيوعيين عام ١٩٤٩ عقوداً من الحرب الأهلية، وكان النمو الاقتصادي معقولاً بالرغم من عراقيل “القفزة العظيمة للأمام” الكارثية من ١٩٥٨ حتى ١٩٦٠ و الثورة الثقافية في أواخر ستينات القرن العشرين وحتى نهاية السبعينيات.

لكن في سبعينات القرن العشرين، انتهت الطفرة الاقتصادية لسنوات ما بعد الحرب. ساهم النجاح ذاته للعقدين السابقيين، خصوصاً في أوروبا الغربية واليابان، في استفحال المنافسة و انهيار الأرباح في العديد من الصناعات الرائدة والتي هيمنت عليها الولايات المتحدة في البداية، كالسيارات والفولاذ وبناء السفن والأدوات المنزلية.[9] زاد ضغط التضخم طوال عقد الستينات وسط تزايد مطالبات الأجور من قبل حركات عمالية قوية في الوقت الذي بدأت فيه الأرباح في الانحسار. كانت مشكلة التضخم حادة بشكل خاص في الولايات المتحدة، حيث سعى الرئيس جونسون لتمويل برامج المجتمع العظيم في ذات الوقت الذي كان يصعَد فيه من حرب فيتنام. قاد ذلك النظام النقدي الدولي إلى الاضطراب، وذلك بسبب أن استقرار النظام اعتمد على وجود قيادة أمريكية مسؤولة ( بالإضافة إلى ذهب فورت نوكس، والذي كان في انحسار متسارع). بين أعوام ١٩٧١ و ١٩٧٣، تم تفكيك نظام برايتون وودز شيئاً فشيئاً، وأصبحت العملات من ذلك الوقت معومة في السوق الدولي. ثم سببت المقاطعة النفطية العربية، والتي تلت حرب أكتوبر ١٩٧٣، قفزة في أسعار الطاقة أدت إلى إنهيار سوق العملات و ركود اقتصادي عميق من أواخر ١٩٧٣ إلى ١٩٧٥.

لم تكن الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام ١٩٧٣ مجرد انتكاسة دورية كنكسات ١٩٥٨ أو ١٩٦١ أو ١٩٧٠، بل كانت أزمة عامة للرأسمالية، أزمة لم تجد حلاً حتى بدايات الثمانينات من القرن العشرين. كان أهم ملامح هذه الأزمة هو تراجع الصناعات الثقيلة كاستخراج الفحم، والفولاذ، وبناء السفن في الاقتصاديات الرأسمالية، الأمر الذي خلق “أحزمة صدئة” في المناطق الصناعية السابقة لتلك الدول. في الوقت ذاته، خلق تعويم العملات، و صعود تقنيات التجارة الالكترونية، وإعادة تدوير الثروة الهائلة التي نتجت عن أسعار النفط العالية في الشرق الأوسط فرصاً جديدة للمضاربات المالية من جميع الأنواع، خاصةً في مدينة لندن و وول ستريت. عند الجمع بينه وبين ركود الانتاج الصناعي، فإن نشاط المضاربة جعل من التمويل الصناعة “الرائدة” في الولايات المتحدة و بريطانيا في منتصف الثمانينات ولعل أبرز علامات الأزمة العميقة للرأسمالية لسبعينات القرن العشرين هي ظاهرة الركود التضخّمي، وهي خليط محيَر ومقلق من البطالة العالية المستمرة والتضخم المرتفع المستمر والذي بدى محصناً ضد التدابير التي قدمتهاالنظرية الاقتصادية الكنزية. أدت معضلة الركود التضخَمي إلى اضطراب السياسات الاقتصادية لأبرز الدول الرأسمالية. لم تكن الفوضى الاقتصادية حصراً على الدول المتقدمة، فقد بدأت تجارب مختلف الدول في عالم الجنوب تتباين بحدة.

فمن ناحية، تداعت سياسات إحلال الواردات في أمريكا اللاتينية وفقدت زخمها في افريقيا. ومن ناحية أخرى، شهد عقد السبعينات ظهور شكل جديد من الدولة التنموية، شكل قائم على دعم الصناعات الموجه للتصدير عوضاً عن الصناعات المنتجة للسوق المحلي. سيراً على الخطى التي أنتجت معجزة اليابان التنموية، نمت اقتصادت كوريا الجنوبية، وتايوان, وسنغافورة و هونغ كونغ، والتي أطلق عليها “النمور”، بشكل متسارع من خلال تحولات قادتها الدولة من تصنيع يهدف إلى إحلال الواردات إلى تصنيع موجه للتصدير (Export-oriented Industrialization)ـ[10] وفي الوقت ذاته، حاولت دول أفريقية و لاتينية أمريكية الإبقاء على دولهم التنموية عن طريق الاقتراض المكثف بمعدلات فائدة منخفضة من كبرى بنوك وول ستريت ولندن. كانت تلك البنوك في السبعينات غارقة بما يسمى بالبترودولار الناتج عن أسعار النفط المرتفعة، ووجدت ربحاً محدوداً من إقراض الاقتصادات الغربية الراكدة، وعندما ارتفعت معدلات الفائدة بحدة في الثمانينات وقعت الدول المدينة في أزمة بسبب الأعباء المفاجئة للديون التي لا يمكن تحملها.

في الدول الشيوعية, كان عقد السبعينيات عقداً من الجمود الاقتصادي والسياسي و تدهور الصحة العامة، ففي الاتحاد السوفيتي، أحاط برينزيف نفسه ببيروقراطيين رماديين سعوا لتحقيق الاستقرار مهما كان الثمن. في الوقت ذاته، دمر القمع السوفيتي لربيع براغ عام ١٩٦٨ آمال الإصلاح في أوروبا الشرقية، وواصلت الاقتصادات السوفيتية الطراز الزحف حتى ١٩٨٩، لكنها لم تعد نموذجاً واعداّ للطبقة العاملة الأوروبية أو لشعوب و سياسيي الدول الفقيرة في عالم الجنوب.

كانت أواخر الستينات والسبعينات فترة أزمة سياسية وثقافية، على الأقل في العالم الرأسمالي المتقدم، سبقت الأزمة الاقتصادية بنصف عقد تقريباً. كانت تلك فترة خيبة أمل من الوضع الراهن وفترة تجارب واسعة لخيارات سياسية وأساليب حياة جديدة. قدمت الحركات الشبابية والطلابية الحيوية التي سادت خلال عقد الستينات نقداً للنظام الاجتماعي الذي تهيمن عليه الشركات والدولة البيروقراطية، نقداً تضمن (بشكل يفتقر للترابط) مكونات اشتراكية، ومساواتية، وبوهيمية وتحررية. شهدت أواخر الستينات والسبعينات حراكاً عمالياً مكثف، بالإضافة لنضالات الأقليات العرقية والإثنية، ومجموعات النساء والمثليين، كما كانت فترة من الوعي البيئي الجديد والذي زاد الشكوك حول جاذبية وإمكانية النمو الاقتصادي غير المحدود كنموذج اقتصادي واجتماعي مثالي. وعندما صاحبت الأزمة الثقافية والسياسية أزمة اقتصادية في بداية السبعينات، انحلت خيوط التوليفة المتحمورة حول الدولة، التوليفة التي سادت العالم الاقتصادي والسياسي لما بعد الحرب، والتي بدت مستقرة ظاهرياً.

إنه من المهم إدراك أنه وبعد تبخر الآمال الأكثر ثورية لحركات الستينات، هيأ التحيز الفرداني المناهض للدولة، والذي كان سمة تلك الحقبة، أرضاً خصبة لإحياء أشكال عديدة من الأفكار الليبرالية السياسية. فالتعددية الثقافية، والتي نشأت كإجابة لنضالات حقوق الأقليات، تم صياغتها كمثل ليبرالي جديد في عقد السبعينات. في ذات الوقت، سبَب الركود الجلي في الدول الشيوعية، مقروناً مع القمع السافر للحركة الديموقراطية في تشيكوسلوفاكيا و التدفق المستمر للتسريبات عن الفظائع الستالينية[11] ،عداوة واسعة للشيوعية في أوساط ماركسيين و اشتراكيين سابقين، وبدأ العديد منهم في اكتشاف بدائل ليبرالية. كما جادل سامويل موين (٢٠١٠) مؤخراً، فقد كانت تلك الفترة التي أصبحت فيها يوتوبيا حقوق الإنسان العالمية ـ والتي ألهمتها جزئياً العداوة ضد الستالينية ـ قضية وحراكاً دولياً هاماً. باختصار، كانت حقبة تأزم الاقتصاد السياسي المتمحور حول الدولة لحظة تبرعم أفكار سياسية جديدة ذات جذور ليبرالية، في اليسار والوسط واليمين.

في تلك الفترة من الإضْطِراب والارتباك والأداء الاقتصادي الواهن والتضخم المرتفع باستمرار، والريبة الليبرالية الشديدة من الدولة المتضخمة، ظهرت الأيدولوجيا النيوليبرالية الاقتصادية والسياسية لواجهة النقاش السياسي العام. في بداية الأمر، استجابت الدول الرأسمالية المتقدمة لأزمة السبعينات الاقتصادية بمبادرات متنوعة لم تخرج عن إطارالسياسات المتحمورة حول الدولة، تضمنت على سبيل المثال، برامج التحفيز المالي، والتوسع في الانفاق الاجتماعي، وسياسات الدخل. ساهم الاعتقاد بأن هذه السياسات محكوم عليها بالفشل في تشويه سمعة الكنزية والمبادارات المتمحورة حول الدولة. أدى الفشل الواضح للسياسات الاقتصادية الكنزية، بالإضافة للركود الجلي للاقتصادات الاشتراكية، إلى تقويض التحول العظيم الذي تحدث عنه بولاني، و أتاح مجالاً لأفكار النيوليبراليين المبتدعة، فقد بنت النيوليبرالية التي ظهرت كأيديولوجيا و بارادايم للسياسات في عقد السبعينات على الليبرالية الكلاسيكية وعلى جهود منظرين أمثال هايك وفريدمان من أجل تحديث الليبرالية الكلاسيكية. ولكن خلال سعيه نحو الهيمنة السياسية، خسر التنظير النيوليبرالي عناصر هامة، فقد ميز هايك نسخته من الليبرالية عن مبدأ عدم التدخل (Laissez-faire) الذي ميز ليبرالي القرن التاسع عشر. وفقاً لهايك، كان من الخطأ الاعتقاد بأن الدولة يجب عليها القيام بأقل دور ممكن، على العكس، من الواجب على الدولة التدخل النشط في الحياة الاقتصادية لضمان التنافس الحر تحت حكم القانون. فالتنظيمات الحكومية المتنوعة للأنشطة الاقتصادية، كما يرى هايك، كالتنظيمات المحددة لأوقات العمل أو استخدام المواد الضارة، أو حتى توفير “نظام مكثف من الخدمات الاجتماعية”، يمكن تأييدها طالما طُبقت بشكل متساوي و متوقع على جميع الفاعلين، ولم تقيد منافسة الأسعار. وبدلاً عن دولة الحارس الليلي، ينبغي للدولة الليبرالية أن تكون دولة نشطة يقودها التحليل الاقتصادي الرصين و سيادة القانون.[12]

في الوقت ذاته، تم الحفاظ على انفصال النيوليبرالية الأبرز عن الليبرالية الكلاسيكية، فعلى العكس من الليبرالية الكلاسيكية، لم تكن النيوليبرالية معنية بالتراكم الكبير للثروة والسلطة الخاصتيين. حمل الليبراليون الكلاسيكيون جفاء صارماً للنشاطات الاحتكارية التي كانت في رأيهم تقوض الأسس المؤسسية للتنافس الاقتصادي و تكدس الكثير من القوة الاقتصادية والسياسية في يد قلة من الشركات العملاقة. لكن هايك لم  يكن يرى أن الاحتكارات الخاصة تشكل تهديداً بشكل خاص، و لام النزعات الاحتكارية الجلية للقرن العشرين على السياسات الحكومية الخاطئة بدلاً عن ميل أصيل للتقنية الصناعية الحديثة أو القوة المتغطرسة للشركات.[13] بالنسبة لهايك و فريدمان، فإن النشاط الحكومي المتغطرس فقط  هو من يشكل تهديداً للحرية، إذ كان فريدمان يؤكد بشدة أن الرأسمالية “تعزز الحرية السياسية كونها تفصل القوة السياسية عن القوة الاقتصادية“.

في عقد السبعينات، أدى الاحتفاء المتزايد في حقل علم الاقتصاد بمفاهيم اقتصاديين أمثال جورج ستيغلر، و جيمس بوكنان، و غراي بيكير، إلى تعزيز الجهود الرائدة لهايك وفريدمان، وربما كان منح فريدمان جائزة نوبل في عام ١٩٧٦ أوضح إرهاصات ولوج النيوليبرالية الاتجاه السائد، ففي العقد ذاته، نما حجم وتأثير مراكز الأبحاث النيوليبرالية، مثل معهد انتربرايز الأمريكي (American Enterprise Instituteهيرتيج فاونديشن (Heritage Foundation) في الولايات المتحدة، و معهد الشؤون الاقتصادية و مركز دراسة السياسات في المملكة المتحدة، ويعود الفضل في ذلك بشكل كبير للتبرعات السخية للشركات. كانت الأجنحة اليمينية في الحزب الجمهوري في أمريكا والحزب المحافظ في بريطانيا متقبلة بشكل متزايد للأفكار النيوليبرالية والتي تم نشرها من قبل مراكز الأبحاث، وبدأت في منازعة سيطرة المعتدلين داخل أحزابهم.

أتت الانطلاقة النيوليبرالية الحاسمة في نهاية عقد السبعينات، ففي ربيع ١٩٧٩ أصبحت مارغريت تاتشر، والتي كانت مناصرة قوية للنيوليبرالية، رئيسة وزراء المملكة المتحدة. في نوفمبر ١٩٨٠، تم انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة. عنت الانتصارات المتتالية لتاتشر و ريغان أن القوة الرأسمالية المهيمنة و اثنين من أهم المراكز المالية، وول ستريت و مدينة لندن، أصبحت تحت هيمنة الأيدبولوجيا والسياسات النيوليبرالية. في خريف ١٩٧٩، أعلن بول فولكر، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، التخلي عن السياسات الكنزية واستبدالها بالمدرسة النقدية و رفع كبير لمعدلات الفائدة. كان الهدف من “صدمة فولكر”، كما سميت، هو دفع الاقتصاد نحو ركود يقود إلى ارتفاع حاد في نسب البطالة ويقضي على التضخم بشكل حاسم ، إذ تم تفضيل الاستقرار المالي باستمرار على مبدأ التوظيف الكامل الكنزي. في الولايات المتحدة، أنتجت هذه السياسة الجديدة أعمق ركود اقتصادي منذ ثلاثينات القرن العشرين، ركود امتد، بالرغم من انقطاع قصير، من ١٩٨٠ وحتى ١٩٨٢.

أطلقت مارغريت تاتشر، والتي كانت أكثر اتساقاً ايدبولوجياً من ريجان، تحولاً نيوليبرالياً فورياً للسياسات الاقتصادية البريطانية، فهاجمت النقابات العمالية وخفضت الضرائب، و خصخصت الصناعات الوطنية و مشاريع الإسكان العام واسعة الانتشار. شجبت تاتشر فكرة “الدولة الحاضنة” و حاضرت بصرامة عن قيمة العمل الشاق، والاعتماد عن النفس، والمخاطرة التجارية، وبالرغم من أن هجوم تاتشر على النظام الصحي الوطني واجه مقاومة قوية، فقد أفضت جهودها لإلغاء جوانب أخرى من دولة الرفاه إلى نتائج متضاربة، إذ بدا أن الشعب البريطاني كان أكثر تمسكاً بمنافع الرفاه مما تصورته تاتشر.[14] قام رونالد ريغان أيضاً بتغيرات مهمة في السياسات الاقتصادية، كان من ضمنها تحرير الصناعات و خصخصة الخدمات، وتخفيض الضرائب، و تحويل الهيئة الوطنية لعلاقات العمال إلى حليف للشركات الساعية لكسر شوكة اتحادات العمال. وأسوة بتاتشر، فقد مجد ريجان ريادة الأعمال (Entrepreneurialism) والفردانية الصارمة، و كان تأثير خطابه على النقاش العام سابقاً لتأثير سياساته. لكن جهوده لإلغاء الضمان الاجتماعي و التأمين الصحي لكبار السن (Medicare) ذهبت سدى، فالشعب الأمريكي أيضاً كان متمسكاً باستحقاقات الرفاه.[15]

لم يقتصر تأثير انتخاب تاتشر و ريغان على الولايات المتحدة و بريطانيا، بل امتد ليشمل العالم الرأسمالي بأشمله. و لكون الولايات المتحدة الأمريكية القوة العالمية المهيمنة، فقد أدى تحولها النيوليبرالي في أوائل الثمانينات لوضع قضية الإصلاحات النيوليبرالية ضمن الأجندة السياسية لجميع الدول غير الشيوعية، والتي كانت تبحث عن سياسات قد تساعدها في النهوض من أزمتها الاقتصادية الممتدة. في حقيقة الأمر، كان أغلب السياسيين في الدول الرأسمالية المتقدمة متشككين من الاندفاع الأيديولوجي لتاتشر و ريغان. إذا كانت الأيدولوجيا النيوليبرالية المندفعة لم تحقق إلا تقدماً محدوداً، فإن النظريات الاقتصادية المالية و مدرسة شيكاغو حققت تقدماً بارزاً في دوائر صناعة السياسات في كل مكان. خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، فقد تبنت جميع الدول الرأسمالية العديد من السياسات المبنية على حرية السوق، مثل الخصخصة، وتقليص التنظيم الحكومي للنشاطات الاقتصادية، و اتفاقيات التجارة الحرة بشكل تدريجي وجزئي وبرغماتي. في أوروبا، قام الاتحاد الأوربي بأخذ زمام المبادرة، ولكونه غير مرتهن كلية للسلطة السياسية الشعبية، تمكن من فرض سياسات صديقة للسوق كان من الصعب على دوله الأعضاء تمريرها بمفردهم.

سرعان ما تسلمت إدارة ريغان مقاليد الحكم في واشنطن، سعت لتحويل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى ما سماه جوزيف ستيغليتز “المؤسسات التبشيرية” للنيوليبرالية، فمع تصاعد معدلات الفائدة بعد الصدمة الفولكرية، أصبح تأجيل أو إعادة تمويل الديون بناءً على معدلات الفائدة الجديدة أمراً مستحيلاً للعديد من الدول في أمريكا اللاتينية و أفريقيا، و أصبحت قروض صندوق النقد والبنك الدولي هي السبيل الوحيد لتجنب الإفلاس. لكن هذه القروض الجديدة صاحبتها شروط قاسية، فقد أجبرت الدول المقترضة على تخفيض التضخم المحلي و إنهاء سياسة إحلال الصادرات وفتح أسواقها المالية أمام المؤسسات المالية للدول الغنية، و إنقاص الإنفاق المحلي حتى على التعليم و الرعاية الصحية، و كل ذلك لأجل ضبط الميزانية. في أسوء الحالات، والتي كان أغلبها في أفريقيا، تعرضت الدول الواهنة مسبقاً للإنهيار ونتج عن ذلك اضرابات داخلية. بالنسبة لأمريكا اللاتينية و أفريقيا، قادت الإصلاحات النيوليبرالية، سواءً كانت مفروضة أو تم تبنيها طواعية، لتحول الثمانينات إلى “عقد ضائع”. لكن الأوضاع في شرق وجنوب شرق آسيا كانت مختلفة للغاية، فقد بدأت النمور الأصلية: الصين الجديدة، والنماذج الجديدة الناجحة للتصدير كماليزيا و تايلند و اندونيسيا، في الانفصال عن بقية الجنوب العالمي. بالتأكيد، فقد تم خلال عقد التسعينات دمج كوريا الجنوبية و تايوان و سنغافورة و هونغ كونغ مع الدول الرأسمالية الغنية بشكل كبير.

شهد عقدي الثمانينات والتسعينات إنهيار العالم الشيوعي، ففي بولندا شكلت نقابة عمال التضامن تهديداً مستمراً للهيمنة الشيوعية ابتداءً من الثمانينات. في الاتحاد السوفيتي، وصل ميخائيل غورباتشوف للسلطة عام ١٩٨٥ و حاول تحرير النقاش العام من خلال سياسة غلاسنوست(glasnost)، و فتح المجال السياسي والاقتصادي عبر البيريسترويكا (perestroika). كان سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩ بمثابة ناقوس الموت للشيوعية السوفيتية، بالرغم من أن الاتحاد السوفيتي ذاته صمد حتى عام ١٩٩١. تبنت الدول الشيوعية السابقة في وسط وشرق أوروبا سياسات نيوليبرالية، تضمنت في بعض الأحيان “العلاج بالصدمة” الشهير. حدث ذلك لسبب مزدوج، فلم تكن هذه الدول معتمدة تماماً على صندوق النقد وبقية المؤسسات الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فحسب، بل كان عداء النيوليبرالية للدولة و احتفائها بالحرية الفردية جذاباً بشكل كبير للجماهير التي لطالما عانت اضطهاد حكومات فاسدة ومتغطرسة.[16] و بحلول عام ١٩٨٩، كان هناك نواة من النيوليبرالين الملتزمين في العديد من الدول الشيوعية السابقة، و أصبح العديد منهم شخصيات هامة في دول ما بعد الثورة. في الصين، حافظ الحزب الشيوعي على السلطة بالرغم من الفوضى التي نتجت من الثورة الثقافية. لكنه وفي أوائل الثمانينات، بدأ دينغ شياو بينغ تدريجياً في قيادة النظام بعيداً عن الجماعية (Collectivism) نحو اقتصاد مبني على السوق. مع أوائل التسعينات، بدا من الجلي حدوث تحول نيوليبرالي شامل في الافتراضات السائدة للنظرية الاقتصادية، والأيدولوجيا السياسية، و باراديم السياسات. وبدا انهيار الشيوعية (أو تحولها الداخلي في حالة الصين) وكأنه اثبات للأفضلية المطلقة لنظام السوق الحر، كما أفسح الكساد الطويل والذي امتد من عام ١٩٧٣ إلى  ١٩٨٢ المجال لتحسن اقتصادي طويل قاطعه كساد عامي ١٩٩١ و ١٩٩٢ لكن لم يوقفه. على الرغم من هذا، فأن الاعتقاد بأن تبني السياسات النيوليبرالية سيعيد إحياء النمو الاقتصادي لم يكن له ما يدعمه. فباستخدام حسابات أنجوس ماديسون (٢٠٠٨)، والتي لا تشمل تأثير الأزمة الاقتصادية في ٢٠٠٨، يتضح الغياب المذهل لأي تأثير محفز للنمو في الدول المتقدمة خلال الحقبة النيوليبرالية، وكما يشير شكل(١)، فحتى لو أخذنا النقطة النسبية الدنيا للفترة من ١٩٧٨ إلى ١٩٨٣ كنقطة البداية للحقبة النيوليبرالية، فليس من الممكن ملاحظة أي تعافي ثابت في معدلات النمو في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية طوال ربع القرن التالي.

neolib

إذا كان فشل النيوليبرالية في إنعاش النمو الاقتصادي في أوروبا و الولايات المتحدة واضحاً وقت حلول الأزمة المالية في ٢٠٠٨، فإن الأزمة أثبتت انعدام الصلة بين السياسات النيوليبرالية و النمو الاقتصادي، فقد كان أداء الاقتصاد الأمريكي أسوأ بكثير من معدلات النمو في السبعينات التي تم استخدامها لتبرير التحول للسياسات النيوليبرالية. كانت الدول الأقل تأثراً بالأزمة هي تلك التي قاومت النيوليبرالية الكاملة كالسويد و فنلندا في الشمال والصين والبرازيل والهند في الجنوب.

لقد كانت النيوليبرالية أكثر نجاحاً في تغيير توازن القوة السياسية للطبقات الاجتماعية أكثر من نجاحها  كأداة لإنعاش النمو الرأسمالي. وبالرغم من أن معدلات النمو العام لم ترتفع بالفعل، فإن انتشار السياسات النيوليبرالية ساهم في حشد معظم قنوات النمو باتجاه جني الأرباح، خصوصاً في القطاع المالي. بالإضافة لذلك، كان هناك معارضة محدودة حول السياسات الاقتصادية، فإلغاء التنظيمات الحكومية، و حرية التجارة المتزايدة، و تشجيع ريادة الأعمال عبر تقليص الضرائب، و خصخصة الخدمات الحكومية، و تشجيع الابتكار المالي، وتحرير أسواق العمال، و تطبيق السياسات النقدية المنضبطة، والسعي وراء “ قيمة ملاك الأسهم” (Shareholder Value) كغاية للنشاط التجاري جميع هذه الغايات النيوليبرالية أصبحت على مدى عقدي الثمانينات والتسعينات أموراً بديهية في العالم الرأسمالي. و بالرغم من وصول بيل كلينتون و توني بلير للسلطة في الولايات المتحدة وبريطانيا وانتقادهما مبالغة ريغان وتاتشر، فقد تم في أوج فترة حكمهما تقنين و مأسسة نظام نيوليبرالي دولي في مؤسسات كمنظمة التجارة العالمية.[17]

وبالرغم من كون عقد التسعينات ذروة الهيمنة النيوليبرالية، فقد كان العقد الذي بدأت فيه ملامح الانقسام في الظهور. فبنهاية العقد، أصبح “إجماع واشنطون” يطلق عليه “إرتباك واشنطون” ، وأستخدم اقتصاديون بارزون مثل جوزيف ستالغيز[18] الأزمة المالية في شرق اسيا و وفوضى تحرير الاقتصاد في روسيا لنقد باراديم السياسات المستخدم من قبل صندوق النقد والبنك الدولي. في الوقت ذاته، كما يشير تحليل بارنز و هال، فقد بدأ الدعم الشعبي للمبادئ النيواليبرالية في الانحسار. على سبيل المثال، تظهر بيانات مسح القيم العالمي (World Value Survey) أنه خلال عقد التسعينات، كان هناك انخفاض في نسبة الأفراد الذين يعتقدون أن نفع المنافسة الاقتصادية أكثر من ضررها، أو أن الحكومات ينبغي أن تتحمل مسؤلية أقل في رعاية الناس.

وبعد مضي عقد من الزمن، و بعد الأزمة المالية عام ٢٠٠٨ والركود العميق الذي تلاها، يواجه النفوذ العالمي للنيوليبرالية كنظرية اقتصادية و أيديولوجيا سياسية وبردايم للسياسات تحدياً متجدداً. لكن الجمود وتأثير المسار التاريخي (Path Dependency) غالباً ستطيل تأثير النيوليبرالية على المخيلة الاجتماعية و بنى القوة السياسية والاقتصادية لسنوات قادمة.

خاتمة

ماهي التبعات الإجمالية لصعود النيوليبرالية كإطار ايديولوجي ونظري مهيمن على الاقتصاد السياسي العالمي؟ أي إجابة على هذا السؤال يجب أن تقر بمحدودية نجاح النيوليبرالية، فبناء اقتصاد عالمي نيوليبرالي موحد وإيجاد مؤسسات قومية متجانسة[19] كان أصعب بكثير مما تصوره مناصرو النيوليبرالية. فقد اتضح أن السياسة الداخلية أكثر مناعة مما يقر به أنصار ونقاد النيوليبرالية على حد سواء. ففي داخل العالم الأنجلوساكسوني، وخصوصاً في الولايات المتحدة، بدت الأثار التحولية للنيوليبرالية عميقة و جارفة. في شرق آسيا، والتي بدت المنطقة الأكثر نجاحاً في الحقبة النيوليبرالية، فإن النيوليبرالية لم تكن إلا عنصراً وحيداً ضمن العديد من المكونات الأيدولوجية المنتقاة والتي كان من ضمنها استراتجيات الدولة التنموية، و تضمنت في حالة الصين سياسات معادية لليبرالية بشدة. في مناطق أخرى كأوروبا و امريكا اللاتينية، فإن استمرارية و إعادة إحياء التقاليد الديموقراطية الاجتماعية التي سبقت النيوليبرالية يستدعي ذات الدهشة التي خلفها تأثير النيوليبرالية من قبل. ولكنه وبالرغم من هذه الفجوات، فقد كان للنيوليبرالية آثار قوية لم تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية بل شملت العالم أجمع.

إذا لم تشهد الحقبة النيوليبرالية زيادة في معدلات النمو، فقد شهدت تحولاً لافتاً في البنية المؤسسية و ديناميكية الاقتصاد العالمي، ففي أغلب دول العالم، قلصت النيوليبرالية من قوة التنظيمات العمالية و زادت من قوة رأس المال، و قاد ذلك إلى ارتفاع اللامساواة في الدخل. نتجت هذه التغيرات من تعزيز دور الأسواق، بما فيها الأسواق العالمية، في تخصيص الموارد.  فالعولمة المتزايدة للنشاط الاقتصادي كانت بالتأكيد أحد أبرز معالم الحقبة النيوليبرالية، حيث شهدت التجارة العالمية نمواً متسارعاً، وأصبحت الشركات أكثر عالمية من حيث التمويل والمبيعات والتقسيم الداخلي للعمل. كان ذلك جزئياً نتيجة للتغيرات التقنية كتطور نظم النقل بالحاويات (Containerization of Transport) و تعميم وتطوير خدمات الطيران التجاري، وتطوير أنظمة الاتصال عالية السرعة عبر الأقمار الصناعية و كابلات الألياف البصرية، والانترنت. جاءت هذه التقنيات، والتي زادت بشدة من سرعة النقل والاتصالات بعيدة المدى و قللت من تكلفتهما، بشكل رئيسي كنتيجة لتغيرات تقنية مستقلة عن السياسات النيوليبرالية، وكانت غالبا ستقود لتدويل الاقتصاد حتى في ظل غياب الهيمنة النيوليبرالية. لكن السهولة المتزايدة والتكلفة المنخفضة للتجارة العالمية والاتصالات ساعدت بالتأكيد في جعل جهود النيوليبراليين لتحرير التجارة الدولية أكثر جاذبية لمصالح الشركات و أكثر معقولية للجمهور العام. في المقابل، فإن توطيد إطار مؤسساتي نيوليبرالي للتبادل الدولي عزز من التداول العالمي المتسارع وعديم التكلفة (Frictionless). إذا فالنيوليبرالية هي سبب ونتيجة للضغط الزمكاني استثنائي السرعة الذي شهدته العقود الثلاثة الماضية.[20]

ينبغي ألا يعتبر الصعود غير القابل للجدل للتجارة العالمية خلال الحقبة النيوليبرالية مجرد صعود “للأسواق الحرة.” فبالرغم من إيمان دول الشمال الغنية العلني بالأسواق الحرة، فإنها لا تزال مستمرة في إتباع استراتيجيات مركنتيلية (Mercantilist) بدرجة تناقض تصريحاتها الخطابية المعلنة. وبالرغم من أن السياسات الزراعية تعد أوضح الأمثلة، إلا أن نظرة فاحصة لأي اتفاقية تجارة حرة ستكشف أمثلة عديدة أقل جلاءً. وبالمثل، فإن القوانين التي تحكم الأسواق العالمية هي ، بشكل كبير، نتيجة لأفعال سياسية مدروسة بعناية من قبل الشركات الرأسمالية التي تعتمد أرباحها على كيفية صياغة هذه القوانين. في النهاية، فالولايات المتحدة (والعديد من الدول الأخرى بشكل أقل وضوحاً) مستمرة في الجهود التقليدية الساعية لتحقيق السيطرة السياسية والاقتصادية على دول أخرى باستخدام الوسائل السياسية والعسكرية. إنه عالم أكثر عولمة، لكنه ليس عالماً تحررت في السوق من السياسة.

شكل الصعود الكبير في أهمية والوزن الاقتصادي للتمويل محليا ودولياً أحد التحولات الاقتصادية الهامة للحقبة النيوليبرالية. مرة أخرى، تقوم الأمولة (Financialization) بدور السبب والنتيجة في صعود النيوليبرالية، فقد أدى انهيار نظام بريتون وودز للعملات الثابتة إلى ظهور أشكال جديدة من الوساطات المالية المعتمدة على تذبذب قيمة العملات في السبعينات. ومع بداية الثمانينات، كان لضغط المضاربيين الماليين الدوليين دور أساسي في إجبار أو تحفيز العديد من الدول لتبني سياسات نيوليبرالية كوسيلة للدفاع عن عملاتهم.[21] في الوقت ذاته، سعت المؤسسات المالية الغنية لحلحلة أو تفكيك التنظيمات والقيود الحكومية وذلك عبر حملات سياسية مؤثرة اكتسبت شرعيتها من الأيديولوجيا النيوليبرالية. قاد تغير السياسات هذا لانتشار “منتجات” مالية جديدة، ونمو الحيز الدولي للتمويل، و اعتماد الشركات والمؤسسات التجارية بكافة أنواعها على المؤشرات المالية (Financial Benchmark) لتقييم النجاح. ساهمت أمولة الاقتصاد بشكل هام في عدم استقرار الاقتصاد الجزئي وذلك عبر تمكين عمليات الاستحواذ وشراء الحصص (Buyouts)، وتقليص حجم الشركات، وعلى وجه الخصوص تخفيض عدد موظّفيها (Downsizing)، والإفلاس (Bankruptcy) كما ساهمت أمولة الاقتصاد في غياب استقرار الاقتصاد الكلي عبر زيادة الأزمات الاقتصادية المحلية والإقليمية والعالمية. أدى هذا الاضطراب إلى تزايد قلق الناس العاديين والرأسماليين على حد سواء، ويعد هذا من الآثار الاجتماعية الهامة والإشكالية الناتجة عن التحول النيوليبرالي للاقتصاد العالمي.

وكما تغيرت بنية الاقتصاد السياسي العالمي، فإن المخيلة الاجتماعية التي تعززها النيوليبرالية تم استيعابها بشكل واسع حول العالم بالرغم من الاختلافات في مزيج السياسات و الخطابات السياسية على المستوى الوطني. و كنتيجة للنيوليبرالية العالمية، يبدو أن لغة و النموذج المؤسساتي للسوق تسربت لجميع جوانب الحياة المعاصرة، فالإعلام والثقافة العامة تشربت مفهوم أنه ينبغي علينا امتلاك ذوات ريادية، وأنه يجب علينا أن نكون دائماً على أهبة الاستعداد لإعادة تأهيل ذواتنا تأهباً لفرص جديدة، و أن السعي وراء المنفعة الذاتية أمر طبيعي، وأن الثراء العريض هو مجرد مكافأة للمبتكرين والمبدعين.

إذا قدر لفريدريك هايك أن يعود ويرى العالم التي ساهمت مجهوداته الفكرية في صنعه، فقد يساوره شعور بالرضا العارم عن بعض جوانب هذا التحول، لكنه قد يجد بعض تبعات هذا التحول مقلقة. وبالرغم أنه بإمكان النيوليبرالية إدعاء بعض الفضل في تقييد سلطة مسؤلي الدولة المستبدين، سيكون من الصعب على هايك أن يتجاهل السلطة المتضخمة للنخب الخاصة التي أنتجتها النيوليبرالية بلا شك. وبالرغم أن النيوليبرالية أدت إلى ازدياد دور السوق، إلا أنها أيضا زادت من قدرة رأس المال على جني عوائد غير عادلة وذلك عبر كتابة القوانين التي تحدد كيفية عمل السوق. ومن المؤكد فإن هايك سيشعر بخيبة الأمل تجاه غياب الدينامية الاقتصادية لدى البلدان التي التزمت بالمفاهيم النيوليبرالية.

و لأصحاب النزعة البولانية، الذين يعطون قيمة عالية للمساواة والمجتمع، ويعتقدون أن السوق ذاتي التنظيم هو مجرد يوتيوبيا خطرة، فإن فشل التحول العظيم و صعود النيوليبرالية هو إثبات مرير لافتراضاتهم النظرية، كما أنه إشارة أنه كان ينبغي عليهم القلق من قدرة النخب الخاصة على السيطرة على السلطة السياسية. في الأماكن التي شهدت تطبيقاً ممنهجاً للنيوليبرالية، عرضت النيوليبرالية العائلات والمجتمعات لتقلبات و لاعقلانية السوق، بل و مكنت الأثرياء من استخدام السياسات العامة لتحويل الموارد لصالحهم، وفي الوقت ذاته إضعاف المؤسسات العامة التي تدعم سعي المواطنين العاديين وراء حياة منتجة و مثمرة.  أدت هذه التحولات لاستفحال مسألة المرونة الاجتماعية (Social Resilience) في العصر النيوليبرالي.


الهوامش

[1] (Stiglitz 2002; Somers 2008)

[2] (Hackers 2006)

[3]  راجع (Somers, 2008)

[4] يشير مصطلح الأمولة لعملية تحول النشاط الاقتصادي إلى القطاع المالي عوضاً عن القطاعات الصناعية والزراعية، وتحويل أغلب السلع والخدمات لمنتجات مالية يكمن تداولها في الأسواق المالية، كأسواق الأسهم والعملات (المترجم).

[5](Hayek, 2007 [1944], 39-40)

[6] (Caldwell, 2007, 13)

[7] (Polanyi, 2001 [1944])

[8] (Hobsbawm, 1949)

[9] (Brenner, 1998)

[10]  راجع (Evans, 1995)

[11] (e.g., Solzhentisyn, 1974)

[12] (Hayek, 2007 [1944], 85-7,118)

[13] راجع أيضاً (Friedman, 2002 [1962]; Van Horn, 2009)

[14] (Pierson, 1994)

[15] (Pierson, 1994)

[16] (Bockman and Eyal, 2002; Bockman 2011)

[17] (Bernner, Peck, and Theodore, 2010)

[18] (Joseph Stiglitz, 2002)

[19] راجع (Evans, 2004)

[20] (Harvey, 1991)

[21] راجع (Fourcade-Gourinchas and Bob, 2002)


المراجع

Arrighi, Giovanni. 2007. Adam Smith in Beijing: Lineages of the Twenty-First Century. London: Verso).

Baiocchi, Heller and Silva, forthcoming. Bootstrapping Democracy: Transforming Local Governance and Civil Society in Brazil. Stanford: Stanford University Press.

Bardhan, Pranab. 2010. Awakening Giants, Feet of Clay: Assessing the Economic Rise of China and India.

Bartels, Larry. 2008.Unequal Democracy: The Political Economy of the Gilded Age. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Block, Fred and Matthew Keller, eds. 2010. The Invisible Hand of Government: Innovation Policy in the U.S. Boulder, CO: Paradigm Publishers.

Block, Fred and Margaret Somers. Forthcoming Free Market Utopianism: From Market fundamentalism to Karl Polanyi and the Reality of Society. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Bockman, J. Forthcoming. Markets in the Name of Socialism: The Left-Wing Origins of Neoliberalism. Stanford University Press

Bockman, Johanna K., and Gil Eyal. 2002. “Eastern Europe as a Laboratory for Economic Knowledge: The Transnational Roots of Neoliberalism.” American Journal of Sociology 108:310-352.

Bradley, David and John D. Stephens. 2007. “Employment Performance in OECD Countries: A Test of Neo-Liberal and Institutionalist Hypotheses” (with David H. Bradley). Comparative Political Studies 40 (12): 1486-1510.

Brenner, Neil, Jamie Peck and Nik Theodore. 2010. “Variegated Neoliberalism: Geographies, Modalities, Pathways.” Global Networks 10: 1-41.

Brenner, Robert. 1998. The Economics of Global Turbulence May-June 1998, pp. 1-265 (Special Issue) New Left Review.

Caldwell, Bruce. 2007. “Introduction.” In F. A. Hayek, The Road to Serfdom, ed. Bruce Caldwell. Chicago: University of Chicago Press, pp. 1-33.

Cardoso, F.H. 2009. New Paths: Globalization in Historical Perspective,” Studies in Comp Intl Dev 44:296–317

Castro A. B. 2007.“No espelho da China” Rio de Janeiro: Universidade Federal do Rio de Janeiro: unpublished Ms.

______. 2008. “From semi-stagnation to growth in a Sino-centric market,” Brazilian Journal of Political Economy [Revista de Economia Politica] 28/1: 3-27

Davis, Deborah and Feng Wang, eds., 2009.Creating Wealth and Poverty in PostSocialist China. Stanford University Press

de Janvry, A., & Sadoulet, E. 2005. Conditional Cash Transfer Programs for Child Human Capital Development: Lessons Derived from Experience in Mexico and Brazil, World Bank Development Economics Research Group.

Dostal, Jörg Michael. 2010. “The Developmental Welfare State and Social Policy: Shifting From Basic to Universal Social Protection, ” The Korean Journal of Policy Studies, Vol. 25, No. 3 (2010), pp. 147-172.

Evans, Peter. 2010. “Constructing the 21st century Developmental State: Potentialities and Pitfalls” pg. 37-58 in Edigheji , Omano (ed). Constructing a Democratic Developmental State in South Africa Potentials and Challenges. HSRC Press, Capetown, South Africa.

______. 2009. “From Situations of Dependency to Globalized Social Democracy,” Studies in Comparative International Development. 44:318–336.

______. 2004. “Development as Institutional Change: The Pitfalls of Monocropping and Potentials of Deliberation,” Studies in Comparative International Development. 38(4) [Winter]: 30-53.

______. 1997. “The Eclipse of the State? Reflections on Stateness in an Era of Globalization,” World Politics 50 (October,): 62-87.

______. 1995. Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation. Princeton, NJ: Princeton University Press

Fairbrother, Malcolm. 2003. “The Freedom of the State? Recent NDP Governments and a Reply to the Globalization Sceptics,” Canadian Review of Sociology and Anthropology 40.3 (August): 311-29

Fourcade-Gourinchas, M., and S. Babb. 2002. “The Rebirth of the Liberal Creed: Neoliberal Transitions in England, France, Mexico and Chile” American Journal of Sociology, November

Frank, Robert H. Adam Seth Levine and Oege Dijk. 2010. “Expenditure Cascades” Unpublished working paper, available electronically at Social Science Research Network.

Friedman, Milton (2002 [1962]) Capitalism and Freedom. Chicago: University of Chicago Press

Freeman (1994) “Doing It Right?: The U.S. Labor Market Response to the 1980s/1990s”. Presented at the Egon- Sohmen-Foundation Symposium on Fighting Europe’s Unemployment in the 1990s, Salzburg, Austria, August 27-28, 1994.

Goldin, Claudia, and Robert Margo. 1992. “The Great Compression: The Wage Structure in the United States at Mid-Century,” Quarterly Journal of Economics, 108 (): 1– 34

Hacker, Jacob S. (2006) The Great Risk Shift: The Assault on American Jobs, Families, health Care, and Retirement And How You Can Fight Back. New York: Oxford University Press.

Hacker, Jacob and Paul Pierson. 2010a. “Winner-Take-All Politics: Public Policy, Political Organization, and the Precipitous Rise of Top Incomes in the United States, ” paper presented at conference sponsored by Politics & Society.

Hacker, Jacob and Paul Pierson. 2010b. Winner Take-All Politics: How Washington Made the Rich Richer and Turned its Back on the Middle Class. New York: Simon and Schuster

Hall, P. A. , Forthcoming. Politics in the New Hard Times: The Great Recession in Comparative Perspective, eds. Miles Kahler and David Lake.

_____. (1987) ‘The Evolution of Economic Policy under Mitterrand’. In Ross, G., Hoffmann, S. and Malzacher, S. (eds) The Mitterrand Experiment: Continuity and Change in Modern France, New York, Oxford University Press, pp. 54–72.

Hall, P. A. and Lucy Barnes (Forthcoming) “Social Resilience and Well-Being in the Developed Democracies.” In P. A. Hall and Michele Lamont, Social Resilience in the Neo-Liberal Era.

Hall, P. A. and Michèle Lamont (eds.). 2009. Successful Societies: How Institutions and Culture affect Health. Cambridge University Press. _______. (Forthcoming) Social Resilience in the Neo-Liberal Era.

Hancké, B. (2001) ‘Revisiting the French Model: Coordination and Restructuring in French Industry’. In Hall, P. A. and Soskice, D. (eds) Varieties of Capitalism: The Institutional Foundations of Comparative Advantage, Oxford, Oxford University Press, pp. 307–334

Harvey, David. 1991. The Conditions of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change. Oxford: Blackwell.

_____ . 2005. A Brief History of Neoliberalism. Oxford University Press. Hobsbawm, E. J. 1994. The Age of Extremes: A History of the World, 1914-1991. New York: Vintage.

Huo, Jingjing, Moira Nelson and J.D. Stephens. 2008. “Decommodification and Activation in Social Democratic Policy: Resolving the Paradox,” Journal of European Social Policy 18 (1): 5-20.

Iversen, Torben and J.D. Stephens. 2008. “Partisan politics, the welfare state, and three worlds of human capital formation” Comparative Political Studies 41 (4/5): 600- 37, 2008

Johnson, Ian. 2010. “The Party: Impenetrable, All Powerful,” New York Review of Books, Sept. 30-Oct. 13, vol. LVII, no. 14, pp. 69-72

Johnson, Simon. 2009. “The Quiet Coup” Atlantic Monthly.

Kelly, Nathan. 2009.The Politics of Income Inequality in the United States Cambridge, UK: Cambridge University Press.

Kerstenetzky, Celia Lessa. 2009. “ The Brazilian social developmental State: a progressive agenda in a (still) conservative political society.” Unpublished Ms”

______. 2010. “Social development in Latin America?” Discussion Paper No. 26 – July 2010. Center for Studies on Inequality and Development. Universidade Federal Fluminense, Niteroi, RJ, Brazil.

Kymlicka, Will. (Forthcoming) “Neoliberal Multiculturalism.” In P. A. Hall and Michele Lamont, Social Resilience in the Neo-Liberal Era.

Levy, J. D. 2005. “Redeploying the State: Liberalization and Social Policy in France.” In Beyond Continuity: Institutional Change in Advanced Political Economies, ed. Wolfgang Streeck and Kathleen Thelen. Oxford: Oxford University Press, pp. 103-26

José Antonio Lucero. 2008. Struggles of Voice: The Politics of Indigenous Representation in the Andes. University of Pittsburgh Press..

McGuire, James W. 2010. Wealth, Health, and Democracy in East Asia and Latin America. Cambridge University Press.

Mirowski, Philip and Dieter Plehwe, eds. 2009. The Road From Mount Pelerin: The Making of the Neoliberal Thought Collective. Cambridge, Mass.: Harvard University Press.

Moyn, Samuel. 2010. The Last Utopia: Human Rights in History. Cambridge, Mass.: Harvard University Press.

Palier, B. (2005) ‘Ambiguous Agreement, Cumulative Change: French Social Policy in the 1990s’. In Streeck, W. and Thelen, K. (eds) Beyond Continuity: Institutional Change in Advanced Political Economies, Oxford, Oxford University Press, pp. 127–144.

Palier, Bruno and Kathleen Thelen (2010) “Institutionalizing Dualism: Complementarities in Germany and France.” Politics and Society 38 (1): 119-48.

Peng, Ito and Joseph Wong, 2008. “Institutions and Institutional Purpose: Continuity and Change in East Asian Policy” Politics Society. 36: 61

Pierson, Paul. 1994. Dismantling the Welfare State? ReaganThatcher and the Politics of Retrenchment. Cambridge: Cambridge University Press.

Piketty, Thomas. 2003. “Income Inequality in France, 1901–1998.” Journal of Political Economy. vol. 111, no. 5

Piketty, Thomas and Emmanel Saez, 2003. “Income Inequality In The United States, 1913–1998” QJE 118(1):1-39.

Polanyi, Karl. 2001 [1944]. The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time. 2nd Beacon Paperback Edition

Ruggie, John Gerard (1982) “International Regimes, Transactions and Change: Embedded Liberalism in the Postwar Economic Order.” International Organization 36: 379-97.

Sewell, William H., Jr. (2005) “From State-Centrism to Neoliberalism: Macro-Historical Contexts of Population Health Since World War II.” In Peter Hall and Michèle

Lamont, eds., Successful Societies: Institutions, Cultural Repertories, and Health (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), 254-87

Siddiqi, A. & Hertzman, C. (2001) Economic growth, income equality and population health among the Asian Tigers. International Journal of Health Services. 31, pp.323-34.

Solzhenitsyn, Aleksandr. 1974. The Gulag Archipelago: An Experiment in Literary Investigation. Translated by Thomas P. Whitney. New York: Harper and Row.

Somers, Margaret R. (2008) Genealogies of Citizenship: Markets, Statelessness, and the Right to Have Rights. New York: Cambridge University Press

Skocpol, Theda. 1992. Protecting Soldiers and Mothers: The Political Origins of Social Policy in the United States, Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press

Stiglitz, Joseph E. (2002) Globalization and Its Discontents. New York: W. W. Norton.

Van Horn, Rob. (2009) “Reinventing Monopoly and the Role of Corporations: The Roots of Chicago Law and Economics.” In Mirowski, Philip and Dieter Plehwe, eds. (2009) The Road From Mount Pelerin: The Making of the Neoliberal Thought Collective. Cambridge, Mass.: Harvard University Press., 204-237.

Williamson, John. 1990. “What Washington Means by Policy Reform,” in Williamson, J (ed.) Latin American adjustment: how much has happened? Washington, D.C.: Institute for International Economics.

______. Williamson, 1999. “What Should the World Bank Think about the Washington Consensus?” Paper prepared as a background to the World Bank’s World Development Report 2000.

Wong, Joseph. 2004. Healthy Democracies: Welfare Politics in Taiwan and South Korea (Cornell University Press.

Zuberi, Dan. 2006. Differences that Matter: Social Policy and the Working Poor in the United States and Canada. Ithaca and London: Cornell University Press / ILR Press.

______. 2010. Outsourced: Neoliberalism and the Fate of our Hospitals, Health Care Systems, and Societies. Book Manuscript in progess