الرئيسية / منتخبات / ترجمة / “هل الجمال ذاتي أم موضوعي ؟”  تأليف: فينتشنزو جيوبرتي 

“هل الجمال ذاتي أم موضوعي ؟”  تأليف: فينتشنزو جيوبرتي 

ترجمة وتقديم: البروفيسور كمال بومنير

فينتشنزو جيوبرتي Vincenso Gioberti فيلسوف إيطالي، ولد في مدينة تورينو عام 1801 وتوفي في باريس عام 1852. تلقى تعليمه الديني في بداية حياته ليكون قسيسا، وقد تقلد فعلا هذا المنصب عام 1825، ولكن وبعد سنوات قليلة أصبح أستاذا للاهوت في جامعة تورينو، غير أنه ولأسباب سياسية اضطر إلى الهجرة إلى فرنسا وبقي هناك حتى وفاته. في دراسته لمفهوم الجميل استبعد فينتشنزو جيوبرتي المعنى الذاتي والنفعي وما يتعلق بالمتعة وحاول إثبات أنّ الجميل شيء مستقل عن الذات وأنه قائم بذاته في العالم الخارجي، غير أنّ هذا لا يعني أنّ الجميل شيء مادي لأنه صفة مطلقة وتفرض نفسها على الذات التي تتلقاه وتتأثر به. من أهم مؤلفاته الفلسفية والسياسية والتاريخية: “نظرية ما بعد الطبيعة 1838، “حول الخير” 1842، “دراسة في الجميل أو عناصر فلسفة جمالية” 1843، “أهمية الأخلاق المدنية” 1843، “إلى الشعب الفرنسي” 1848، “مدخل إلى دراسة الفلسفةج1” 1845، “مدخل إلى دراسة الفلسفة ج2” 1846، “مدخل إلى دراسة الفلسفة ج3” 1847، “رسالة في المذاهب الفلسفية والسياسية” 1843، “حول واحدية فيكتور كوزان” 1842، “تورينو وسارل ألبير” 1848، ” فلسفة الوحي” 1856، “حول إصلاح الكاثوليكية” 1856، “حول أصل الكون” 1857.

النص:
من المعلوم أنّ الجمال ليس شيئا ذاتيا إذ لو كان كذلك لما استطعنا تمييزه عن النافع أو عن الممتع. لذلك فإنّ الجمال ليس هو النافع على الإطلاق. ولكن ومع ذلك، ومهما حقّق الجمالُ من نفع لمن تملكه فإنّ المتعة التي كان من الممكن أن يحققها ستتناقص حتما بل ستزول حينما يُنظر إلى هذا الجمال أو يُستعمل بالنظر إلى نفعه ليس إلا. والحقُ أننا قد نجد أشياء نافعة ولكنها قد تكون خالية تماما من الجمال، وبالمقابل قد نجد أشياء أخرى جميلة ولكننا قد لا ننتفع بها على الإطلاق. هذا، ويجب أن نشير هنا إلى أنّ النافع يقتضي وجود علاقة فعلية، أو على الأقل ممكنة بين الشيء وحاجاتنا، في حين أنّ الجمال-وعلى العكس من ذلك تماما- مستقل عنا ولا يتقوّم إلا بذاته. إنّ تأمل الجمال يحقّق لنا من دون شك متعةً، ولكن ومع ذلك فهو يستبعد تملك هذا الجمال. ومن يشارك في تحقيق هذه المتعة لا يعتدي إطلاقا على حرية الموضوع الذي يسحره ويبهره، في حين أنّ استعمال الأشياء النافعة قد تهدمها، أو ربما على الأقل، قد تعيق المحافظة على هذه الحرية. أضف إلى ذلك أنّ مادة الشيء الجميل قد تُدرك بحاستي السمع والرؤية فقط، وهما حاستان تحققان -كما هو معلوم- المعرفة ولكن من دون تملك الشيء المعروف. وبالمقابل، فإنّ مادة الشيء النافع –وعلى العكس من ذلك تماما- تقع تحت قبضة حاسة اللمس التي تستولي على الأشياء التي يتملكها ويحتفظ بها. هذا، وبوسعنا أن نطبق بعض من هذه الملاحظات على الممتع من حيث أنه متميّز عن الجمال لأنّ اللذة تقتضي أيضا –كما هو معلوم- علاقة الموضوع بالموجودات الحسية القادرة هي أيضا على التمتع بذلك. وهي علاقة تنفر –بطبيعة الحال- من الماهية المستقلة والمطلقة للجمال.
والحقُ أنه بإمكاننا أن نثبت وجود اختلاف بين الجميل والممتع بالنظر إلى أسباب خاصة؛ فمن المعلوم أنّ الجميل يحقق إعجاب جميع الناس. ولكن ومع ذلك، لا يترتب عن قولنا هذا أنّ كل ما يعجب الناس يتسم دائما بالجمال ولا أنّ درجات التمتع تتماشى دائما مع درجات الجمال عندما ترتبط بموضوع المتعة. لذلك فقد نجد بعض الناس يتمتعون فعلا بذوق رفيع، وحينما يصرحون قائلين بأن شيئا ما جميل وساحر فإنهم قد يفضلون غيره ، وهذا على الرغم أنهم يعلمون علم اليقين أنّ ما اختاروه أقل جمالا من الشيء الذي اعتبروه جميلا. إننا وبحسب تعبيرنا المألوف والاعتيادي قد نطلق صفة الجميل على ما يعجبنا ولكن نظرا لعدم دقة اللغة الشعبية فقد تنال رضا الفيلسوف فقط. هذا، ويجب أن نشير أيضا إلى أنّ المتعة متعلقة بالحساسية فقط في حين أنّ الجميل متعلق بالفكر، على الرغم أنه يتطلب القدرة على الإحساس؛ أما المتعة فهي تؤثر على الحواس الخارجية Les sens externes، أي الحواس المرتبطة بالجسد أو شعور النفس، في حين أنّ الجميل له –بطبيعة الحال-علاقة بالفكر وفق توسط الحواس والمخيلة.
Vincenso Gioberti, Essai sur le beau. Eléments de philosophie esthétique. Traduit de l’italien par Joseph Bertinatti. Bruxelles, Librairie Meline, Cans et Compagnie, 1843, p 5.

من أرشيف البروفيوسر كمال بومنير:

حوار مع الدكتور كمال بومنير

الدكتور كمال بومنير يعد البروفيسور كمال بومنير أحد الأقلام الفلسفية الجادة في العالم العربي، يساهم في إغناء الدرس الفلسفي تأليفا وترجمة. بدأ مشواره الدراسي على يد الأستاذ لخضر بوناب بثانوية ابن رشد حيث قرأ لكارل ماركس وجان بول سارتر وغاستون باشلار وهنري برغسون… والتحق بجامعة الجزائر ودرس الاستطيقيا والفلسفة الألمانية …

أكمل القراءة »

” الفن ﻛ “حضور” في العالم” – تأليف: موريس ميرلو بونتي

ترجمة وتقديم: كمال بومنير موريس ميرلو بونتي Maurice Merleau-Ponty فيلسوف فرنسي معاصر ولد سنة 1908، دارت أعماله الفلسفية حول الوجود الإنساني الذي يتحدد من الناحية الأنطولوجية من خلال مفهوم الجسد وعلاقته بالعالم. أما من الناحية الجمالية، فقد اهتم ميرلوبونتي بفن الرسم مبينا ارتباطه بالبعد الأنطولوجي وبرؤية العالم وبإمكانيته الكشف عن …

أكمل القراءة »

“التقنية ومسار الحضارة الإنسانية” تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير هربرت ماركوز Herbert Marcuse فيلسوف ألماني معاصر (1898-1979). تأثر بهيغل وماركس وشيلر وهيدغر وفرويد. انظم عام 1934 إلى معهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت إلى جانب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وأسهم في تعميق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من خلال مقالاته وبحوثه. ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية …

أكمل القراءة »

حول مشكلة التغيير الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة تأليف: هربرت ماركوز

ترجمة :كمال بومنير النص: لقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك أنّ الجهاز التقني في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا أصبح يفرض اليوم مقتضياته الاقتصادية والسياسية على أوقات عمل وفراغ الإنسان، بل وعلى الثقافة المادية والثقافة الذهنية أيضا. لذا، يتعيّن علينا أن نشير هنا إلى أنّ هذه المجتمعات تميل اليوم –بفضل تنظيم …

أكمل القراءة »

“الجميل وفكرة الحقيقة” تأليف: كارل فلهام سولغر 

ترجمة وتقديم: أ.د / كمال بومنير كارل فلهام سولغر Karl Wilhelm Solger فيلسوف ألماني ولد في مدينة شفيدت عام 1780، وتوفي في مدينة برلين عام 1819. تحصل على منصب لتدريس الفلسفة في جامعة برلين عام 1811، ثم تقلّد منصب مدير جامعتها بين 1814/1815. هذا، ويعد سولغر من بين الفلاسفة الذين …

أكمل القراءة »

هل يمكن أن تقوم المتعة الجمالية مقام حكم الذوق؟ تأليف: مارك جيمينيز

ترجمة : أ.د/ كمال بومنير لا شك أنّ تعريف كلٍ من المتعة واللذة الجماليين ودورهما ومكانتهما في التجربة الفنية أو الجمالية لمن المشكلات الأساسية المطروحة اليوم في الفكر الجمالي المعاصر. لقد قامت في القرن السابع عشر مواجهات حادة بين المعارضين والمدافعين عن العاطفة من عقلانيين وتجريبيين، وذهنيين وحسيين، فقد أعطى …

أكمل القراءة »

“أزمة العلوم ومفارقات الحداثة بين الفلسفة الفينومينولوجية  والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت “

بقلم/ الأستاذ الدكتور كمال بومنير تروم هذه المقاربةُ الفلسفية الكشف عن القرابة الفكرية الموجودة بين مفهوم الأزمة La crise كما حلّلها مؤسس الفلسفة الفينومنولوجية إدموند هوسرل (Edmond Husserl) في كتابه الموسوم ﺑ “أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية”، ومفهوم الأزمة كما تصوّرها أبرز ممثلي الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت النقدية ماكس هوركهايمر …

أكمل القراءة »

“الفن والأشكال الرمزية” تأليف: إرنست كاسيرر

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير وُلد إرنست كاسيرر Ernest Cassirer سنة 1874 في مدينة بريسلو، وتوفي سنة 1945 في مدينة نيويورك الأمريكية. هذا، ويُعد كاسيرر أحد أقطاب ما يُسمى ﯨ الكانطية الجديدة Le néo-kantisme ، في فرعها المتمثل في مدرسة ماربورغ Ecole de Marbourg ، التي اهتمت بالمباحث المعرفية والعلمية، …

أكمل القراءة »

أدورنو وهيدغر: نحو تجاوز الأنطولوجيا الفينومنولوجية ؟ 

بقلم/ الأستاذ الدكتور كمال بومنير لا شك أنّ الانتقادات الذي وجهها ثيودور أدورنو Theodor Adorno، أحد أبرز ممثلي الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، إلى الفيلسوف الألماني الكبير مارتن هيدغر Martin Heidegger تعد في نظر العديد من المتخصصين في الحقل الفلسفي الغربي المعاصر من أعمق الانتقادات وأكثرها راديكالية التي وُجهت لهذا الفيلسوف من …

أكمل القراءة »

“الموسيقى ﻛ “رؤية للعالم ”  تأليف: غيورغ لوكاتش 

ترجمة وتقديم: أ.د/ كمال بومنير غيورغ لوكاتش György Lukács فيلسوف مجري معاصر (1885-1971). يُعّد أحد أقطاب الفكر الماركسي في القرن العشرين. تأثر بكانط وبهيغل وماركس وفيبر ودلتاي، وهذا ما يظهر في واحد من أهم أعماله الفلسفية “التاريخ والوعي الطبقي” عام 1923، الذي عالج فيه موضوع التشيؤLa réification . بدأ يلمع …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

مدرسة فرانكفورت، القسم السابع: ما الذي بقي؟ بيتر تومبسون

ترجمة هشام عمر النور هابرماس وهونث يمثلان معاً قطيعة مع مدرسة فرانكفورت واستمرارية لها حول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *