الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / “مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركوز”

“مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركوز”

“حمزة لخضر”

لقد تضمنت تحليلات هربرت ماركوز Herbert Marcuse للوضع العام الذي طبع مجالات الحياة في المجتمع الصناعي المتقدم إدانة صريحة بضلوع عقلانية السيطرة في التحكم بمختلف نشاطات الإنسان، و ضلوعها أيضا في تشكيل نمط الحياة المناسب الذي يسمح باستمرار نظام الأشياء القائم، اعتمادا على مبدأ المردود الذي يغري الفرد و الجماعة على قبول نمط الحياة الإستهلاكي، و اعتمادا أيضا على مطابقة مبدأ الواقع لمبدأ ما يجب أن يكون عليه كل وضع، ليعوض طابع الإتضاع كل مثالية متعالية، وفي الوقت نفسه يكون الانسجام مع النظام القائم. وقد أوضحت حملة ماركوز النقدية الطريقة التي تم من خلالها تكييف الوعي بما يتوافق مع توجه منطق السيطرة، و لأن العملية جد متشعبة و تطال مختلف الميادين و عناصر الوجرد الإنساني من لغة و فكر ووعي بمقاصد الأمور، كان موقف ماركوز يتحرك نحو اتجاه واحد يبرز أن هناك عمليات تشكيل و تكييف مذهبي مخطط لها بإحكام، و السعي من وراء ذلك هو الهيمنة على الانسان فردا و جماعة، و منه التحكم في ردود الأفعال والمواقف التي يفترض لها دائما أن تكون في خدمة النظام القائم. بعد مواقف الوصف و التحليل التي باشرها ماركوز لتشريح واقع المجتمع الصناعي المعاصر و الذي أصبح يثير تساؤلات حول نتائجه ووقعه على حياة الإنسان، كان الانتقال الى البحث من تداعيات الاحتكام الى منطق السيطرة، و إخضاع الإنسان لنموذج حضاري معين يحيل عن الى جعل الانسان طيع خاضع، و مندمج في نمطية تكيف تفكيره ووعيه باستمرار، لتطيل أمد التوجه العام الذي تكرسه إرادة تتحكم في أغوار الطبيعة الغريزية و الذهنية  بمساعدة عقلانية تكنولوجية كإرادة معنوية ترافق كل ممارسة عملية و كل تفكير نظري، لذلك فقد كان الإهتمام بحجم التضحيات التي يقدمها الإنسان مقابل التقدم الحضاري. وبتتبع نتائج هذ المشروع الحضاري، نلمس أثره على مناحي الوجود الإنساني، باعتباره أدخل تغييرات كثيرة من خلال إعادة تشكيل البنية الثقافية والسياسية والإقتصادية، فكان من إفرازاته مظاهر القلق و الشعور بالإغتراب ضمن منظومة هذا المجتمع، وإن كانت ظاهرة الإغتراب موجودة في المجتمع الرأسمالي من قبل، إلا أن تزايد حدة هذه الحالة جعلت ماركوز يبحث عن أسبابها وعن آثارها؛ وما إذا كان الإغتراب إفراز طبيعي لهذا النموذج الحضاري أم هو نتيجة يتطلبها استمرار النظام القائم؟

أولى ماركوز لظاهرة الاغتراب اهتماما كبيرا من حيث التحليل و النقد، ليبرز أنها حالة متميزة تمتد تأثيرها الى مختلف نشاطات الإنسان الفكرية و الثقافية ، بحيث تحمل هذه الظاهرة الإنسان على الوعي بمدى ضآلته أمام هيمنة النظام الإجتماعي القائم. ورغم وعي الإنسان بذلك إلا أنه لا يبدي مقاومة أو إرادة تصحيح وتغيير، وفهم الإغتراب يفرض دوما “وصف لحال الإنسان الواقع تحث هيمنة سلطة ما تسلبه ذاته وماهيته و إمكانياته، وتدفعه الى واقع مغاير لحقيقته تماما”.[1] حتى وإن اختلفت وجهات نظر المفكرين لطبيعة القوة أو السلطة التي تسلب الإنسان، وتحيله الى اغتراب مع ذاته ومع الآخر المختلف؛ والبحث في الأسباب التي تجعل من الإغتراب نتيجة حتمية يكشف عن مدى ضلوع آليات الاستلاب التي تمارس على المستوى الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي، وبصورة أشمل على المستوى الثقافي، لتتحول حالات الاغتراب الحاصلة الى مناخ بسمح بممارسة مستمرة لإستلابات ليست بالتقليدية في تصور ماركوز، فالوضع القائم اقتصاديا يفرض وضعا سياسيا واجتماعيا، ومنه فحضور الإستلاب على مستوى ما يستدعي امتداده الى مستويات أخرى، وبذلك يكون اغتراب الانسان على الحدة التي تطال كل أبعاده، ومتى عدنا الى مراتب التقدم التقني و الرفاه الذي يوفره مجتمع التصنيع المتقدم نلاحظ أن الأداء السياسي موجه أيضا وبإحكام نحو استلابات تطبع الحياة الإجتماعية ليهيمن على كل المنتوج الثقافي. والمميز في عرض ماركوز لظاهرة اغتراب الإنسان ضمن مجتمع الرفاه هو أن آليات الاستلاب المعتمدة ليست معهودة، أن الإنسان المندمج في إطار المجتمع القائم، وإن أدرك ضياعه وإغترابه، فهو نفسه الذي يدافع عن استمرار وضع الاستلاب لديه فالمجتمع القائم يستنفره دفاعا عن مكتسباته الوهمية، وقد تم تشكيله وتنميطه ليصبح متعلقا وعالقا بصنمية السلع وتلبية رغباته الزائفة، لكن مع استثناء يأمل من خلاله ماركيوز تحقق الوعي السالب الذي يوظف إمكانات التغيير، فيربط مصير الخلاص من الإغتراب ـ كونه ليس قدرا محتوما ولا وضعا أبديا ـ بقوة الطلاب، والمهمشين، ومجموع الفئات التي لم يشملها التنميط، وبالإضافة الى الاستلاب كسبب يتحدث ماركيوز عن دور التشيؤ الذي يجعل من علاقات الناس خاضعة لمعيار الأشياء والسلع، فمتى  تجسد هذا الغرض تضاءلت أبعاد وجود الإنسان، ليحل التشيؤ الموقع الرئيسي في تحديد العلاقات العامة بين الأفراد، مما  يزيد من اتساع الهوة بين الإنسان وذاته ومجتمعه. أو كما يقول يورغن هابرماسJürgen Habermas : “إن عالما مشيئا، هو بالتعريف، عالم جرد من إنسانتيه”.[2]

إذا كان وعي الإنسان بإغترابه يفترض أن يقود الى تجاوز وضعه، فإن ماركوز يرى أن نموذج الوعي المشكل لا يقوى على رفض قيوده، ومنه فالإنسان الطيع الإمتثالي لا يأمل حتى في التحرر كونه يتوهم حريته ضمن الوضع القائم، أما الإنسان الذي لم ينل منه التنميط فيمكن أن يتحول بوعيه الى تجاوز حالات اغترابه، وقد اهتم ماركوز بإبراز مدى مصادرة الوعي الأصيل وتعويضه بوعي زائف تفرضه عقلانية في جوهرها لا عقلانية مستبدة. وبذلك تتحدد عند ماركيوز السلطة التي تسلب الإنسان وتحيله قسرا الى الإغتراب عن ذاته ومجتمعه، وهذه السلطة تتمثل في قدرة المجتمع القائم على تجسيد توجهه اللاعقلاني الذي يحتوي الإنسان ويسلبه مضامينه الأصيلة، ويختزل أبعاد وجوده في بعد واحد هو البعد الإجتماعي الذي يفرضه مبدأ الواقع. ويكشف ماركوز عن إدانته لعقلانية المجتمع الصناعي المتقدم، والتي يسمها باللاعقلانية لأن تأثيراتها تمتد الى جميع مجالات الحياة مفرزة حالة اغتراب حادة تماثل حالة انصام أو تناقض الأنا مع الواقع.

يقيم ماركيوز ربطا بين ظاهرة الإغتراب والطريقة التي نظم بها العمل، بذلك عن الربط الميتافيزيقي الذي اتسمت به تحليلات لودفين فيورباخ Ludwig Feuerbach ، في حين يتقاسم النظرة نفسها مع كارل ماركس Karl Marx الذي ربط هو الآخر الإغتراب بالعمل وبقدرة عملية الإنتاج على استلاب الإنسان، فالسبب عنده اقتصادي بالدرجة الأولى “وقد أعلن ماركس أن تقسيم العمل الإجتماعي لا يتم على أساس عمل أي حساب لمواهب الأفراد ومصلحة الكل، بل يحدث وفقا لقوانين الإنتاج الرأسمالي للسلع فحسب، وبمقتضى هذه القوانين يبدو أن ناتج العمل، فهو السلعة، يتحكم في طبيعة النشاط الإنساني وغايته .. ويصبح وعي الإنسان ضحية لعلاقات الإنتاج المادي”.[3] فالاختلاف بينهما في الآليات التي تحدد صورة العمل إذ نجد ماركس يوضح أنه من المفترض أن العمل هو الأداة التي يحقق بها الانسان وجوده الذاتي وهو الوسيلة التي يبلغ من خلالها و بواسطتها سعادته، و”أن العمل في شكله الصحيح وسيط يستخدمه الإنسان في تحقيق ذاته على النحو الصحيح، وفي سبيل تنمية إمكانية كاملة. أما في صورته الراهنة فإنه يشكل كل الملكات الإنسانية ويحول دون إشباعها”.[4] كما أن وضع العامل في ظل نظام الإنتاج الرأسمالي يكشف عن مدى الإستغلال الذي يبقيه مستلبا لا أن يلبي بعض من حاجياته، وكلما زاد الإنتاج وفرة زاد عناء الإنسان واغترابه؛ بينما نجد ماركوز يرى أن معطيات العمل قد تغيرت بشكل كبير فالجهد البدني عوض بالجهد الذهني، وحياة الحاجة والنقص عوضت بحياة الوفرة و الاستهلاك وتبدو الفكرة مشتركة بينهما، ويبقى الاختلاف في شروط العمل، فتحليل ماركس يقارن بين إغتراب الإنسان عن عمله كونه لا يستفيد من جهده، و أن العامل مع طول الساعات التي يقضيها كأوقات عمل لا ينال في النهاية من جهده إلا القليل الذي يبقيه مستغلا؛ في حين يرى ماركوز أن ظروف العمل أصبحت أسهل، وساعات العمل الطويلة قلصت الى ساعات محددة، غير أن الإستلاب امتد لساعات الفراغ، فالتسلية آلية إلهاء يوظفها مشروع السيطرة. يعي استلابه واغترابه دون رفض أو مقاومة وكأن الوضع صحي، في حين يرى ماركس أن العامل يدرك اغترابه ويعي الكيفيات التي يتم من خلالها استغلاله، فيفترض لها حلولا تصحيحية؛ ويوضح ماركوز تصور ماركس لطبيعة الوعي السائد “حيث أن العلاقة السائدة بين الوعي و الوجود الإجتماعي هي علاقة زائفة ينبغي تجاوزها وتركها جانبا قبل أن تظهر العلاقة الحقيقية الى النور. وهكذا فإن حقيقة الموقف المادي تتحقق في سلب هذا الموقف ونفيه”.[5] ومنه يبرز اختلاف نسبي آخر عند ماركوز فالوعي الزائف هو مشكل وقصدي، وليس نتيجة عرضية، كما يرى أن سلب هذا الوضع غير ممكن، لأفول القدرة على النقد والرفض التي تم احتوائها، وهنا ندرك أن اغتراب الإنسان عند ماركوز صورة جديدة لم تشر إليها تحليلات ماركس.

إن الاغتراب في تصور ماركس مرتبط بظروف أوجدته، ومتى تم تغيير هذه الظروف صار القضاء عليه ممكنا، لأن “الماركسية لا تعتقد أن الإغتراب هو حالة أبدية، أو أنه لعنة لا يمكن التخلص منها أو رفعها عن الإنسان، لأنه نجم في الأصل عن وجود بعض الملابسات والأوضاع والظروف التاريخية وبذلك فإنه يمكن تغيير هذه الحالة إذا تغيرت هذه الظروف الإجتماعية والإقتصادية وقام نظام أفضل”.[6] فماركس لا يقف عند حدود فهم الظاهرة فحسب بل ينتقل دائما الى العمل على تغييرها وتصحيحها عبر عمل ثوري معين، في حين يأخد ماركوز بالبعد التاريخي للإغتراب لكنه يؤجل العمل الثوري لإنعدام عناصره، بحكم أن المجتمع القائم استطاع أن يقضي على العناصر التقليدية التي يفترضها ماركس كأدوات للثورة، فإنسان الثورة عندهما مختلف.

ولعل المتأمل في كتابات ماركوز يدرك مدى الترابط بين تحليلاته النقدية والبدائل التي يقترحها أو التي يكتفي بالتلميح إليها، لذا فمن غير الممكن أن ندرك بوضوح تصوره لحالة اغتراب الإنسان دون العودة إلى حملته النقدية التي طالت نموذج الحياة في المجتمع الصناعي المتقدم، حيث “يرى ماركوز أن اغتراب الإنسان المعاصر نابع من الضغوط و التوجهات التكيفية التي يفرضها المجتمع الصناعي المتقدم عليه، والتي تؤدي الى كبت رغباته وإحتياجاته الذاتية و الحقيقية، وطاقاته الغريزية الطبيعية، وقدرته على الرفض والسلب”.[7] وعلى هذا الأساس فإن الإغتراب نتيجة لممارسة فرضتها عقلانية السيطرة على إنسان المجتمع الرأسمالي و الإشتراكي، ومن تم فالإغتراب ليس قدرا محتوما بل هو محصلة ظروف وعوامل قصدية أوجدته، ومتى أمكن تغيير أسباب هذه الظاهرة كان متاحا رفع حالة الإغتراب عن الإنسان. وهنا يبدو انسجام رأي ماركوز مع موقف النظرية الماركسية حول هذه المشكلة لكن لا يعني ذلك التطابق التام بينهما، فهناك إختلاف آخر مع تصور ماركس حيث الإنسان المغترب لديه ينتمي الى طبقة البروليتاريا، أما ماركوز فيسقط الإغتراب على كل إنسان داخل المجتمع الصناعي المتقدم، ويبدو أن ماركوز بتعميمه هذا قد لا يضمن صدق فكرته وقد يوصف موقفه بالذاتي لكنه تصور أفرزته اختلافات سابقة مع أفكار ماركس، فجاء تأكيد ماركوز على “أن الإنسان في مختلف الطبقات و الفئات و الوظائف بل في مختلف المجتمعات المعاصرة، يعيش حياة الإغتراب و التشيؤ. فهو طابع الحضارة الصناعية المتقدمة في أي مكان”.[8]

إن الإنسان المغترب مستعبد وبليد، فهو لا يعي عبوديته بل يعتقد بصورة راسخة أن وضعه يمثل تمام الحرية، ولأن الإنسان حاصل عملية تشكيل مستمرة يصبح وسيلة لغاية، هي الإبقاء على النظام القائم وإطالة أمد السيطرة، لأن “الإغتراب عند ماركوز تابع في المقام الأول من كونه موجودا لآخر، لا موجودا لذاته”.[9] ويتأكد أن وجوده ليس أمرا عارضا بل هو عامل تم إقحامه ليطبع حياة الأفراد، ومن السهل إدراك وظيفته لإحكام السيطرة. فإذا كان الوعي الأسطوري يصل بالإنسان البدائي الى توحد تام بين الإنسان و الطبيعة من جهة، وبين الإنسان وقبيلته من جهة أخرى دون أن يحدث انفصام أو شعور بالإغتراب، فإن التوحد الحاصل و المتجسد في المجتمع الصناعي المتقدم يحتوي الإنسان ليجعل منه موجودا لآخر وليس موجودا لذاته، هذا الآخر هو الغرض العام الذي تتوجه صوبه كل عمليات التشكيل التي تطال الإنسان، فبموازنة بسيطة بين وضع الإنسان في النموذجين البدائي و المتقدم نجد أن “الإنسان في هذه المراحل المبكرة لم يكن مغتربا من العمل الذي يمارسه أو من أدوات الإنتاج التي يستخدمها في العمل، أو من السوق الذي ينتج له، وإنما كان على العكس من ذلك تماما يحقق ذاته ووجوده الإجتماعي في ممارسة العمل الذي كان ينظر إليه كوحدة لا تتجزأ ويشارك في أدائه على هذا الأساس وبهذا المعنى “.[10] ويفهم من ذلك أن الإنسان في المراحل المبكرة كان يمثل طرفا أساسيا في العملية الإنتاجية، وكان العمل وسيلة تتبت وجوده دون اغتراب، فليس العمل دافع حتمي الى الإغتراب، و إنما قد تكون ترتيبات ودوافع السيطرة هي العلة المباشرة لإحداثه كمشكلة بين العامل وذاته ووسيلة عمله، وهناك من “ربط الشعور بالإغتراب وبالتطور التكنولوجي السريع للحضارة المعاصرة، وأن هذه السرعة في التطور أعجزت الإنسان من اللحاق بها فتقهقر أمام ما تطرحه  التقنية الحديثة من أمور لا يفهمها الإنسان ولا يتمكن من اتخاذ أي موقف تجاهها”.[11]  وهو أمر قابل للتصحيح كما انه وضع طارئ أفرزته التحولات التي رافقت تطور نظام العمل؛ لذا رأى ماركوز “أن مفهوم الإستلاب يصبح إشكاليا عندما يتوحد الأفراد من الوجود المفروض عليهم ويجدون فيه تحقيقا وتلبية، وهذا التوحد ليس وهما، وإنما هو واقع. بيد أن هذا الواقع لا يعدو أن يكون هو نفسه سوى مرحلة أكثر تقدما من الإستلاب”.[12] ويبرز أصل المشكلة بجلاء، بحيث ترتبط بالوجود المفروض على الأفراد فهو أصل الإغتراب، لأنه لو كان الوجود يعكس مناخا للحرية لما عرف الإنسان حياة الإغتراب، كما هو الحال بالنسبة للإنسان البدائي، فهو مندمج مع الطبيعة ومع ذلك لا يعيش اغترابا أو تناقضا مع وجوده الحر لذلك يدين ماركوز عقلانية السيطرة بضلوعها في خلق هذه الحالة.

إذن الإغتراب نتيجة قصدية، تندرج ضمن آليات التشكيل التي تسلب القدرة على النقد و المعارضة وتغييب آليات التفكير السلبي البناءة، فيحصل الإقرار بسلامة ما هو قائم “هذا التفكير هو مظهر من مظاهر اغتراب الإنسان”.[13] فالذهنية العاجزة عن ممارسة نقد الذات ونقد الآخر، ولا تدرك مدى الزيف الذي يطبعها، فهذا الوضع يوصف بالإغتراب الحاد، ولعل تصور ماركوز لإغتراب الإنسان يدنو من تصور اريك فروم Erich Fromm الذي يرى “أن الإغتراب هو نمط من التجربة يرى الفرد نفسه فيها كما لو كانت غريبة عنه فالفرد يصبح إذا جاز التعبير منفصلا عن ذاته”.[14] وقد أبرز ماركوز في أكثر من مقام أن الإنسان نتيجة تشكيل وتطويع مستمر بحيث تغدو ذاته المشكلة غير ذاته الأصيلة أو المفقودة بعد أن تم دمج أبعاد المثالي لديه في ما هو قائم وبعدما اقتيد الى حياة الاستهلاك التي لا تتوافق ومتطلباته الحقيقية ليس إذن الإغتراب عند ماركوز انفصال الإنسان عن ذاته بل هو تغيير لذاته وتنميط لها بما ينسجم و الغرض العام لعقلانية المجتمع القائم.

إذا كان الجانب الفكري قد تأثر بحال الإغتراب فإن الجانب اللغوي أيضا يشمله نفس التأثير، وقد انتبه “اريك فروم” الى حالة اغتراب اللغة “فاللغة تصبح مغتربة عندما تقع تحت وهم أن نطق الكلمة يساوي الشعور بها”.[15] ويبدو أن امتداد تأثير حالة الإغتراب يزداد اتساعا فينال من اللغة و الفكر كما ينال حتما من الوعي. “والملاحظ أن هذا النوع الأخير من خداع اللغة يتحدث عنه ماركوز أيضا، فيرى أن المجتمع الصناعي المعاصر يلجأ الى الإكليشيهات و العبارات المرعبة، الأمر الذي  يزيف الدلالات ويميع المعنى الحقيقي للأشياء”.[16] و الواقع يكشف زيادة حدة الشعور بالإغتراب في المجتمع المعاصر وتأثيره العميق في الوعي الفردي و الجماعي نظرا للتغيرات الكبيرة التي ما تزال تلحق بوجود الإنسان، كما يفيد أيضا مدى تعقد موضوع الإغتراب، وتعدد مجالاته ومستوياته، فهناك اغتراب الذات و الفكر و اللغة و الإغتراب الإجتماعي الذي يحركه على الأكثر العامل الإقتصادي، وقد انتبه ماركوز الى مدى تشعب هذه الظاهرة، فكانت تحليلاته تتسم بالشمولية وترتكز بشكل حذر على اعتبار الإغتراب نتيجة لسياسة الإحتواء و السيطرة المعتمدة من طرف عقلانية المجتمع الصناعي المتقدم.

ينتهي ماركوز الى اعتبار حالة الإغتراب مقياسا يدرك من خلاله مدى ضآلته أمام آلية الإنتاج، و النظام الإجتماعي القائم، مع تأكيده أن الإغتراب آلية سيطرة، لذلك أدان العقلانية التي يتبناها المجتمع الصناعي المتقدم، وتقاطع ماركوز مع ماركس وفروم في الكثير من العوامل التي تفرز هذه الظاهرة، خاصة طريقة تنظيم العمل، واعتبر أن الاغتراب ليس قدرا محتوما، ولا وضعا أبديا، بل هو ظاهرة تزول بزوال أسبابها، وقد نبه ماركوز الى خطورة أن يتحول الإنسان الى مجرد أداة لتحقيق غاية، و أن يتحول وجوده ليصبح شرطا لوجود الآخر ، فرفض التفكير الإيجابي الطابع و الإمتثالي و اعثبره مظهرا من مظاهر الإغتراب، كما أشار الى التحول الكبير الذي لحق اللغة حيث فقدت دلالة المطابقة بين الكلمات ومعناها الحقيقي، وكان موقفه منسجما حين ربط بين توهم الحرية في إيطار المجتمع الصناعي المعاصر واستحالة الثورة و التغيير الراديكالي، خاصة وأن عملية تنميط وتشكيل الوعي مستمرة، فكان اغتراب الإنسان نتيجة حتمية لجملة هذه العوامل.

[1] سهير عبد السلام: مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركيوز، دار المعرفة الجامعية، مصر دـط ، 2003، ص 22.

[2] يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة ، ترجمة فاطمة الحيوشي، منشورات دار الثقافة دمشق، د ط ، 1995م، ص 127.

[3] هربرت ماركوز: العقل و الثورة، هيغل ونشأة النظرية الغجتماعية، ترجمة فؤاد زكريا، الهيءة المصري للتأليف، مصر1970، ص 267.

[4] المصدر نفسه، ص 217.

[5] هربرت ماركوز: العقل والثورة، مصدر سابق، ص 228.

[6] أحمد أبو زيد: الإغتراب، عالم الفكر، الكويت، وزارة الإعلام، الد 10، العدد 1،1979م، ص 6.

[7] سهير عبد السلام: مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركيوز، مرجع سابق، ص 43.

[8] المرجع نفسه ، ص 48.

[9] المرجع نفسه ، ص 51.

[10] أحمد أبو زيد، الإغتراب، مرجع سابق، ص8.

[11] عبد الله لخطيب: الحضارة و الإغتراب، النبوغ للطباعة والنشر و التوزيع، بيروث، ط 1 ، 198م، ص21

[12] هربرت ماركيوز: الإنسان ذو البعد الواحد، طرجمة جورج طرابيشي، دار الىداب بيروث، 1988، ص47.

[13] سهير عبد السلام: مفهوم الإغتراب عند هربرت ماركيوز، مرجع سابق، ص56.

[14] قيس النوري: الإغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا، عالم الفكر، الكويت، وزارة الإعلام، الد 10، العدد 1، 1979م، ص18.

[15] يحيى عبد الله: دراسة تحليلية لشخصية الطاهر بنجلول الروائية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروث، ط 1، 2005م، ص 28.

[16] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

 

شاهد أيضاً

المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر

سامي عبد العال  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر مع كل إشارة إلى الذكرى السنوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *