الرئيسية / منشورات / جرائد / أزمنة وأمكنة: هوامش التنمية..

أزمنة وأمكنة: هوامش التنمية..

ذ. التهامي ياسين

 

إلى روح أب السوسيولوجيا المغربية د. محمد جسوس.

وأنت تتنقل بين الأحياء والقرى والمدن… تصادف أناسا “يتسولون ويتوسلون” .. نساء وأطفال شيوخ وعجزة… وشباب يافع يصدمك، يمد يده إليك في الطرقات وفي المحطات أمام المستشفيات أمام المصالح الإدارية مستعطفا… أينما وليت وجهك فثمة “يد ممدودة” تتوسل المساعدة.

قال لي صديق دائم: أن بعض هؤلاء “المتسولين والمتسولات” يتنقلون عبر الحافلات ويمكثون طيلة اليوم من الصباح الى أن يسدل الليل خيوطه ثم يعودون الى أمكنتهم، إنها رحلة الشتاء والصيف. فهمت من قوله أن “الرحالة” ليسوا هم الذين يتيهون في الأرض من أجل التيه. وإنما هم الذين ينشدون في “ترحالهم” أو في “حركتهم وتنقلاتهم” تلك “مركزا” يقصدونه. هذا معناه أن ثمة “هامش” و”مركز” في أرضنا.

“الهامش” منسي ومنفي و بعيد ومهجور… وهو مرتبط بشكل أو بآخر “بمركز” مشدود إليه. فبشره في حركة وترحال دائمين إليه… هذا الهامش هو بنية اجتماعية من التناقضات والتوترات أينما وجد فهو لا يتوفر على بنيات أساسية دنيا كافية، ولا على خدمات أولية.. الخ. ولذا لا شيء يربط هذا المتنقل الدائم بهامشه.

أما “التائه ” فهو إنسان آخر يتيه في الأرض له “داخل” و”خارج” رغبة منه في اكتشاف عالم جديد، ويمكن أن يمتلك إمكانيات لا حصر لها ومع ذلك يشعر بالتيه وعدم الاستقرار ، وهو غير الهامشي، هذا الأخير ضحية “سياسة جغرافية جهوية وتنمية اجتماعية اقتصادية ثقافية”.. أي ضحية “مشروع تنموي تاريخي” لم يأخذ بعين الاعتبار ثنائية “المدينة والبادية”، ومستلزمات أخرى يلزم أن تتوفر في كل استراتيجية تنموية حقيقية تستهدف الإنسان. إن هذه الثنائية تتأسس على علاقة غير متكافئة بين المركز والمحيط ، بين الداخل والخارج؛ بين المضمون والشكل، بين الحل والترحال…

الهامشي الرحال الذي يرحل من مكان لا مقومات أساسية فيه يشعر أنه يفتقد إلى هوية “مكانية” وإلى انتماء إلى “نقطة حضارية معينة”. ولذلك فهو يعاني من عدم اعتراف المركز له، مشدود دائما إلى “المركز” كهوية وحياة وكأفق.. وهو حين يتجه إليه يريد أن يتهمه ويناقضه ويفضحه ويحمله المسؤولية ويرفض أن يوجد خارجه. وحيث يوجد مركز معين توجد على أطرافه هوامش متعددة. إن الهامشي يرحل بحثا عن “إعانة ومساعدة” واعتراف له بالحياة والوجود. وهو في ترحاله من مكان إلى مكان لا “يتموقف” ولا يمثل “اتجاها بعينه” أو “مذهبا محددا”.. إنه بحكم” ثقافته الموروثة في الغالب “وحين “يمد يده” لا يتوخى فقط مساعدة ظرفية، وإن كان ذلك ما يبدو ظاهريا ،ولكن  يسائل الجميع  ويؤكد على حاجته في ضمان حياة ومصدر عيش كريم  يضمن وجوده في المكان والزمان، ويحقق حلمه… وإلا سيظل مدى الحياة راحلا مترحلا متنقلا مهاجرا …

لكن هذا الذي ينشده الرحال من هامشه إلى مركز ينجذب نحوه، يشكل في كل المناسبات والمحطات  المختلفة مادة وقود للمركز ،و لا يتوقف دوره عند قضاء حاجات محدودة والعودة إلى مدشره. بل إنه يستعمل كموضوع لأغراض مختلفة يعلم أنها لا تخدمه بل تهينه أحيانا رجلا كان أم امرأة. ففي “الانتخابات” مثلا يتم استغلاله أبشع استغلال ، إذ يتلقى”وعودا معسولة ” في كل محطة استحقاقية بحكم حاجته في الاستقرار هو وأفراد من عائلته.. تجعله يقيم مدة في المركز قد تطول أو تقصر تبعا لرغبات وحاجيات من هو مقيم في المركز والمتحكم في حركته وترحاله. فالهامشي قد يظفر بشيء أو لا يظفر به. من هنا فإن الكثير من الباحثين في التنمية الاجتماعية يرون أن أي مشروع تنموي لا يأخد في استراتيجيته التي ينبغي ان تكون مستحضرة لهذه الثنائية؛ ثنائية المدينة/المركز والبادية /الهامش مثلا، وما يترتب عنها من ظواهر وسلوكيات سلبية لن يحقق على أرض الواقع أي نمو يضمن كرامة ورفاه المواطنين. فإذا كان مفهوم “الدفعة القوية” كما يرى منظروا “التنمية الاجتماعية” ضرورية، لإحداث تغييرات في المجال الاقتصادي ، فإنها تبقى منحصرة فقط في المركز ولا تتعداه الى الهوامش.. بل إن أثرها لا يصل بالشكل التام  إلى”مراكز أخرى” بحكم الفوارق الجهوية.

إن تلك “الدفعة الاقتصادية” إن كانت ضرورية لا تكفي وحدها، لابد أن تصاحبها دفعات مماثلة ومنسجمة معها في المجال الاجتماعي الإنساني، ونفس الشئ تحتاج تلك التنمية الاجتماعية أيضاالى دفعة قوية وهي أساسية في المجال الثقافي تغير نمط تفكير الناس  وتمثلاتهم للعالم وتغيرالتقاليد الذهنية التي تكبلهم،وذلك للقطع مع الخرافةوالشعودة والبلاهة المستشرية والتقليد وعوائق التحديث المختلفة، إذ ماذا سيكون “البعد الثقافي في التنمية ” إذا لم يكن يستهدف اولا واخيرا الإنسان ليصبح “مواطنا ” يعي حقوقه ويلتزم بواجباته ؟، أعني الانتماء إلى المجتمع الحديث ومؤسسات المجتمع المدني.إن التنمية أو التجديد من الداخل تتطلب التعرف على هذا “الداخل” ،على مكونات المجتمع التي مازالت تحكمه بنيتان أحدهما عميقة وأخرى سطحية. وكما يقول د محمد عابد الجابري إذا كانت التنمية هي “العلم حين يصبح ثقافة”، فإن التخلف سيكون ليس فقط هو غياب العلم بل سيكون هو  “العلم حين ينفصل عن الثقافة ” أو هو “الثقافة حين لا يؤسسها العلم النقدي  الذي عليه أن لا يكتفي بالوصف والفهم بل أيضا بالتغيير.. لكن أية ثقافة؟

إنها الثقافة التي لا تقتصر على عالم الأشياء والخدمات والاستهلاك المقيت للسلع والمصالح الماديةوالاستثمار في بعده الاقتصادي و المادي وما يرتبط بها من “الريع ” والعقلية الريعية”، والتي تميز غالبا الليبرالية الاقتصادية التي في عمقها متوحشة ؛لأن من شأن ذلك أن يترتب عنه هوة ثقافية كبيرة، ومشكلات اجتماعية لا حصر لها. أضف إلى ذلك أن أي مشروع تنموي لا يضع في أهدافه الأساسية التقليص من الفوارق الاجتماعية، وذلك بالعمل على التوزيع العادل للثروات وعلى ضمان استفادة المواطنين منها وتوفير العلاج المجاني مثلا لفئات معدومة و عريضة من المجتمع ،و تعميم مبدأ إلزامية التعليم والرفع من جودته ووظيفيته ليتلاءم والحاجيات المطروحة في عملية التطور والتحديث الاجتماعي ،ويجعل فعل التنمية محركا لاقتصاد العمل والإنتاج والتكامل والتكافل؛ أي محركا لعوامل التغيير من الداخل، يظل “مشروعا تنمويا” مكرسا لنفس البنية الأساسية القائمة ومحافظاعلى نفس العلاقات الاجتماعية العميقة. بمعنى أن سؤال التنمية لا ينفصل عن سؤال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.ومالم يفكر في هذه الترابطات في علاقتها الجدلية من شأن ذلك أن  يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي والصراعات المختلفة، بل يجعل كل المجهودات المبذولة الرامية إلى الرفع من إيقاع التنمية الاجتماعية مهما كانت صادقة لا تحقق أهدافها، ويبقي على نفس البنية التقليدية القائمةووظائفها وأدوارها  القديمة لتعيد نفس إنتاج نفس الأشكال ..فالتغير البنيوي هو الذي يخلق أدوارا وعلاقات وتنظيمات اجتماعية جديدة  ضمن استراتيجية عميقة ملائمة تقوم على مقاربة متعددة الأبعاد ومتكاملة شاملة لمناحي الحياة تعتمد الفهم والنقد والتغيير، وتستهدف  بالأساس بناء الإنسان/المواطن وتأهليه ثقافيا وعلميا وتقنيا وبيئياوسياسيا..

من شأن هذه  الاستراتيجية  أن تجعل من عملية التنمية الشاملة عملية فعالة وواعية تضمن الدولة ومختلف أجهزتها المسؤولة كل شروط نجاحها، وتحميها قوانين شفافة وواضحة ومبسطة بتنسيق مع كل مكونات المجتمع المدني والسياسي الملتزم بقضايا المجتمع الحية لمواجهة كل التحديات والعوائق المختلفة؛ وذلك لصياغة بناء حضاري اجتماعي متكامل يؤكد فيه المجتمع  هويته وذاتيته وإبداعه

شاهد أيضاً

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *