الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / جان بوبيرو: العلمانية المزورة، أو في التحوير الفرنسي لروح قانون 1905

جان بوبيرو: العلمانية المزورة، أو في التحوير الفرنسي لروح قانون 1905

كوة: رشيد العلوي

كان لإسهام السوسيولوجي والمؤرخ الفرنسي المعاصر جان بوبيرو (1941) دور كبير في إعادة الاعتبار للنقاش حول العلمانية الفرنسية منذ ما يقارب ثلاثة عقود ونيف كمدرس لسوسيولوجيا الأديان ومؤسس لسوسيولوجيا العلمانية والرئيس الشرفي للكلية التطبيقية للدراسات العليا، بحيث كتب ما يزيد عن ثلاثون كتابا نذكر منها أساساً: كتابه الرزين “نحو ميثاق علماني جديد” (1990)، “التعددية والأقليات الدينية” (1991)، “العلمانية بين الانفعالات الهائجة والتفكير العقلاني” (2004)، “العلمانية في العالم” (2007) والذي ترجم إلى أربعة عشرة لغة.

في سنة 2012 أصدر كتابه السجالي: “العلمانية المزورة”، والذي وضع فيه بعض الإشارات الأساسية حول الحاجة إلى الحفاظ على قانون 1905 الذي وضعه الفرنسي جان جوريس، كلبنة أولى لتأسيس ومأسسة العلمانية بما هي حل عملي للفصل بين الدولة والدين، فهو كقانون يشمل مختلف القوانين التي سبقته (الفصل بين الزواج المدني والزواج الديني 1792، الطلاق 1884…). ويشدد أن السجال السياسي حول سؤال العلمانية في فرنسا يتناقض كليا مع روح العلمانية الفرنسية التي تشكل استثناء في العالم من جهة طابعها التأسيسي والتعايشي واحترامها لمختلف الأقليات دون أن يتنكر لمزايا النماذج الأخرى من العلمانية في العالم، فعلمانية البرازيل وكندا والمكسيك والولايات المتحدة سبقت علمانية فرنسا، رغم ما يشوب بعضها من المصالحة مع الدين أو التعايش معه. كما بنى حجاجا سجاليا مع دعاة “العلمانية الجديدة” من أنصار اليمين واليمين المتطرف، مؤكدا أن فرنسا تعيش ردة سياسية بعد استغلال اليمين – بمختلف أقطابه – للخطاب حول الاسلاموفوبيا لتمرير مغالطات وتمويهات تهدف من ورائها تسويق خطاب الترويع والحقد، وما على اليسار الفرنسي إلا أن يتشبث ب”العلمانية التاريخية” بدل الاستسلام لخطاب دعاة “العلمانية الجديدة” لأن الأمر يتعلق بتزييف للتاريخ وبتحوير لروح التشريع الفرنسي العلماني، فمهما حاولنا تلطيف الصراع وحدته في الجمعية التأسيسية فلن نفلح من ربح المعركة السياسية مع أقطاب اليمين، لأن تاريخ العلمانية الفرنسية هو تاريخ الصراع، وهو ما يستدعي تقاطبا سياسيا جديدا بين الاشتراكيين وحلفاؤهم السياسيين لمواجهة الخطط السياسية التي تهتك حقوق الأقليات الدينية وتستغل الخطاب الدعاوي لنمو خطاب مواز ومضاد يحمل الكراهية للأقليات الدينية وهو ما يضرب بعرض الحائط كل مكتسبات الجمهورية العلمانية. لأن النقاش حول الحجاب مثلا أو ارتداء الرموز الدينية في المدارس والجامعات عموما، ينعكس سلبا على نفسية الأقليات الدينية وعلى وضعها الاعتباري في الوظائف وينمي الحقد المتزايد بين مكونات المجتمع الفرنسي مما يغذي نظرية “انشطار المجتمع” وتشظي اللحمة الاجتماعية والرابطة الروحية للأفراد.

عمل بوبيرو على الثنائية المفهومية: “العلمانية التاريخية” و”العلمانية الجديدة” لبيان طبيعة الصراع السياسي الذي يخترق المجال العمومي السياسي الفرنسي اليوم والذي سيستمر لعقود ولربما تتمخض عنه تحولات جذرية على مستوى التشريع قد تعصف بالمكتسبات التاريخية هكذا أطلق صرخته: “يجب، وبشكل مستعجل، وقف ممارسة سيَّاسة النعامة التي تنتعش من الحقد والخطاب الأخلاقي دون أيَّة فعاليَّة اجتماعيَّة تذكر”، لأن الإصلاح السياسي يترافق بتعزيز الديمقراطية وتجذيرها وبنهج سياسة اجتماعية فعالة تستجيب لمتطلبات المواطنين، لذلك يرى أن استبدال العلمانية الحالية التي زكتها الإرادة الشعبية بعلمانية “جديدة” قمعية وتسلطية تفوض الفضاء العام لسلطة التسليع وللعولمة المالية بدل جعله مجال للحرية و”للمواطنة الكونية” من شأنه أن يعصف بكل المكتسبات التاريخية.

شغل بوبيرو مناصب مسؤولية عديدة، وساجل أعضاء المجلس الأعلى للاندماج واقترح في الحملة الانتخابية سنة 2012 برنامجا جمهوريا لإعادة بناء العلمانية، وهو يدعم الحزب الاشتراكي ويدعو مناصريه إلى تكثيف العمل وتقوية خطاب العلمانية التاريخي لمواجهة خطاب التمكين الذي يهدف إلى فرض قيود على الحريات الفردية في مجال التعبد والاعتقاد والاختيار الجنسي والثقافي واللغوي. وقد استند في نقده للمجلس على الدراسة السوسيولوجية الحديثة التي أنجزها جوليان بيوجي وعبد العالي حاجات بتقييم المجلس الاستشاري للاندماج من سنة 1981 إلى 2012، لفهم التحول الذي طرأ على مرجعيات المجلس وانتقاله من خطاب علمي أكاديمي إلى خطاب إعلامي مهيمن وخطاب الانفعالات الهائجة، حيث يقول: “اتجهت براهين المجلس بشكل عام في العقدين الأخيرين نحو التقهقر من خطاب عالِم حول العلمانية إلى خطاب المشاعر الهائجة الذي يلغي العقلانية والتحليل العلمي. لقد غضوا النظر عن إرث التنوير مرة أخرى”. فمؤيدي العلمانية التسلطية والقمعية من زوايا مختلفة يُكذب عليهم بأنها علمانية غاليكانية أو هوياتية

تمثل كتابات بوبيرو سجلا تاريخيا يعمل من خلالها كمؤرخ وكسوسيولوجي على توثيق الوقائع السياسية الجارية في المجال السياسي الفرنسي متشبثا بإرث فلسفة الأنوار وبعدم التنازل عن المسار التاريخي لتطور النظام العلماني في الممارسة السياسية وفي التشريع معا. وهو يحث على عدم الفصل بين الحداثة والعلمانية، لأنه لا وجود لنظام علماني تقليدي أو محافظ بل حديث يوسع مجال الحرية ويعزز الديمقراطية الشاملة لصالح كل أفراد المجتمع أقليات كانت أو أغلبية، لأن تجاوز نظرية الانقسام الاجتماعي والتشظي الهووي ينبغي أن يترافق مع سياسة اجتماعية وإصلاح ديمقراطي قادر على توطيد الرابطة الاجتماعية بين المواطنين في اختلافهم وتنوع رؤاهم للعالم وحقهم في ممارسة تعبداتهم كشأن خاص يضمن لهم حرية الضمير. إنها معركة اليسار ضد اليمين واليمين المتطرف مما يستوجب بيان أن “العلمانية” لست واحدة، فالعلمانية التي يدافع عنها اليسار معارضة تماما لتلك التي تتبناها مارين لوبين. ولتحقق هذا الهدف، يتوجب التمسك بمبادئ قانون 1905″.

يبقى أن النقاش الذي كرس له بوبيرو كل مساره المهني والنضالي في سبيل عدالة اجتماعية حقيقية، رهان التفكير الفلسفي الرصين الذي يأخذ بعين الاعتبار التراكم التاريخي ويبحث عن حلول سياسية وعملية لمعضلات المجتمع كيفما كانت درجة خطورتها. إلا أن آراءه تقبل السجال والدحض في الاستراتيجيات الكبرى التي تحكمه وفي الاختيارات العملية لسياسة رأسمالية ناعمة تلطف الصراع مع غول الرأسمالية المتوحشة.

شاهد أيضاً

الاغتراب في الوجودية الجزء 1

علي محمد اليوسف  اغتراب المثقف  يختلف ايضا عن الاغتراب التي بشرت به الفلسفة الوجودية الحديثة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *