الرئيسية / منتخبات / عامة / المركزية المعكوسة أو احتقار الذات المبدعة

المركزية المعكوسة أو احتقار الذات المبدعة

 

عمر بن اعمارة

 

لا أدري إن كان وصف المريد هو الكلمة الأكثر ملاءمة لحالاتنا الفكرية ؟ وهل يمكننا الحديث على أن الأمر ظاهرة ثقافية تشكلت مع الفعل والتأثير الاستعماري أم مجرد حدث مؤقت وعابر؟ لا أخص بالحديث هنا ما يسمى في المعتاد بالعامة أو الجمهور، بل أعني أساسا شريحة: الطلاب الجامعيين والمثقفين والكتاب أي كل الذين ينتمون بشكل أو بآخر إلى جماعة القراء والذين يفكون أو يؤولون الرموز والحروف والنصوص ويحملون القلم لتوقيع نصا أو مقالا ما.

أقول أن ثمة شيئا وفي أغلب الأحيان، الكثير من “الموريدية ” تسكننا جميعا وتسري في عقولنا أو على الأقل تخترقنا وتعبرنا ويظهر آثاراها في بعض تصرفاتنا وأعمالنا الفكرية. هل هي من آثار الدين والتدين فينا ؟ هل هي أشكالا من الكسل تستوطن عقولنا ؟ هل هي من بقايا تأثير الاستعمار؟ أو من قوة وفعل العادة السيئة فينا ؟ هل ضرب من إعلان الولاء لمذهب أو لطائفة فكرية ما ؟

قد يكتب الأحد منا نصا فكريا فلسفيا أو أدبيا أو علميا، لا يقل قيمة وأهمية وطراوة عن نصوص أحد الفلاسفة أو الأدباء أو العلماء أو الفنانين المتربعين على أعلى هرم الفكر والإبداع على المستوى الأممي، لكن لا يثير انتباه أحد منا، ولا فرد منا يتوقف عنده أو حتى يلتفت إليه. فقد يضاهي نص أحد منا من حيث الرومانسية، نصوص فولتير أو من حيث العبث نصوص كافكا أو من حيث المنطق نصوص فيتغنشتاين أو من حيث الواقعية نصوص إميل زولا أو من حيث الغموض والتعقيد نصوص هيدغر أو من حيث البناء النظري نصوص هيغل أو من حيث التجريد لوحات بيكاسو. لكن لا أحد منا يتناول المقال بالكثير من الاستعداد والعدة والجدية والتحرز والحضور، بل في صدفة ما، إذا تعثر وتوقف الواحد منا عند مقال ما أو مر مرور الكرام على نص ما، ربما لا يعمل إلا على البحث عن الثغرات والهفوات ومناطق الضعف والخلل في هذه النصوص والحكم عليها بالعقم في الإبداع وبالتالي الإقصاء واستعجال الإلقاء بها في سلة المهملات. لكن إن أضاف هذا الواحد منا إلى نصه، ولو من باب المزحة أو حتى اللامسؤولية أو القرصنة والتحايل المعرفي، ما يفيد بأن النص الذي انتجه ليس من عمله هو، بل هو نص مفقود عثر عليه مؤخرا وهو ل: كانط أو هيغل أو ماركس أو نيتشه أو فرويد أو هيدغر أو فوكو أو دريدا أو… وأن ما قام به هذا المنتمي لنا لا يتعدى الترجمة فقط. أو لو أنه أنجز نصا بلغة أجنبية وتحت توقيع اسم مستعار أو مقرصن لأحد أعلام الفكر كأن يكون الإسم ل: ريكور أو لكان أو بورديو أو هابرماس أو دولوز… آنذاك سنرى كوكبة منا تتهافت على النص وتتسارع إليه كي تسجل السبق في الحضور والحديث عن الكنز المخبوء والمكتشف العالمي الحديث، وهكذا ستستهلكه بشكل فضيع وتحوله إلى مرجع أساسي وربما تقيم حوله بحوثا وندوات وتبني عليه إشكالات.

ربما في عصرنا وحاضرنا لم نقرأ ولم نسمع عن أحد من أساتذتنا المفكرين، كونه قام بتقديم أحد تلامذته المتميزين والنجباء كمتجاوز له أو على الأقل كمكمل، مجدد ومضيف لمساره وما راكمه هو.

هل يمكننا الحديث عن مرض فكري أصاب النخبة المثقفة كما لو أنه زكام صيفي عابر أم مرض مزمن، أم عاهة مستديمة ؟ هل هناك عدم الاعتبار لأنفسنا وبذلك نعكسه في من هو منا ؟ هل هو نوع من جلد الذات المبدعة ؟ أو ضرب من ممارسة الرقابة الذاتية تفاديا لأي نجاح فردي وانفلات إبداعي ؟ هل هو حضور لنوع من الغيرة والحسد والتنافس غير الشريف يطفو في لحظات ما وكلما رأينا أحد منا يتقدم نحو المستقبل ولو بإمكانياته الفردية وبقدراته الشخصية ؟ هل هو شكل من أشكال الاستلاب وانصهار في ذات الآخر؟ هل مازلنا لم نتخلص بعد من سطوة دعاية الآلة الغربية ومازلنا لا نرى أنفسنا إلا فيهم وفي مراياهم ؟ أو ربما تنقصنا ثقافة الاعتراف بذواتنا ؟

لقد تعودنا على هذه الأفعال في ميادين أخرى كالصناعة والتجارة واستهلاك المنتوجات المادية مثلا، إذ كل ما هو أجنبي وغربي هو متفوق، متقون وبالتالي مرحب به في بيوتنا ومكاتبنا وقابل للاستهلاك دون أدنى شك أو تحفظ، وكل ما هو وطني ومحلي هو منبوذ وغير مرحب به وغير مؤهل للاستهلاك أو يستهلك بتحفظ وبحذر شديد في انتظار البديل الأجنبي. ألا يستهلك العديد منا فكر الآخر الغربي كما لو أنه يلتهم الوجبات السريعة  fast food وهو على متن القطار أو داخل البورصة ؟ هل استطاع فكر الآخر “الغرب” أن يقنعنا بتفوقه علينا وأيضا على قصرنا وعدم تأهلنا للخوض في كل ما هو فكر وفلسفة وعلم ؟ هل أقنعنا الغرب واقتنعنا بدونيتنا، بل ربما جردنا من الانتماء لذواتنا ؟ هل لافتقارنا إلى تقاليد فكرية من النوع الذي يمتلكها الغرب ؟ هل لا نمتلك وسائل وأدوات تقدير الذات والرفع من قيمتها بعيدا عن خطاب رد الفعل السلبي وتمجيد الذات الماضية والبكاء على الأطلال الذي يمارسه العقل السلفي بكل أطيافه ؟ هل نحن من منحنا لمفكري وفلاسفة الغرب حجما أكثر من حجمهم الحقيقي والطبيعي وصرنا نتهافت على كل منتوجاتهم كما لو أننا نبحث عن الوثوقية أو كأننا وجدنا اليقين عندهم ؟ ربما في إطار ما سمي بالتقسيم العالمي للإنتاج تم تشغيل نفس المنطق مع الإنتاجات الفكرية ووكلت لنا مهمة التعريف بفكر الغرب وفي أقصى جهد وابداع شرح وتفسير مضامين هذا الفكر. كيف انتقلنا من مريدين تقليديين إلى مريدين حداثيين ؟ هل نمارس أشكالا من الإقصاء لذواتنا ؟ ربما اكتفاء أنا الآخر “الغرب” يوازيه فقر أنا النحن ؟ الغالب أنه تأسس وترسخ عندنا مبدأ يقول: كل ما هو منتوج محلي متهم في صدقيته بل لا مصداقية له حتى يثبتها على يد وطريق الآخر الذي هو “الغرب”.

لكن ماذا عن النحن ؟ ألسنا عقيمين وغير مجذيين ولا مبدعين ولا منتجين لفائض القيمة بل حتى للقيمة نفسها ؟ ألسنا فقراء عصرنا ؟ ألسنا مفعول فيهم و بهم ؟ ألا ننتمي إلى عالم الفكر المعاصر إلا كرهط من الناقلين، الإجتراريين والتكراريين لماضينا ولحاضر غيرنا ؟ ألم نتغيب عن حاضرنا ؟ ألسنا ذاتا خامدة ميتة لا تنتمي إلى الماضي إلا كاستنجاد بالأجداد وتحسر مما ضاع من بين أيدينا في زمن ما، وإلى العصر إلا كمقلدين سيئين وناقلين حتى بدون عقل وفي بعض الأحيان كمستهلكين دون استعمال أي مصفاة أو ممارسة أدنى تحفظ حتى؟ ألم نأتي إلى موائد الفكر الحديث كضيوف خاويي الحقائب وبدون مؤونة أو حتى بدون آداب الحوار وأدوات العمل ؟ ألا نفتقر إلى معرفة خاصة ومكتملة عن الآخر وبالتالي عن أنفسنا ؟ إذ يبدوا أننا لا نرى أنفسنا إلا في مرايا الآخر “الغرب” هذه المرايا التي لا تكشف عن حقيقتنا ولا تعكس أي صورة لنا إلا في وجهها المشوه. وفي أحيان كثيرة ننتظر حتى يعترف لنا هذا الآخر بأحد منا ويؤشر له، إداك نستورده وهكذا نستهلكه بشراهة وبشكل مكثف وبوسائل وأدوات ذلك الآخر، كما حصل لنا مع ابن رشد وابن خلدون وبشكل أقل قوة مع ابن عربي.

ربما نوع من الاستعلاء حيال ذواتنا يجتاحنا ونحن نمارسه ؟

 

شاهد أيضاً

 صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر هناك سمةٌ مشتركةٌ في خطابات الإسلاميين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *