الرئيسية / Non classé / دين الإلحاد

دين الإلحاد

د.محمد المزوغي

“.. في الوقت الذي يبقى فيه المتديّن مُتحصّنا في إيمانه، ومقتنعا أشد الاقتناع بأن الله موجود، وغير مستعدّ للشك طرفة عين في حقيقة وجوده، وفي الوقت الذي قدّم فيه رجل مثل إيتيان جيلسون (E. Gilson) إيمانه على عقله مُدّعيا بأنّ وجود الله هو من البداهة بحيث لا يحتاج إلى أي إثبات[1]، فإن الفيلسوف الايطالي جوزيبّي رينسي (G. Rensi)، بعد تحليل مستفيض وعميق للمسألة يستخلص النتيجة التالية: «”الله غير موجود”، هي حقيقة أوّليّة ساحقة مثل 2×2=4. إنها منحوتة على الصفحات الأولى من كل كتاب مَنطق بسيط، على تلك الصفحات التي تحمل كعنوان: “قوانين الفكر”. إنّ نَفيها يعني السقوط في التشويش الذهني، وبالتالي في الجنون (nella pazzia). “الله غير موجود” هي حكم تحليلي، مثل “الجسم هو مُمتدّ”. وبما أن المحمول، في الثاني، يُشتَقّ بالفحص المنطقي في الموضوع، دون الحاجة إلى القيام بأية تجربة، كذلك يحدث في الأوّل. المحمول “غير موجود” يُستخرج من الموضوع “الله” بنفس اليقين والتأكّد المنطقي وتقريبا كتحصيل حاصل مثل “ممتد” من “جسم”[2]».
كل من تَشبّث بالمرجعية المنطقية وعزّ عليه الفكر العلمي الصارم، يدرك أن دعوات أنصاف الفلاسفة للتضحية بالعقل والمنطق، والاصطفاف في طابور الدين، غير مقنعة بتاتا هذا إن لم تكن شرّيرة جدا ولاإنسانية، بل إرهابيّة. إنّ الإله الذي يطلبون منه العون ويترجّون قدومه لتخليصهم من شرور العالم[3] لن يأتي أبدا لأنه غير موجود، وعدم وجوده، كما أكّد رينسي، هو حقيقة منطقية مبدئيّة واضحة بذاتها؛ مسألة تخصّ بسيط المنطق، وبالتالي من يريد أن يتغاضى عنها أو يقفز عليها يجد نفسه خارج المنطق، خارج العقل، يعني خارج السلامة الذهنية. لا يعرف بالتحديد معنى كلمة “كينونة”، ولا معنى الرابطة الوجودية “هو”، أو إنْ فَهَمَها، لا يعرف كيف يتقيّد بما فهمه منها، وبتشويش ذهني عجيب، يعود ليَحمل الوجود على ما هو غير موجود.
إنّ واجب الإنسان العاقل الحر، يقول الفيلسوف برودون، هو أن يدحر بقوّة، ودون رجعة، فكرة الله من عقله ومن ضميره. لأن الله، لو وُجد، فهو معاد جوهريا لطبيعتنا، ونحن لا نعتمد اطلاقا على سلطته: نحن نصل إلى العلم رغما عنه، إلى العيش الكريم رغما عنه، إلى الاجتماع رغما عنه: كل تقدّم نقوم به هو انتصار جديد نَسْحَق به الألوهية (nous écrasons la Divinité)[4].
قد يعترض أحدهم: إذا رُفض الإيمان بالإله، وإذا رُفع الدين فإن حياة الإنسان تفقد حتما من معناها وتُرَدّ إلى حياة شبيهة بالبهائم. اعتراض مُتوقّع من طرف المؤمنين الذين لم يتركوا صفة مشينة دون أن يلصقوها بالملحدين. لكنه اعتراض ضعيف جدا، إذ يكفي النظر إلى طريقة حياتهم وتصرفاتهم الحياتية، ويكفي استقصاء النماذج العليا التي يستمدون منها معاني وجودهم، حتى نتيقّن من أنهم آخر من يحقّ له التحدّث عن الروحانيات أو الانتساب إلى المثل الأخلاقية العليا.
على العكس من ذلك فإن الالحاد يوفّر هذه الإمكانية ويدعّمها، فعلا، الالحاد في رأي الفيلسوف رينسي لا يقضي على روحانية الانسان وإنما يرفعها ويُهذّبها. يمكننا القول، بشيء من التوسّع في المعنى، إن الالحاد هو “دين” لأن جوهر الدين هو الاهتمام بالحالات القصوى، بالفكر المتوجّه نحوها، والذي نربط به مصائرنا الحياتية العاجلة والمستقبلية.
جوهر دين الالحاد يَكْمن أساسا في ذلك الشغف الكبير والاندفاع الجامح للبحث عن تفسير معقول للكون، ذلك الشغف الذي سماه سبينوزا “الحبّ العقلاني لله “amor dei intellectualis”. الالحاد، بهذا المعنى، وبهذا المعنى فقط، يمكن تسميته “دين”، وهو أعلى وأصفى الأديان كلّها، لأنّ الأديان الوضعية كافة لا تعدو أن تكون صناعة الجهل والقُبح والشرّ والتناقض والأنانية والموت.
الإلحاد هو الدين الوحيد الذي يمحو تماما كل أنانية، وهو الوحيد الذي، لتحقيق هدفه النبيل ليس بحاجة إلى أية أعمال لاأخلاقية، وبالتالي الإلحاد فقط هو الطّهارة والتقوى، الإلحاد فقط هو الديانة الحقيقية العظمى[5]..”

الهوامش:

[1] E. Gilson, L’athéisme difficile, Paris, Vrin, 2014, p. 45.

[2] G. Rensi, Apologia dell’ateismo, (Formiggini, Roma 1926) – La vita felice, Milano 2012, p. 54.

[3] M. Heidegger, „Spiegel-Gespräch mit Martin Heidegger“ (23. September 1966), in Reden und Zeugnisse. Eines Lebensweges, Vittorio Klostermann, Frankfurt am Main 2000, pp. 652-683.

[4] P.-J. Proudhon, Système des contradictions économiques, ou philosophie de la misère, t. I, Paris, Guillaumin, 1846, p. 414

شاهد أيضاً

ميشيلا مارزانو : فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

الدار البيضاء: العلوي رشيد تعود أحداث شريط La catin: العاهِرة (أو الفاسِقة بالمصطلح الديني) إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *