الرئيسية / Non classé / تفكيك ثنائية الجنس/الجندر : اطروحة جوديث بتلر

تفكيك ثنائية الجنس/الجندر : اطروحة جوديث بتلر

يوسف شوقي مجدي – مصر

لم تنشأ حركات التحرر الجنسي الحالية من فراغ بل سبقتها الكثير من العوامل المادية و الفكرية كانت اساسا لها و من المفكرين الذين اسسوا بطريقة  غير مباشرة او مباشرة  لظهور تلك الحركات ، جوديث بتلر.

هي مفكرة امريكية لها نفوذ فكري واسع و من مؤسسي النسوية الما بعد حداثية،

و قد جمعت اطروحات  بتلر الكثير من الاتجاهات الفلسفية واللغوية التي خاضت معها بتلر حوارا  طويلا ساهم في تحديد معالم فكرها، و يمكن تلخيص تلك الاتجاهات في الاتي:

اولا :علم اللسانيات، حقل ال pragmatics، و هو حقل يهتم بالاستخدام العملي للغة، او كيف يستخدمون البشر اللغة في حياتهم اليومية، و توجد نظرية تسمي ال speech-act ، من مفاهيمها او مجال بحثها، هو كيفية تأثير اللغة علي اداء البشر او قدرة الكلمات علي التأثير علي الافعال اليومية  او احداث تغيير واقعي، مثل اعلان الزواج و من ثم اعلان كل ما يتبعه ،عن طريق بضعة كلمات..الخ. (انظر ص.519 من الهامش 1 )
ثانيا : جاك دريدا،(2) و هو من اكثر المفكرين المثيرين للجدل، اهتم كثيرا بالكتابة، و اعتبر ان اي علامة قابلة للقراءة ( بمعني تصنيفها كونها كذلك) يجب ان تتمتع بصفة ال iterability ، او قابلية الاعادة، فاي نص يجب ان يكون قابلا للاستخدام و التداول و اعادة التأويل.. الخ في سياقات تختلف عن السياق الاصلي الذي نشأ فيه، و بذلك تكتسب النصوص او الكلمات عامة ، قدرة علي النفاذ التاريخي و المكاني، اي تكتسب سلطة تؤسس فيما بعد لتثبيت اداء الفرد.
ثالثا : ميشيل فوكو، (الهامش رقم 1 يمتليء باقتباسات لفوكو )هو المعلم الاول بالنسبة لبتلر ، و من خلاله ستكتسب نظرية بتلر مكونها الخطابي ، فالسلطة بالنسبة لفوكو منتشرة او موزعة الي اصغر وحدة و هو الجسد البشري و ربما اعضاءه ايضا، تلك السلطة لا تتحكم في الاجساد فقط و لكنها تشكلها او تصنعها عن طريق القوي الخطابية discursive power، فالخطاب هو خطاب تنظيمي ، يمثل الافكار و انماط الاداء و التأويلات الجديدة و اللغة الجديدة (او نمط المعرفة السائد فى ذلك العصر) ، كل ذلك يشترك في تشكيل الجسد، و لجلب امثلة واقعية سنذكر تلك الصور التي نراها علي مواقع التواصل، و تتميز بصورتين، الاولي تمثل الشخص و هو سمين و الثانية بعد ان خسر الكثير من الوزن، فذلك الخضوع و التفاني الديني في تحقيق الوزن المثالي، هو نتاج للقوي الخطابية.
و نستنتج مما سبق، ان نفس تلك القوي هي التي تشكل الاداء و من ثم الهوية الجندرية
رابعا : النظريات السوسيولوجية التي اهتمت بالجندر و الجنس، و قامت بتلر باقامة حوار تفكيكي مع تلك النظريات لتؤكد اطروحاتها و سنتعرف علي تلك النظريات فيما بعد.
خامسا : في  النهاية يجب الا ننكر الاصل الفينومينولوجي لدي باتلر، الاكثر تمثلا عند ميرلوبونتي، الذي قال ان الجسد فكرة تاريخية و ليست طبيعية.

و الان نستعرض  في عجالة افكار بتلر التي تتلخص في كون الجندر gender عبارة عن اداء، و وراء ذلك الاداء لا توجد اي هوية جندرية ثابتة او طبيعية، و يتم اكتساب الهوية و تعميقها من خلال الخطابات العامة و الخاصة، و التقليد او المحاكاة imitation، و التكرار ، المحاكاة لمن يقعون في نفس الفئة الجندرية و يجب ان نشدد هنا علي نقطة عدم وجود اي شيء وراء الاداء، فالاداء لا تحكمه اي عوامل بيولوجية او نفسية ، و هنا يجب ان نفرق بين التعبير و الاداء (1) بالنسبة للجندر، الاول يضع الجندر في مركز اولي تنبع منه عدة تعبيرات اخري او تترتب عليه اشياء كثيرة (اى ان الجندر يعبر عن شىء اكثر صلابة و ثباتا)، اما الثاني فيجعل من الجندر  اداءا، اذا انخرط(الانخراط الدائم) المرء في ذلك الاداء اكتسب تلك الهوية الجندرية، و يتضح الفرق اكثر(3) في وصف الجندر كونه performed او performative ، في التعبير الاول نري ان الجندر و كأنه تمثيل او اداء درامي، يقوم به الفرد صاحب الذات الاصلية او الاساسية، و من اتباع تلك النظرة هو هنري جوفمان، مؤسس المماثلة الدرامية في تقليد التفاعل الرمزي، يري جوفمان (4) ان المؤدي (او الممثل) لديه مجالان يتحرك خلالهما، و هما خشبة المسرح و الكواليس، و في المجال الاخير، تصبح الحاجة الي ضبط  الاداء اقل حدة من المجال الاول، و مشكلة بتلر ان ذلك التوجه، يفترض وجود شيء داخلي عند الانسان، سواء كان الانا او الذات..الخ، حتي لو كان ذلك الشيء ليس له جنس محدد not sexed ، فتقول بتلر ان كل شيء و ذلك يتضمن الجندر، ينشأ في الخارج، و ذلك الخارج هو الذي يشكل او يعطي الانطباع بوجود الداخل من الاساس  و نلاحظ هنا تأثرها بفلسفة موت الذات عند فوكو.

اما التعبير الثاني، performative ، نستشف منه ان الجندر عبارة عن اداء و ليس شيئا يتم التعبير عنه عن طريق الاداء، فلا توجد نقطة مرجعية.

ما سبق يمكن ان نعتبره النقطة الهامة الاولي في اطروحة باتلر، النقطة الثانية هي اعتراضها الراديكالي علي التفريق بين الجنس و الجندر، ففي مختلف دوائر العلوم الانسانية، جرت العادة علي اعتبار الجنس مُحدَد بيولوجيا و الجندر محدد ثقافيا.

و تستمر تلك الثنائية في العمل حتي الان، و اول من وجه اليها النقد هو فوكو، عندما قال ان الجنسانية (موقع الجنس في الادراك و الثقافة) هي السبب الرئيسي في الاهتمام الطبى و النفسى بالجنس، اى اننا لا يجب افتراض ان الجنس هو الواقع و الجنسانية وهم ، بل العكس ، فالجنس يرتبط بالجنسانية و له موقعه فى التاريخ (7)، و تستكمل بتلر(5)  ذلك النقد بتفكيك المفاهيم اللغوية حول الجنس كونه شيء ثنائي القطبين، هل الثنائية اللغوية ـ ذكر/ انثي – هي ايضا طبيعية؟! ، ام انها مجرد تعبير لغوي عن اختلاف مورفولوجي غير هام، من  يشددون علي وجود الجنس و حضوره البيولوجي لا يفهمون كيف وصلت تلك المفاهيم الي ادراكنا، اي انهم ينكرون تاريخيتها (خضوعها للتاريخ و التغيير).

الامر الثالث يترتب علي الثاني، ففي النصف الثاني من القرن ال20 و حتي الان، ظهرت بعض التوجهات السوسيولوجية مثل ال  ethnomethodology ، يدرس ذلك التوجه الطرق و المناهج الواقعة تحت الملاحظة المباشرة و التي يستخدمها البشر في حياتهم بشكل دائم، و الحجة الاساسية عند هؤلاء ان تلك الطرق او ال methods ، ليست نتاج ثقافة معينة او ليست نتاج ثانوي، فهم يهتمون بالطرق و ليس بالمحتوي الفكري- الثقافي الذى يحكم تلك الطرق، فمثلا في دراستهم  للمحادثات اليومية، لا يهتمون بمحتوي المحادثة و لكن بالطرق و الإيماءات و ترتيب الكلمات الذي تحتوي عليه المحادثة، فهم يعتقدون ان تلك الاشياء هي التي تقود المحادثة و بالتالي هي الموضوع الاجتماعي الوحيد الذي يستحق الدراسة.

و من اشهر الدراسات الاثنوميثودولوجية التي تعلقت بالجندر، دراسة زيمرمان، doing gender ، و التي احتوت (6)  علي  نموذج ينقسم الي ثلاثة اجزاء، الاول هو الجنس ، الثاني هو الفئة الجنسية، الثالث هو الجندر، الجنس هو شىء محدد بيولوجيا و بناءا علي  جنس المرء، يتم ضمه تحت فئة جنسية محددة، تلك الفئة لها لوازم و توابع اجتماعية و ثقافية و مؤسساتية و تفاعلية  تؤهل الفرد في النهاية لاكتساب الجندر، و تلك الرؤية تحمل في طياتها نفس الثنائية السالف ذكرها، و بالاضافة الي ذلك لا تحتوي تلك الرؤية علي امكانية تحررية، فالجندر و الاداء المرتبط به محدد و منضبط بعدة ضوابط  ثقافية و مؤسساتية، بالاضافة الي كون الجنس مبررا اوليا لتصنيف الافراد في فئات جنسية.

و لكن  رؤية بتلر هي رؤية راديكالية تؤكد ان الجندر لا يتعلق بشيء و ذلك ادي الى احتواء اطروحاتها علي امكانية تحررية كبيرة للغاية، و صعود مفاهيم مثل الجندرية السائلة، نتيجة عدم ارتكاز الجندر علي اي شيء داخلي، و ما يتبقي هو  معارضة و تفكيك للنظريات القديمة و الخطاب السائد و البني السلطوية..الخ التي تعيق التحرر.

الهوامش :

1-Performative Acts and Gender Constitution: An Essay in  Phenomenology and Feminist Theory, Judith Butler  Theatre Journal, Vol.40, No. 4. (Dec., 1988) pp. 519-531.

  1. Ritzer,george, the sociological theory, 8th ed. P.487.

3.Judith butler, you behaviour creates your gender, bigthink, 2011, youtube.

4.Goffman,Erving, the presentation of the self in everyday life, 1956, Edinburgh University, monograph no.2 , p.66

5.Butler, judith, Gender trouble : feminism and the subversion of identity  1999 , routledge p.10,11

6.Doing Gender,Candace West; Don H. Zimmerman
Gender and Society, Vol. 1, No. 2. (Jun., 1987), pp. 125-151.

7.ميشيل فوكو،المعرفة و السلطة، تأليف :عبد العزيز العيادى، المؤسسة الجامعية للدراسات،ص.91-93.

 

 

 

 

شاهد أيضاً

ميشيلا مارزانو : فلسفة الجسد كمدخل لفهم الوضع البشري

الدار البيضاء: العلوي رشيد تعود أحداث شريط La catin: العاهِرة (أو الفاسِقة بالمصطلح الديني) إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *