الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

سامي عبد العال

 كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر

مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية للأحداث الإرهابية( تفجيرات 11 سبتمبر2001 )، لا تذهب آثارُها طيَّ النسيان. لكنها تظل باقية كأصداء ورواسب تسهم – فكرياً وثقافياً – في تأويل الأفعال والتداعيات السياسية على نطاق عام[1]. وربما تحددُ المواقف ودرجات الفعل ورد الفعل( أي ملاحقة الفاعلين وتصنيف الدول والمجتمعات كما مارست أمريكا فيما بعد). فالقتل بشبحه اللاهوتي يقف ضد التلاشي دون معنى، أي أنَّ له كماً لا ينضب من الإلحاح والانكشاف[2]. والذكرى أيضاً لا تنتهي كشيء يتحلل بفعل الواقع إنما قد تتجاوز الوقت. وبالطبع نتوقع أنَّ تدخل طوراً من الاحتفاء المتواتر وعليه ستأخذ في العادة شكلَّ الطقس ومواصفاته.

كلُّ احتفاءٍ بأحدثٍ كبرى لا يخلُّو ضمنياً من شعائر بعينها، لعلَّه يمثلُّ مجالاً لهذا البعد الذي لا يُمحى على صعيد الذاكرة. هناك مثلاً الكلمة التي يدلي بها الرئيس الأمريكي( من جورج بوش الابن إلى أوباما وترامب حتى الآن ) كل عام لإحياء ذكرى11سبتمبر وهناك التغطية الإعلامية إذ تفسح الوقت لفائض التعليقات والشروح باختلاف أشكالها. وكلمة الرئيس تنفض الغبار عن طبيعة الأحداث ولا يفوتها التركيز على قدرات الدولة الأمريكية والتعهد بحمايتها ضد شرور الإرهاب. ولأنها مباركة من قبل الرب إلى أبد التاريخ. فهي دولة تحمل رايته الخالدة لمحاربة الشر في أنحاء العالم[3]!!

وهذا يعني أنَّ ثمة إشكالاً على النحو التالي: ما مصدر القداسة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبأي وجه تتحول إلى صور أخرى؟ هل تأتي من الفاعل أم من المفعول به، أيهما الفاعل على الحقيقة؟ كيف يمتلك المقدس رواسب على صعيد الذاكرة حتى يطل برأسه من حين لآخر؟ لماذا تأخذ بعض الأحداث مكانةً متعاليةٍ بينما تُنسى سواها بسهولة؟ هل القداسة لدى منفذي التفجيرات فيما يحملونه من كراهية ونصوص جهادية؟ هل كانت الأفكار مغلَّفة بمهابة القتل الميتافيزيقي حتى نُفذَّت بدم بارد؟ هل كانت الصور المبثوثة مباشرة تحت بصر العالم كله قد أحدثت إدهاشاً كونياً عصياً على الاحتواء؟

ربما تمس الأسئلة شيئاً غير واضح، لأنَّ مسكوتاً عنه في تلك القضية أضخم مما قيل إلى الآن. ولا أقصد هنا البحث عن الفاعل ولا حول التحقيقات التي جرت لاحقاً. لكن حيث تتوافر عناصر التقديس المزدوج double Sanctification في سقوط برجي التجارة العالمية، يمكن تقديم قراءة فلسفية مغايرة لتلك الأحداث. فالإرهابيون المنفذون مشبعون بخمائر المقدس حتى الثمالة وإلاَّ ما كانوا إرهابيين، والدولة التي جرت الأحداث على أرضها كانت تضع نفسها بمكانة عسكرية ميتافيزيقية لا يشق لها غبار، وكذا تندرج رمزية البرجين اللذين يلخصان سلطة الرأسمالية وتضخمها العولمي. كما أنَّ مهابة الموت ترقى إلى درجة طقس يجعل الضحايا قرابين على مذبح افتراضي باسم الإله. وهناك بالتالي مضمون لانتظار النتائج الصامتة على نطاق دولي هو حجم العالم.

بينما قداسة الإنسان هي الغائب – الحاضر عبر انتشار الفوضى ومظاهر الخوف والهلع والبكاء من هؤلاء الناس المجاورين لبرجي التجارة ومن أقارب الضحايا وإلقاء  بعض الضحايا لأنفسهم من أعلى المبنيين هربا من النيران. مما يستدعي استفهاماً آخر: لماذا يجر الإرهاب الديني القداسة إلى المكان الخطأ ؟ هل ذلك نتيجة ممارسة العنف القاتل حين يعبر عن نفسه مزوداً بالكراهية وأدواتها المتاحة أم أن الإرهاب لا نستطيع التخلص منه عقب ردود الأفعال؟

على أثر ذلك، هناك التكرار الذي لا تملُّه وسائل الإعلام في التغطية وإعادة الأخبار إلى ذروتها الأولى عندما تحل ذكرى الأحداث السابقة. والمعروف أن تكراراً للقضايا يضع موضوعاته في درجتها القصوى من التخييل. أي يعطيها إيهاماً أبعد من محيطها جاعلاً مستواها التداولي أكثر انتشاراً. ونحن ندرك أن جوهر الديانات هو التكرار حتى يجيء كطقوس خاصة بمعناها ورسوخها لدى المؤمنين. والتكرار ليس آلية بالنسبة للدين فقط، لكنه هو نسيج الإيمان ذاته[4]. فمن لا يعتقد بتكرار الشعائر والطقوس والعبادات والمناسبات الدينية، فقد خرج عن الاعتقاد السائد وأصبح خطراً على الدين.

والإرهابيون كانوا يقصدون تنفيذ أحداثاً تدميرية لا تتكرر، أحداث على مسرح العالم اقتصادياً وسياسياً. ومن هنا لم تؤلم التفجيرات أناساً قدر ما آلمت الآلة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية. تحديداً: شعرت بالإهانة، نظراً لأنَّ الضربات الإرهابية وقعت في عقر ديارها. والإرهاب هنا يدرك كم القداسة التي تنطوي عليها مكانة تلك القوة سواء بالنسبة للأدوار التي تؤديها على خريطة العالم أم بالنسبة لكون أمريكا اللاعب الرئيس وراء الأحداث السياسية في مناطق النزاع والصراع أم باعتبارها مركزاً للقوى الناعمة التي تخترق الوعي الخاص بالشعوب ومجالات الثقافة.

كل هذا كان يضعه الإرهابيون نصب أعينهم وهم يخططون لأحداث سبتمبر، لذلك حرصوا على أن تأتي الأحداث على غير مثال. إن الصورة المتخيلة كانت أكبر من أي واقع بما يوازي حجم شيئين مهمين أولاً: حجم القوة الرمزية التي تصدر عن أمريكا وآثارها السياسية غير المتوقعة. ثانياً: حجم الكراهية التي تعتبر أمريكا موضوعاً ينبغي تجاوزه وانتهاك وجوده.

ولذلك كان الإرهاب يستهدف النيل من الصورة الكلية لأمريكا. فهي في لحظة ضرب البرجين ليست شخصاً ولا جماعة ولا تنظيماً جزئياً. أمريكا بالنسبة إلي الإرهاب خطاب وثقافة ونظام رمزي ينتمي إلى الغرب قاطبة. وهي مجمل القداسة المضادة Holiness  anti- لحضارة يراها الإرهابيون بعيون قاحلة لا تبقي ولا تذر. وكان المعنى أن المساس التاريخي بهذا الكيان سيكون آية للعالمين على طريقة القرآن. وبالتأكيد فإن هذا التدمير كان لاهوتياً دون رجعة. فأقوام عاد وثمود وأقوام تُبع كانوا سردية تاريخية انتهت بأثر الموت الذي وضع بصمات العذاب والتنكيل والفناء الفاجع. وليس الموت في هذه الحالة مجرد حادثة وجودية مرت مرور الكرام، لكنها- كما ورد بالقرآن- لم تمر دون أن تشكل آية بالمعنى المقدس. أي هناك بصمات إلهية بجريرة الأفعال والعقاب الميتافيزيقي الذي يثير الاندهاش والذي يصعب تفسيره.

إن الإرهاب الديني المعاصر يتميز بتلك السمة منذ أنْ أصبح ظاهرة عالمية. فهو لم يكن ليتسلل إلى هذه الفضاءات أو تلك من العالم، من حضارة اليوم، سوى عن طريق إسماعنا أصوات مخيفة واطلاعنا على مشاهد التفجيرات المدوية. ولكنها ليست مدوية بقدرات خاصة بل بقدرات الحضارة التي لا ينتمون إليها إلاَّ كأدوات عنف, أي يأخذون مكانة الموت في مهابته الميتافيزيقية من جوانب مادية متطورة. وهذا ناتج عن أن الإرهاب يرى في الحضارة المعاصرة برموزها وتطوراتها وأفكارها جسداً لكيان مادي (كبرجي التجارة العالميين ) كي ينال منه، ويجعل هذا الكيان موضوعاً للتدمير المتعالي. وهذا ما يمكن تسميته حداثة الموت، فكل حداثة تموت بطريقتها المتقدمة مثلما أوجدت وخلقت نمط الحياة المتقدمة.

الإرهابي لا يفهم ما معنى الرموز( مفهوم الجليل بلغة كانط ) إلاَّ في صورة مادية، ولذلك يركز على التفجير كحادثةٍ مذهلة تنتج المعاني، إي يصطاد بعض المعاني بفعل حسي رغم انطواؤها على دلالة لاهوتية. وهذا ينعكس على فهمهم المشوَّه للدين إجمالاً، الذي يزعمون كونهم يحاربون لأجله وابتغاء مرضاة الإله. كما أن الحرب باسم المقدس لن تكون على مستواه أبداً بل هي نوع من فيروسات التدمير للحياة وصولاً إليه. فطالما أن الإرهابيين لا يعرفون كيف يكونوا على مستوى القداسة، لأنهم كائنات طائشة ولا إنسانية، فإن العنف سيحتاج دوماً إلى وثنية جديدة ولو كانت هي الموضوع المستهدف قتله والتخلص منه.

فالعلاقة بين أمريكا والإرهاب علاقة مركبة ومعقدة[5]. ففي الوقت الذي يعتبروها الإرهابيون الشيطان الأكبر فهم يعطونها قداسة خاصة بواسطة نقل الدولة الأمريكية من إقليم جيو سياسي إلى رمزية لاهوتية فوق مستوى الوصف. وحين يعتبرونها نموذجاً للقوة الدولية التي يجب النيل منها بأي مكان، فإنَّهم يفرزون أفكاراً حول  نوعية معتقداتهم السياسية. وهذا ما أوصلهم إلى كون التقديس انتحاراً في شكل كارثة غير مبررة بل مستحبَّة بوصفها جهاداً وشهادة تُدخل الجنة مباشرة. وأنَّ الموت لم يكن إلاَّ بمثابة الحل الوحيد، الاختيار الضروري الذي لا فكاك منه تجاه هذه المعتقدات.

والعلاقة من جهة تالية مثل علاقة ” الأبوة والبنوة “[6]، لأن الجانب التمثيلي فيها أعمق من علاقة الصراع بين أطراف متناقضة. بمعنى أن أوديباً الأسطوري كامن فيها حيث يقتل أباه ويتزوج أمه( أي: قتل أمريكا وأخذ قوتها، أخذ لعنتها). فالإرهاب ابن شروط دينية تاريخية كانت الحاضنة الإسلامية هي التي أنتجته، وهذا لا يعفي العولمة والقوى الفاعلة فيها من السهر عليه ورعايته. نظراً لأن المصالح واحدة والقدرة على القتل واحدة والإزاحة باسم المقدس تقف وراءها الرغبة الجامحة في الهيمنة والتدمير.

إنَّ أيديولوجيا الرأسمالية في المجتمعات الغربية هي البديل الاقتصادي التداولي للقداسة الدينية، ولذلك يتفق اقتصاد السوق تماماً مع اقتصاد مظاهر الدين. بل أكثر من هذا، أنَّ الأسواق متشابهة إلى حد التطابق في كلا المجالين، وأن الصراع الخفي بينهما لا يمنع الأرباح المشتركة نفسها( خدمة القط والفأر لبعضهما البعض). ولهذا فالإرهاب الديني مهم للأسواق الرأسمالية بقدر ما أن الرأسمالية هي الإدمان بالنسبة للإرهاب.  من هنا كانت النتيجة الطريفة أن أحداث سبتمبر هي الرابطة المعلنة بين الاثنين.

لذلك لم تكن مصادفة أن ينتقي الإرهابيون البرجين كهدف اقتصادي. وكأنهم يسددون ثأرهم من جنس العمل بالنسبة للرأسمالية. لأنها هي ما تمول القوة الأمريكية العابرة للسيادة الدولية وهي التي تغذي سلطة الدين. فكان لا بد من تصادم بين طرفين حميمين، فالمقدس لا يثأر من نفسه لكنه يجعل الضحاياً هم الوقود الفعلي لتداعياته وصراعه الداخلي. لأنَّ منطق حركته هو منطق الإزاحة، أي اعتبار الآخرين هم اللذين يجب تحمل تبعاته.

والإزاحةdisplacement  مختلفة عن منطق الجدل الهيجلي[7]. فالأخير يكشف الشيء ونقيضه ثم المركب منهما، بينما يحتاج المقدس إلى النقائض على صعيد الحروب واستهلاك طاقات الاغيار. لذلك يفترض الإرهاب وكل قوة تصل إلى مرحلة التقديس( أمريكا ) إلى أغيار حتى تلتئم وتؤكد وجودها.

بجانب ذلك طالما أن الإرهاب ينفث روح المقدس في المشاهد والصور، فإن أمريكا تأتي في الموعد، لأن المقدس يصَّعِد الطرف الآخر إلى مرتبته، يستنفر ما بداخله في شكل متعال. فأمريكا أعلنت عقب الأحداث حرباً لا هوادة فيها على الإرهاب،  وأخذت تستعمل أدواته وأفعاله الرمزية لصالح أهدافها. وظهر لاهوت محاربة الإرهاب كاستراتيجية موازية وإن كانت لا تختلف جذرياً. فهناك ما ترتب عليها من خطابات مبطنة بالشحن الأيديولوجي والعمليات الجيو سياسية وقيام الأحلاف والتصنيفات اللاهوتية ( محور الخير ومحور الشر). وهذا يثبت أنه لا ينبغي التعامل مع المقدس أيا كان على مستواه أو كندٍ له، فإذا لم ينجح أتباعه في النيل من الضحايا أو لو نجحوا فإن الممارسة المقلوبة له( بتقديس القوة العسكرية ) سيعطيه مبرراً للاستمرار.

كما أنَّ إظهار الصور المتواترة  للأحداث كتأبين شعائري لن يزيد أشباح المقدس إلاَّ حضوراً. لأن الدلالة تستحث الإرهابيين على معاودة الكرة ثانيةً. ولأن التفجيرات مستحيلة بهذا السيناريو والدقة والتداعيات كانت الأحداث شبه أسطورية. ولكن ها هي قد وقعت بالفعل. إذن علينا أنْ ندع دوماً باب المفاجئات مفتوحاً، وأغرب المفاجئات أنْ تلاحق أمريكا الإرهابيين تحت عنوانين. الأول منهما: هو دول الأنظمة الإرهابية أو التي تمثل خطراً شيطانياً( العراق، إيران، كوريا الشمالية ) على دولة الرب. والثاني منهما: أن يتم النزال على أرض مملوءة بالحفريات الدينية، تلك المنتمية إجمالاً إلى الديانات الإبراهيمية( أرض العرب). وأن يكون النزال أيضاً بنفس الزخم للمقدس أثناء سقوط البرجين.

إنَّ فكرتي الثواب العقاب كما توجد في اللاهوت طفرت مرة ثانية. فمن يعتدي على برجي الرب عليه أن يتحمل العقاب الأليم من قبل دولته ما بعد الحداثية. حتى إن ذهب إلى جبال تورا بورا بأفغانستان وإن اختفي في غياهب الوديان والأنفاق بالسودان وليبيا. كان على الرب البحث عنه بين أوراق المخابرات ومن خلال الشبكات العنكبوتية وصولاً إلى أدق التفاصيل وعبر الأقمار الصناعية التي ترصد وتراقب حتى ظفرت أمريكا – في عهد باراك أوباما- بجثة أسامة بن لادن ودفنته بواسطة لغز غير قابل للحل، ألقته في مقبرة من المياه هي البحر.

والإشارة الحفرية وراء برجي التجارة كون البرج دينياً ذاكرة في نصوص العهد القديم. حين بلبل الرب لسان شعبه بهدم برج بابل. وهو المركزية الرمزية التي كانت تحضر إزاء أي ترحال ديني بتلك المنطقة الشرق أوسطية. ولا يفوتنا كون علاقة الأرض بالسماء علاقة حاضرة وذات بعد اثروبولوجي بين الشعب وربه.

يقول العهد القديم: ” وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبناً ونشويه شيَّاً. فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين، وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أنْ يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعي اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض. ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض”[8].

ومن عجب المصادفات: رغم أن هذه الآيات في زمن تصورات الإله اليهودي الأول، إلاَّ أنَّ الإرهابيين أخذوا استعادتها ككائنات متدينة في إطار الثقافة الإبراهيمية. كأنهم يسيرون دينياً إلى الخلف لاستعادة الحادثة الغارقة في مسيرة المقدسات على الأرض. التدمير الحاصل للبرجين كان رمزية أوسع تاريخياً مما اعتقد هؤلاء، وبات يستدعي مخزونات اللاوعي التاريخي إلى حد الانفجار.

  • التعامل مع المقدس لا يأتي تجزيئاً إنما تكراراً حتى لو كان ينتمي إلى جهاز عقائدي وإيماني مختلف( إسلامي × يهودي ). أي قد تجد المتطرفين يمارسون عنفهم وأفكارهم معتقدين كونهم في منعة من أيديولوجيات دينية أخرى هم يرفضونها( اليهودية)، بيد أنهم يكررون ما سبق وأن وُجد في تاريخ هذه الأيديولوجيات.
  • المقدس لا يكف عن العودة دون توقف، ولا يأتي من أقرب الصيغ لكنه يتسلل من أبعدها عن الإدراك وإن كانت مضادة له كما أوضحت. فأمريكا ليست بمنأى عن تقمص دوره أو أن يتلبسها الإرهاب في حالة توافر بيئة ملائمة لنموه بصور أخرى. وقد أفاض نعوم تشومسكي بهذه النقطة بشكل تفصيلي منتقداً دور الولايات المتحدة في صناعة الإرهاب ورعايته ثم محاربته.
  • هناك مماثلة بين وظيفة البرجين بالنسبة للشعب الأمريكي وبرج بابل بالنسبة للشعوب القديمة. البرجان الأولان يحددان قوة الهيمنة السياسية والحربية والاقتصادية كما نوهت ويراهما الإرهابيون عصا استعمارية يجب كسرها. بينما برج بابل – فيما ورد لدى المؤرخ يوسيفوس- أنه رمز الكفر والضلال، حيث بناه النمرود ليطلع على أحوال السماء وليثبت زعمه الألوهية في الأرض[9].
  • التعامل مع عنف المقدس بنفس وسائله يجلب اللعنة، فالرب حين أراد بلبلة لسان شعبه، ترك لديهم فوضى لا حدود لها. لأن البرج كان مركزية للوعي الجمعي بشكل ما. والشيء نفسه حدث بالنسبة للإرهابيين حين أرادوا أحداث الفوضى في الدوائر السياسية والاقتصادية بتفجير برجي التجارة العالمية. ثم أكملت أمريكا أعمال الفوضى بشن حروب داخل منطقة الشرق الأوسط، حرب العراق وحرب أفغانستان واغتيال وملاحقة الإرهابيين في جميع الدول.
  • البلبلة لم تشمل وجود التنظيمات الإرهابية التي تنفرط كحبات العقد يومياً فقط، لكن هناك إشارة إلى اللغة والخطاب. وفي هذا الإطار إزاء أحداث سبتمبر ظهرت كتابات ومقالات ونصوص من جميع الأطراف: من الجماعات الإسلامية وأقطابها ومن الإعلام الغربي بمجمل شرائحه ووسائطه. وتبادلت الاتجاهات التكفير والنقد حتى الرمق الأخير.
  • جاءت داعش كانحراف طبيعي للعنف الديني الذي مر بأحداث سبتمبر واستند إلى نصوص جهادية موروثة. هي لم تكن إلاَّ ” طفرة جينية ” في أجيال الإرهاب باسم الإله، وهي الصدى الأكثر دموية نتيجة الفوضى لإعادة المقدس إلى مكانته. أي بدلاً من تحطيم البرجين للنيل من أمريكا، أرادوا بناء برج من جماجم البشر للصعود إلى السماء، واعتبروا أنَّ برك الدماء الساخنة ستحمل شراعهم إلى الحور العين.

هوامش:

[1]– كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فضاء عولمياً للتأويل. لقد كانت تأويلات متواصلة من أول لحظاتها. فليس الفاعلون أُناساً عاديين، إنهم أدوات بشرية قاتلة لفتاوى ونصوص وتصورات مسبقة بين الشرق والغرب. كما أن الأحداث منذ بثها لم تكن سوى وسيط عبر وسيط تقني هي وسائل الإعلام وشاشات العرض والفقرات الإخبارية. ولا يمكن في هذا الإطار فهم المسألة دون استدعاء التراكم الرمزي لنصوص الجهاد وترسانة الجماعات الإرهابية من المؤلفات والشخصيات والعلاقات المعلنة وغير المعلنة. إنَّ تنظيماً كالقاعدة لم يكن مجرد تنظيم إنما تأويل دموي إلى حد اللعنة وبإمكانه أن ينفجر في وجه أية حياة.

[2]– القتل ليس حادثة عادية، ليس موتاً من أقصر الطرق كما يعتقد البعض، لكنه تأجيل لإنهاء حياة إنسان في شكل ذكرى قادرة على العودة. وكأنَّ كل قتل إن تكن علته في ذاته، فإنه يختزل ثأراً له طابع الإلحاح. ذلك أن القاتل ( الأنا ) يقتل نفسه في عين الوقت الذي يقتل الآخر( على طريقة الآية: ومن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً ). وإذا كان الأمر كذلك، فإن القتل المقدس يضيف عامل التعالي الذي يعصف بالإنسان ويعتبره مادة لا قيمة لها تحقيقاً لكليته. من ثم فكل قتل جهادي من هذا الصنف إنما هو علامة محفورة في أديم الأرض وفي ذاكرة الإنسانية. وبقدر ما تكون مبرراته عميقة الجذور بالمعتقدات، يأتي الأثر بعيداً.

[3]– منذ الوهلة الأولى أدرجت الولايات الأمريكية نفسها في صلب اللاهوت ودلالاته، أي أنتجت لنفسها عن طريق ” قداسة دنيوية ” إنْ جاز التعبير وضعاً خاصاً. وهو مركزية غير قابل للنقاش على الأقل بالنسبة لنفوذها السياسي والعسكري هنا أو هناك. ونحن ندرك أن أقصر مسافة بين الدين والسياسة يمكن قطعها عن طريق السلطة المطلقة. فلئن كانت تلك السلطة سارية المفعول ضمن الجانب السياسي، فإنَّ الأفعال المترتبة عليها تصبح لاهوتاً سياسياً. وهذا يظهر بوضوح لدى الدول الشمولية وفي حالة الأنظمة الديكتاتورية التي حلت بالعالم العربي ردحاً طويلاً حتى فرَّخت صوراً متوالية منها رغم تغير الظروف والأحوال.

[4]– التكرار في الدين هو الممارسة الشاملة التي تطرح نفسها باستمرار. وهناك لدى الجماعات الدينية ما يدعم التكرار مثل لاهوت التنظيم وإتباع الخلف للسلف ووجود الرموز وقيادات الجماعة والفتاوى المتواترة. إن التكرار يعني وجود الأصل القابل للنقل والذي يجد حفاظاً عليه ضد حركة التاريخ. أي لا ينبغي – من وجهة نظر أصحاب الدين- أن يخضع لقوانين التطور المادي. ولا يجب أنْ يتطور ابتداء لأنَّ التطور في عرف الإسلاميين مواز للنقص والقصور. وطوال تاريخ المجتمعات الإسلامية لم يكن وارداً مس الأصول والنصوص المؤسسة من قريب أو بعيد.

[5]– الإسلاميون يكرهون الولايات المتحدة ويحبونها بالوقت نفسه ( الحب والكراهية معاً ). والكراهية ليست لأسباب منطقية سوى التكفير والإقصاء وكذلك لأسباب أخلاقية باعتبارها حضارة فاسدة تحض على الرذيلة وتنشر المجون والفسوق. وهي أسباب سطحية تدل على خفة المعتقدات المتشددة وسذاجتها. أما الحب فلأن أمريكا نموذج في الحياة المعاصرة غير القابلة للاستنفاد بسهولة كما أن قدراتها التنموية والسياسية غير محدودة ( حب النقيض ).

[6]– هناك محاكاة غريبة بين الآلة السياسية العسكرية لأمريكا والأجهزة الجهادية للإسلاميين باختلاف مسمياتها، لدرجة القول إن أحدهما يختار الآخر عن روية وكثب. فالإرهاب ينشأ نتيجة الهوس بالايديولوجيا الدينية المغلقة وأمريكا مهووسة بكيانها الأيديولوجي التوسعي القائم على القوة الخشنة solid powers والقوة الناعمة soft powers جنباً إلى جنب. ولنلاحظ أنهما مثل المضاد البيولوجي لأحدهما الأخر. ما إنْ يوجد الواحد منهما إلاَّ ويوجد الآخر تلقائياً، فكلاهما يتغذى على الآخر ويفسح الخيال الدموي للإرهاب ويفسح الخيال التقني الحربي للدولة الأمريكية.

[7]– الإزاحة نوع من طفر المفاهيم والأفكار عبر اللغة، أي أن الإزاحة منطق بنية وعلاقات لا تخضع لمقاييس عادية. وهي دلالة أبرزتها القراءة الفلسفية المعاصرة لفكرة النص والخطاب كما قدمها رولان بارت.

Roland Barthes, “From Work to Text.” The Norton Anthology of Theory and Criticism. Eds. Leitch et all. New York: W. W. Norton & Company, 2010.PP 1326-1331.

[8]– الكتاب المقدس، العهد القديم ( سفر التكوين، الاصحاح الحادي عشر 1– 9 ) طبعة دار الكتاب المقدس 1976، ص17.

[9]– راجع مقال: ” لماذا هدم الرب برج بابل ولماذا بلبل ألسنتهم ” على الرابط التالي: https://drghaly.com/articles/display/12692

اقرأ أيضا لسامي عبد العالي:

 صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر هناك سمةٌ مشتركةٌ في خطابات الإسلاميين المتطرفين: كونَّها كلاماً ينحدر بأهدافها من أعلى إلى أسفل حيث ضجيج التفاصيل، وحيث إيراد المبررات الواهية فيما ينحدر إليه تداول الخطاب من أهدافٍ. ذلك بسرعة خاطفةٍ تُجاري سرعةَ الضوء بلا إنذار، كما أن تعقد الواقعٍ …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

الاغتراب التصوفي والثقافي الجزء 2

علي محمد اليوسف يصف كولن ولسون بأن الصوفية البوذية تصّوف تدميري للذات و الجسد ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *