الرئيسية / منتخبات / عامة / هل يعاني المسلم من عسف فعلي في الغرب؟

هل يعاني المسلم من عسف فعلي في الغرب؟

رسلان جاد الله عامر – سوريا

في ‏18‏/08‏/2018 أعلنت بلدية لوزان السويسرية رفضها إعطاء الجنسية لزوجين مسلمين رفضا مصافحة أشخاص من الجنس الآخر أثناء جلسة استماع مع لجنة التجنيس التابعة للبلدية، لأنها اعتبرت ذلك دليلا على عدم الاندماج في المجتمع السويسري وفقا لكلام غريغور جونود عمدة لوزان!

هذا الخبر تداولته وسائل الإعلام قي حينها، وقد أورد بعضها خبرا آخر في نفس السياق يقول أن السيدة فرح الحاج التي سبق أن خسرت فرصتها بالتوظيف في إحدى الشركات لسبب مماثل في السويد في حادثة أخرى..رفعت دعوى على تلك الشركة وغرمتها بـ بمبلغ 4350 دولاراً أميركياً من قبيل التعويض، وقد قالت المحكمة التي أصدرت حكما لصالحها :« إن رفض النساء مصافحة الرجال يأتي اتساقا مع تعاليم الدين التي كفل القانون لها الحماية وفق المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان!«

ويختم المقال بالقول بأنه يحق للزوجين اللذين حرما من الجنسية استئناف القرار خلال شهر!

فكيف يمكننا التعامل بموضوعية مع هذا الحدث وفهمه بشكل الصحيح، دون أن نتصرف كبعض الإسلاميين السياسيين، الذين وجدوا في الحدث فرصة للهجوم على الغرب وعلمانيته وديمقراطيته، واعتبارها كلها فاقدة المصداقية ولا تحترم عقائد وتقاليد المختلفين؟!

بداية نقول أنه من المدهش أن تحصل مثل هذه الأمور في الغرب، ولاسيما في دول مثل سويسرة أو السويد!

ولكن موضوعيا لابد من القول بوضوح أن تلك المجتمعات ليست قطعا مثالية، وأن أخطاء كبيرة أو صغيرة تحدث فيها، والعلاقة بين الحقوق الدينية والقوانين العلمانية ما تزال فيها محل جدل في العديد من الأحوال المرتبطة بالمهاجرين من ثقافات أجنبية، وهي تصبح أكثر توترا عندما يتعلق الأمر بالإسلام بسبب انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا فيه، لكن هذه الظاهرة يتحمل فيها المسلمون أكثر من سواهم الذنب لأنهم هم غالبا من يقدمون إسلامهم بشكل مشوه، فالغربي الذي يرى ما ترتكبه داعش والقاعدة وأمثالها من جرائم مروعة في الغرب نفسه وفي العالم الإسلامي وغيره من مناطق العالم، ويرى الفتاوى الغريبة العجيبة التي لا تنسجم مع عقل ولا تتفق مع خُلق التي يطلقها شيوخ محسوبون على الإسلام، يقتنع بأن هذا هو الإسلام! وهو لن يحاول قراءة القرآن والسنة النبوية ولا دراسة التاريخ الحضاري الإسلامي ليحكم بما إذا كان هذا هو الإسلام الحقيقي أم لا.. ولاسيما أن دعاية جد مغرضة تبث في هذا الغرب من قبل الصهيونية والنازية الجديدة وسواهما، ومن بين هؤلاء من يتعمد إثارة العداء عمدا وحصرا ضد المسلمين والعرب، ومنهم من يريد لهذا العداء أن يطال جميع المهاجرين لأنه يرى فيهم تهديدا معيشيا وديموغرافيا وثقافيا عليه كغربي!

هذه الفرصة -كما سبق القول- اقتنصها بعض الإسلاميين السياسيين ليسقط علمانية وديمقراطية الغرب المعاصر بضربة واحدة! ولم ير، أو لم يرد أن يرى أن هذه الغرب العلماني الديمقراطي العديم “المصداقية الحضارية” نفسه، وكما تقول بعض مصادر نشر الخبر نفسها يعطي كامل الحق للمسلمين المتضررين باللجوء للقضاء ويحكم لصالحهم أحيانا!

وهنا لابد أن نسأل هؤلاء الإسلاميين إذا كانت تلك هي مصداقية الغرب، فأين هي مصداقيتنا نحن في واقعنا العربي والإسلامي المعاصر؟! وأين هو نموذجنا الحضاري وبديلنا الإنساني؟!
إننا نرى يوميا في ديارنا دوران عجلات التطرف والتكفير والإرهاب، والصراعات الدامية والذبح والسبي العنصري! فكم غربيا وعربيا وسواهم من الأبرياء ذبحت القاعدة وداعش وسواها من الحركات التكفيرية؟ وهل نسينا تفجيرات الكنائس ومساجد المسلمين أنفسهم من مذاهب مختلفة، وسبي الإيزيديات والهجوم الداعشي البربري الأخير على محافظة السويداء السورية، وغيرها من الأعمال العنصرية الدموية؟!

ونحن هنا نتحدث عن واقع الحال..الواقع المحض، الذي يتلاعب فيه الكثيرون من المستغِليِن المغرضين والمتعصبين المتطرقين بالدين! وهذا هو واقعنا..وذاك هو واقعهم! ونحن لا نقول قطعا أن الغربيون بريئون.. فسياساتهم الخارجية فيها الكثير والكثير من العدوان والإجرام القديم والحديث! ولكن ما يهمنا بالضبط هو ما أنتجوه داخل بلادهم من تطور وتحضر! ونحن لا نتحدث هنا عن كرم أخلاق حكوماتهم، فهذه الحكومات والقوى المصلحية معها في بلادها مقيدة بقوانين ونظم ترغمهما على احترام حقوق الناس ومعاملتهم كناس، وهذا قد حصل بفضل نضال الشعوب..التي دفعت في سبيله أثمانا غالية! لكن الحكومات والقوى المصلحية الغربية يمكنها ممارسة العنف خارج بلدانها لأنه ليس ثمة من يردعها في هذا الميدان، إلا أنها تقريبا لا تستطيع فعل ذلك داخل بلدانها لأن بنية الدولة والمجتمع وموازين القوى لا تسمح لها قطعا بذلك كما هو الحال في الخارج!

فأين نحن من ذلك؟!

نحن نرى ما نغرق فيه من داء وكيف يُستغل الدين عندنا بأبشع الأشكال، وعندما يدين أحدنا هذا الواقع المأساوي ويبحث في سبل الخلاص منه، فغالبا ما تشهر فئة من الإسلامويين بوجهه سيف التكفير، فيما تشهر فئة أخرى أحيانا سوط التجهيل ليُسفه كلامه بدعوى عدم التخصص، التخصص الذي يعني برأيهم معرفة ما في المصادر الأصول، وكأن معرفة الأفكار بشكل مجرد  وبعيد عن الواقع كافيا لحل مشكلة الواقع الإسلامي بالقول أن ما هو واقع وحادث ليس هو الإسلام الحقيقي.. ولجعلنا بهذا القول ننسى واقع الحال الكارثي!

ختاما..

ثمة مثل يقول “عيرت المصفاة الإبرة بأنها مثقوبة”، وهذا حال إسلاميينا السياسيين عندما تُرتكب في الغرب غلطة!!!

فإن شئنا التعامل بعقل وصدق مع ما يجري في الغرب من إساءات متعمدة أو غير متعمدة للعرب والمسلمين بين حين وحين، علينا ألا نقتنص هذا للترويج لسياسة الغربوفوبيا وشيطنة الغرب، ونسعى بذلك للتغطية على عيوبنا وعرقلة حلول مشاكلنا أو التنصل من استحقاقاتنا!

بل علينا أن نفهم بواقعية وموضوعية أسباب فعل الغرب لذلك، وأن نسعى للتخلص من هذه الأسباب، وسنجد أن هذه الأسباب أكثرها مرتبط بمشكلتنا في ديارنا نحن، المتمثلة بعجزنا عن إنتاج نموذجنا الخاص من المجتمع الحديث!

فإن فعلنا ذلك و ظهرنا بالصورة الحضارية المناسبة..سيبدل أكثر الإسلاموفبيين الغربيين بشكل عفوي موقفهم السلبي من المسلمين، وسنكون بذلك قد قطعنا الطريق على من يتعمد لغرض أو لآخر ترويج ونشر الإسلاموفبيا!

لا أحد يتحدث عن صينوفوبيا فعلية في الغرب! فهلا تساءلنا عن السبب؟!

السبب أن الصين صارت اليوم دولة حضارية منافسة للغرب، ولكن رغم هذه المنافسة فالصورة الحضارية للصين المعاصرة كافية لنزع أي إحساس بخطر صيني اجتماعي أو ثقافي أو عدائي من أذهان الغربيين، الذين يجيدون لعبة التنافس، ويرحبون بنماذج الاختلاف عندما يجدونها جميلة وبناءة!

ونحن بإمكاننا فعل ذلك..ليس أقل من الصين!

الغربي لا يرى لا في شيوعية الصين، ولا في إرثها الكونفوشيوسي أو الطاوي ولا في نموها الاقتصادي خطرا عليه! لأنها قوة حضارية حقيقية اليوم! لكنه يرانا كذلك، وليس هذا بسبب إسلامنا أو عروبتنا، فإن تصورنا أن فوبيا الغرب تجاهنا سببها الدين أو العرق فنحن جد واهمون، فهذه الفوبيا سببها الحقيقي هو أننا حقيقة أننا اليوم لسنا حضاريين ..بل وبعيدين كثيرا عن الحضارة، ولن تشفع لنا لدى الغرب حضارة أجدادنا لأن الغرب يعيش في حضارة الحاضر والواقع، ولا يقف مثلنا على الأطلال!

 

شاهد أيضاً

انسحبت مُبَكِّرًا من الفلسفة لذلك لم أشرب مما شرب منه سقراط

بقلم: عمر بن أعمارة “بتعاطي الفلسفة كما ينبغي، لا يفعل المرء غير طلب الموت” أفلاطون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *