الرئيسية / منشورات / كتب / الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

بقلم عبد الرحيم رجراحي

 

لعل ما يلفت الانتباه في التقديم الذي أعده سعيد ناشيد للكتاب هو اعتباره أن “هذا الكتاب مدخل نظري ونضالي إلى أخلاق المدينة، أخلاق الفضاء العمومي، أخلاق الحداثة السياسية”.[1] وسنسعى في مقالنا إلى الكشف عن هذه الأخلاق التي هي من جنس الشأن العمومي، والتي من فرط طمسها ونسيانها صار هذا الشأن مجالا للمكر والخداع والمزايدة باسم نزعات  دينية ثارة، ونزعات سياسوية ثارة أخرى.

بناء على ذلك، فإننا سنتولى قراءة الكتاب موضوع المقال في ضوء الأسئلة الآتية:  ما علاقة الدين بالحداثة؟ هل هي علاقة وصال أم انفصال؟ ألا يؤدي انفصال الشأن السياسي عن الديني إلى أزمة سياسية؟ أوليس من شأن الوصل بينهما أن يؤدي إلى استئناف تجربة اللاهوت السياسي والانقلاب على مكتسبات الحداثة؟ كيف السبيل للاعتراف بالفاعل الديني في الشأن العمومي دون ضرر أو ضرار؟

يتضمن الكتاب دراسات في الفلسفة السياسية المعاصرة كما يحيل على ذلك العنوان الفرعي للكتاب، وقد يبدو للناظر من الوهلة الأولى أن هذه الدراسات مستقلة عن بعضها البعض وليس هناك ما يبرر جمعها بين دفتي كتاب. غير أن إمعان النظر فيها يهدينا إلى خيط ناظم يتمثل في محاولة تشخيص أزمة الليبرالية في ضوء الفكر السياسي المعاصر، كما يمثله يورغن هابرماس ونانسي فريزر وسيلا بنحبيب وحنة أرندت، على الرغم من الاختلاف بين هذه المقاربات الفكرية، في أفْق إيجاد مخرج لاتقاء الشر الذي يتهدد الاجتماع البشري، وهو ما سعى الباحث إلى رصده من خلال الكشف عن جذرية الشر عند إمانويل كانط وتفاهته عند حنة أرندت، في محاولة لتأسيس إيطيقا العيش المشترك أو ما يسمى بحالة المدنية، حيث الحرية والعدل والمساواة والسِّلم.

إن أول ما ينبغي التأكيد عليه في مقالنا أن الانخراط في الشأن العمومي لا يستبعد الأخلاق؛ ذلك أن الاستعمال العمومي للعقل يقتضي الالتزام بأخلاقيات التواصل التي نظّر لها يورغن هابرماس، وهي أخلاقيات تستمد مشروعيتها من مكتسبات الحداثة السياسية التي تتيح للناس الحق في التعبير والتفكير والانخراط في الشأن العمومي، لكن دون التعدي على حقوق الآخرين المختلفين من حيث الدين أو العرق أو الجنس أو ما شاكلها.

ولعل من الدواعي الذي دعت الكاتب إلى التفكير في الدين في علاقته بالحداثة هو عودة سؤال الدين إلى الفضاء العمومي ، وهو ما كان موضوعا للتفكير الجدي من طرف يورغن هابرماس، وهي عودة تجد مبررها في أزمة الليبرالية التي فَقَدَ معها الإنسان سؤال المعنى أمام سيادة مجتمع الاستهلاك، ودخوله في دوامة من الرقابة والتنميط والنمذجة التي كرسها التقدم التقني؛ ومن ثمة فقد صار الدين في الزمن المعاصر ملجأ لاستعادة سكينة القلوب الحائرة، والذوات التائهة، وتعلة لتحقيق الخلاص المفقود على الأرض، بل صار سلاحا في يد الحركات المتطرفة من أجل اقتحام الشأن العمومي من أبوابه الواسعة؛ وهو ما يجعل من الدين بحق ليس موضوعا عرضيا، بل موضوعا يستحق النظر الجدي اتقاء للانقلاب على مكتسبات الحداثة السياسية التي قامت _من جملة ما قامت عليه_ على حرية الضمير والمعتقد والتدين، وحياد الدولة تجاه الملل والنحل على اختلافها، والفصل بين الشأن السياسي والديني أو ما يسمى بعَلمانية الدولة.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا الركن الأخير المتمثل في عَلمانية الدولة لا يعني ترك المجال السياسي عرضة للدعايات الكاذبة، والإشاعات المغرضة، بل لا بد من حراسته من خلال إعمال العقل النقدي، والالتزام بأخلاقيات النقاش العمومي؛ ومن ثمة فإن حديث يورغن هابرماس عن مجتمعات ما بعد علمانية لا يعني ترك المجال العمومي للتطرف الديني، وإنما يعني بالأساس الاعتراف بالأديان على اختلافها، لكن في سياق دولة عَلمانية، تستمد مشروعيتها من دستور يحدد الصلاحيات، وينظم العلاقات، على أساس العدل والحرية والتسامح الديني والعرقي والجنسي والمساواة في الحقوق[2].

غير أنه على الرغم من أهمية طرح يورغن هابرماس بشأن الفضاء العمومي إلا أنه لم يكن منزها عن النقد، وهو ما كشفت عنه نانسي فريزر وهي من فيلسوفات الجيل الثالث من مدرسة فرانكفورد، حيث بينت أن الفضاء العمومي عند يورغن هابرماس ظل مشروطا بالطرح الوستفالي الذي أسس لمفهوم الدولة_الأمة، ذات الحدود الضيقة، وهو ما لم يعد مستساغا أمام ظاهرة العولمة، وما تقتضيه من فضاء عمومي عابر للأوطان، ويسع العالمين، من فلاحين وعمال ومهمشين وأقليات عرقية وجنسية ودينية، وليس حكرا على طبقة برجوازية صغيرة، بدعوى أنها هي حارسة للعقلانية !

وفي السياق ذاته، انتقد أسكار نيكت الفضاء العمومي البرجوازي، واقترح في هذا الصدد مفهوما بديلا عن الفضاء البرجوازي وهو الفضاء البروليتالي الذي يعترف بعموم الجماهير، بعيدا عن أي تحديد طبقي إديولوجي ضيق[3].

لكن على الرغم من الاختلافات بين هذه الأطروحات بخصوص الشأن العمومي، والتي أملتها المستجدات الفكرية التي تمخضت عن النقاش بين الأجيال المختلفة للنظرية النقدية، إلا أنها تتفق على أن الشأن العمومي هو مجال لإعمال العقل ولحرية التعبير والتفكير أو ما يسميه إيمانويل كانط بالاستعمال العمومي للعقل، من خلال الجرأة على النظر في قضايا الشأن العام.

ويعرج الكاتب في سياق صلة الفاعل الديني بالشأن العمومي على طرح سيلا بنحبيب والتي خصص لها فصلا في الكتاب، فضلا عن ملاحق عرض فيها سيرتها الفكرية ومواقفها السياسية[4]، والتي تعتبر أن الفاعل الديني لا يقل أهمية عن باقي الفاعلين في الشأن العمومي؛ ذلك أنه لا يمكن إنكار دفاعه عن قيم الحداثة، مستشهدة في ذلك بدور الحركات الإسلامية في الثورات التي شهدها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي ترتب عنها إسقاط أنظمة استبدادية.

غير أننا نعتقد أن تفاؤل سيلا بنحبيب يدعو إلى الكثير من النظر، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مآلات هذه الثورات، حيث سعت حركات الإسلام السياسي إلى الالتفاف على تضحيات القوى التقدمية والحداثية التواقة للتحرر والانعتاق، محاولة أخونة أجهزة الدولة وأسلمتها، في مقابل قبرها للأصوات الحرة الداعية للانفتاح والاختلاف والقطع مع التراث الديني  الذي يكبل الشعوب، ويكرس نزعات ارتكاسية معادية لقيم الحداثة والتنوير.

يتضح مما تقدم أن الشأن العمومي هو متاح لجميع الناس، على اختلاف مشاربهم الدينية والسياسية والعرقية والجنسية والطبقية…إلخ، إلا أن الانخراط فيه يكون على أساس تعميم الخير واتقاء الشر، وفي هذا الصدد خصص الكاتب فصلا ينظر فيه في مسألة الشر بين حنة أردت وإيمانويل كانط؛ فإذا كان صاحب نقد العقل الخالص يعتبر مسألة الشر مسألة جذرية، من حيث أنه متجذر في الطبيعة البشرية؛ ومن ثمة فإن السبيل لاتقائه هو تحكيم الإرادة الخيرة، فإن حنة أرندت تعتبر أن مسألة الشر تتحدد في سياق التفاهة، مرجعة إياه إلى الأنظمة الشمولية في القرن العشرين؛ ومن ثمة فإن مقاربتها لمسألة الشر كانت سياسية وليست أخلاقية[5].

ويجدر التنويه في هذا الصدد بطلائعية طرح حنة أرندت بخصوص مسألة الشر؛ ذلك أنها تلفت انتباهنا إلى أن الشر  ليس مرده إلى الحداثة  السياسية، كما تسوق لذلك الأصوليات الدينية، وإنما هو نتيجة للأنظمة الشمولية، التي تدجن البشرية، بالاعتماد على آليات إديولوجية تغيب التفكير[6]، وتحمل الناس على ارتكاب المظالم دون علم ولا بينه؛ ومن ثمة فإن كان هناك من عائق يحول دون تحقيق الحداثة، فهو لا يرجع إلى الحداثة نفسها، وإنما إلى عودة الأنظمة الشمولية التي تبرر وجودها بنزعات دينية حينا، وسياسوية حينا آخر.

غير أنه على الرغم من اختلاف كلا من مقاربتي إمانويل كانط وحنة أرندت بشأن مسألة الشر، فإن كلا منهما  سعى إلى الحد من الشر الذي يتهدد الاجتماع البشري، والذي ينذر بعودة حالة الطبيعة، حيث حرب الكل ضد الكل.

وتجدر الإشارة إلى أن من المقترحات التي تقترحها حنة أرندت للحد من مسألة الشر هي الصفح، وما يحيل عليه من طي لصفحة الماضي المدبجة بالدماء والقتل، والموشومة بالتعذيب والظلم، أو ما يمكن اختصاره في الجرائم ضد الإنسانية. غير أننا نعتقد أن هذا الحل الأخلاقي يجد حدودا في ترجمته على أرض الواقع، أي على مستوى الممارسة السياسية ذات الطابع العملي، ولا سيما أن الضحية وحده يمكن أن يصفح عن الجلاد.

لكن على الرغم من حدود هذا الطرح الأخلاقي_السياسي لمسألة الشر، إلا أنه يظل هو الوسيلة لاستئناف الاجتماع، وإحلال التعايش، ودرء الآفات التي تتهدد العمران البشري، والتي تذكيها نوازع الانتقام والحقد والقتل والدمار، أو ما يختصره فريدريك نيتشه في أخلاق العبيد، وهي نوازع قد تتقنع بالنزعات المتطرفة، الدينية منها والسياسية، إلا أنه يظل القاسم المشترك بينها هو التطرف، سواء في أقصى اليمين أو أقصى اليسار.

حاصل القول أن تخليق الشأن السياسي، وضمان حيادية الدولة، وإحلال التعايش، وحسن تدبير الاختلاف في الشأن العام، كلها رهانات لا تتأتى إلا بمقاومة النزعات الشمولية، دينية كانت أو سياسية، التي تقصي الاختلاف، وتسعى للهيمنة المطلقة، محاولة الحَجْرَ على العقول، ومنع استعمالها، بشكل خاص أو عام، وهو ما يتعارض مع شعار التنوير الذي رفعه إيمانويل كانط والمتمثل في الجرأة على إعمال العقل، وما يعنيه ذلك من التحرر من الوصاية وما تتسبب فيه من تفاهة وبلادة وشرور لا تبقي ولا تذر.

[1]  رشيد العلوي، الدين وخطاب  الحداثة، دراسات في الفلسفة السياسية المعاصرة، نور للنشر، ط 1، 2017، ص 4.

[2]  المصدر نفسه، ص 33.

[3]  المصدر نفسه، ص 47.

[4]  تمتد هذه الملاحق من الصفحة 85 إلى آخر الكتاب.

[5]  المصدر نفسه، ص 56.

[6]  المصدر نفسه، ص 81.

من أرشيف الباحث عبد الرحيم رجراحي:

الفلسفة بصيغة المؤنث أم المؤنث بصيغة الفلسفة؟

  عبد الرحيم رجراحي لتحميل الكتاب وقراءته أنقر هنا كتاب الفلسفة بصيغة المؤنث – العلوي رشيد نهدف من هذا المقال إلى تسليط الضوء على كتاب “الفلسفة بصيغة المؤنث”[1] لرشيد العلوي، لكن ليس على سبيل تلخيصه أو تقديمه، وهو ما نهضت به الباحثة خديجة زنتيلي في مقال لها[2]،  وإنما من أجل …

أكمل القراءة »

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

بقلم عبد الرحيم رجراحي   قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! …

أكمل القراءة »

تفكير في حركة 20 فبراير

 عبد الرحيم رجراحي يُمَثِّلُ يوم 20 فبراير من سنة 2011 حدثا تاريخيا في المغرب، تَمَّ من خلاله التأسيس لحركة اجتماعية ذات مطالب سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهو ما تشهد عليه الشعارات التي رفعت في المسيرات الاحتجاجية التي خرجت في مختلف ربوع المغرب، والتي ترتَّب عن قوة تنظيمها، وتنوع تياراتها، وتضحيات …

أكمل القراءة »

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

عبد الرحيم رجراحي – باحث مغربي يعد كتاب مشروع السلام الدائم[1] امتدادا للمشروع النقدي لإيمانويل كانط، بعد أن ألف نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وفيه ينتقد الحروب التي شهدها العالم، والتي ما فتئت أسبابها في تزايد، أمام الحظ على الخيانة، وانتهاك شروط السلام، والتجسس على الدول، …

أكمل القراءة »

الأخرويات الإسلامية من الدين إلى الأدب: قراءة في رواية الأربعينية لخوان غويتيصولو[1]

عبد الرحيم رجراحي يعد خوان غويتيصولو (1931…) أنموذجا للأدب الإسباني المعاصر، خاصة في جنس الرواية؛ ذلك أن دراسة أعماله الأدبية والنقدية تكشف للناظر عن فَرادة في الإبداع وجدة في النظر لا عهد بهما للأدب القديم والحديث على حد سواء؛ وهو أمر طبيعي إذا ما أخدنا في الاعتبار أن الرجل كان …

أكمل القراءة »

الفلسفة ونظرية الحجاج

عبد الرحيم رجراحي – المغرب سعى برلمان رفقة تيتيكان من خلال مؤلفهما المشترك في الخطابة الجديدة إلى تقديم طرح جديد بخصوص الحجاج؛ لذلك كان المقصد من مؤلفهما هو تحرير الحجاج من جهتين: الأولى، من شبهات الخطابة، وما تحيل عليه من مناورات ومغالطات وتبكيتات؛ والثانية، من صرامة الجدل، وما يحيل عليه …

أكمل القراءة »

في مشروعية الدولة

عبد الرحيم رجراحي يعدُّ الإنسان كائنا مدنيا، من حيث أنه محكوم عليه أن يجتمع ببني جنسه وأن ينخرط في تدبير الشأن العام إن إيجابا أو سلبا، فاعلا أو منفعلا؛ ولما كان الأمر كذلك، فالإنسان في مسيس الحاجة لتنظيم سياسي يتولى  تدبير أموره وقضاء مصالحه وحل خلافاته. ولعل الدولة من التنظيمات …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *