الرئيسية / منتخبات / عامة /  صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء

 صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء

سامي عبد العال

 كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر

هناك سمةٌ مشتركةٌ في خطابات الإسلاميين المتطرفين: كونَّها كلاماً ينحدر بأهدافها من أعلى إلى أسفل حيث ضجيج التفاصيل، وحيث إيراد المبررات الواهية فيما ينحدر إليه تداول الخطاب من أهدافٍ. ذلك بسرعة خاطفةٍ تُجاري سرعةَ الضوء بلا إنذار، كما أن تعقد الواقعٍ وصعوبة ترويضه يجعل الأهداف تتقلص في المعنى والأهمية. فإرضاء الله هو الهدف الأكبر- كما يقولون – لمجمل أعمالهم( تحديد الغاية )، ثمَّ يتلُوه الموت في سبيل الله ( وهو الجهاد )، ليأتي السيرُ على خطى الرسول إلى نهايتها ( توحُداً بالمثال القابل للممارسة ) وعليه ينشدون تطبيق الشريعة وصولاً إلى المجتمع الإسلامي بمعناه التاريخي ( الامتداد الزماني الأفقي ).

لكن محطات كهذه تنحرف عكسياً إلى درجة التفاهةِ عند فتاوى المصافحة بين الجنسين وحلق اللحية وتقصير الجلباب وارتداء النقاب وآداب خروج المرأة إلى الحياة. أي أنَّ الجهاد السابق كان تمسكاً بالدين الشكلي لفرز الناس فرزاً مادياً ودمغ العقول بمفاهيم حرفية لا تقبل النقاش. وفوق هذا وذاك يُوفر ملاذاً آمناً لتقاليد ثقافية بائدة في المجتمع الأبوي. بل ربما يستدعي هذا الحال معالم النزعة الأبوية بكل حفرياتها المتصلة بالتراتب والسلطة والعلاقات بين الأفراد والطبقات ضمن عصور التاريخ. إذ ذاك تنقلب علاقة الوسائل والغايات إلى فوضى دون اهتمام بالأولويات. فتصبح الغاية ( إقامة الشريعة ) وسيلة لاقتناص مُتع الحياة، وتمسي الوسيلة (العلاقة بين الجنسين ) غاية بذاتها. تكون المرأة محورها في الدنيا والإستيهام الخيالي حول الحور العين في الآخرة[1].

والتساؤل المهم: كيف تمثل هشاشة التفكير أداءً خطيراً لقضايا حيوية كقضايا المرأة ؟ هل الدين الشكلي نوعٌ من التحلُّل( كتحلُّل الجيف ) لخلافة سياسية تسوس أجساد الناس دون العقول؟! هل تُكَّوِن المعتقدات ظواهر هامشية تحتل متن الحياة بحيث يدافع عنها معتنقوها كأنَّها الدين كلُّه؟!

إذا أردنا توضيحاً، فالحال مثل كائن خرافي يُولد عملاقاً بارتفاع السماء، لكنه فجأة يتقزَّم بفعل القصور الذاتي( كحيوان القنفذ ). وقصور الإسلاميين ذاتياً أنَّهم يمارسون إدارة الحياة وشؤونها بصورة عنيفةٍ ساذجة. إنَّ مفاهيم الإله والنبي والشريعة لا تنضح بجوفها مباشرة. فيلزم وجود ممارسات يومية يُعاد تدويرها بحسب قهر المعايير والآليات الخطابية. والمرأة أبرز من تتلقى الأثر الإقصائي للمتشددين.

إذ في العادة يردد الإسلاميون عبارات مثل: رفقاً بالقوارير، وأنَّهن خُلقن من ضلعٍ أعوج، وأنَّهن شقائق الرجال، وأنَّه لا يكرمهن إلاَّ كريم ولا يهينهن إلاَّ لئيم. ورغم ذلك لم يتراجعوا عن تحطيمها أو تعبئتها بسموم الكراهية. فهم يدركون أنَّ المرأة موازيةٌ لبناء المجتمع، وإذا امتلكوها- بضربةٍ واحدة – رغبةً وحساً وكياناً، فلقد ضمنوا إخضاع باقي العناصر وضمنوا أجيالاً تاليةً تحمل أفكارهم.

ولتأكيد إعادتها إلى دائرة الذكورة، دوماً يبادر الإسلاميون بوصم المرأة أخلاقياً داخل الحضارة المعاصرة لدرجة الاتهام. على سبيل المثال المرأة برأي سيد قطب أصبحت آلة للغواية والزينة والغريزة والإيقاع بالذكور في حبائلها. وأنَّ العلاقة بين الجنسين مردُّها إلى النزوة والانفعال. وحين تترك المرأة رعاية الجيل، وحين يُؤثِر لها المجتمع عملاً، وحين تنفق طاقتها في الإنتاج المادي ولا تنفقها في صناعة الإنسانية، لأنَّ إنتاجاً مادياً يومئذ أغلى وأعز وأكرم من الإنتاج الإنساني، عندئذ يكون التخلف الحضاري بالقياس الإنساني… أو تكون هي الجاهلية بالمصطلح الإسلامي[2].

الاتهام المفترض هنا يعدُّه المتشددون حقيقة ثابتة كونياً. وسيد قطب بهذا يجر المرأة إلى مخالب الذكورة باسم الشريعة ويغيب كيانها الفاعل تبعاً لتوجهات أصحاب الغلبة. ولا يترك لها مخرجاً حراً، لأنَّ مجتمعها كلَّه جاهلي بالنهاية. مع أنَّ الفكرة إجمالاً ” وسيلة عاطفية أخلاقية ” لبث الخوف في روع النساء وضمان دخولهن خلف بابٍ لا يمتلك احدٌ بالأرض فتحه. وبالتوازي لم يقل أحدٌ إنَّ إنتاجاً مادياً أعز وأكرم من الإنسانية هكذا بسذاجة مفرطةٍ. فالفكرة تشكل ثنائية حادة غير صحيحة بالمرة. ولا ننسى أنَّ ذلك ضمن جماعة الإسلام التي تواجه (تُكَّفِر) مجتمعات الجاهلية[3].

وحتى لفظة ” النساء أو النسوان” فهي مفردة يلحقها الازدراء والسخرية في العبارات العربية الدارجة. وتقترن عادة بالأطفال والصغار باعتبارهم قليلي الحيلة والعقل والإرادة وعادةً يوضعون تحت وصاية الكبار. يقول أحد شعراء العرب: بأبي أَنْتَ إِنْ أَخِذْنَ وأُمِّي…ضَاقَ عَيْشُ النسْوان والصبيان. وكنوع من التفرقة بين محبوبته وغيرها أشار: خُلِقْتِ غير خِلْقةِ النسوانِ… إنْ قُمتِ فالأعلى قضيبُ بانِ. ويرصد شاعر آخر معنى مختلفاً: رأت حولَّها النسوانَ يرفلْن في الثرى … مقلدةً أعناقها القلائدُ.

وعلى نطاق أوسع كثيراً ما أورد ابن خلدون مفردة ( النساء والنسوان ) كعلامة على انحدار العمران وتبدل الأحوال…عندئذ يصبح الرجالُ من جملة العيال والنسوان!! والخلافة بمعطاها الإرهابي الراهن تعد علامةً لأفول الحضارة وخراب العمران. مما يبرز تصوراً غير مباشر يلاحق النساء: أنَّهن مقعدات بفعل فاعل ثقافي له إرادة اجتماعية على نطاق تأسيسي.

ويأتي ذكر النساء خلدونياً في مواضع متدنيَّةٍ بنفس النبرة الأخلاقية المستندة إلى رواسب سلفية محافظة. ففي كلامه عن كون( أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر ) يعبر: ” أهل الحضر أهل راحة ودعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم الحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم… وقد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلةَ النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقاً ينزل منزلة الطبيعة”[4].

إنَّ صاحب المقدمة يحدد نمط الثقافة العربية الإسلامية التي تُوالِّي تأكيد ذاتها برؤيتها للعالم واعتبار النساء كائنات فارغة المضمون. وأنَّهن مقولات حيوية بيولوجية لضرب من الانهيار الاجتماعي والوجودي. في مقابل تغذية نزعة ذكورية مرتهنة بالغلبة استطاعت وضع تأويلاتها للنص الديني لإدارة التصنيفات الاجتماعية إزاء الحكم والسلطة والآخر. بالتالي بدت مفردة النساء طُعماً سياسياً للتغلغل في المجال العام والهيمنة عليه[5].

يؤشر هذا إلى أنَّ مشكلة الإسلاميين تجاه المرأة ليست عملاً عارضاً ولن تكون، إنما تتولد المشكلة بالتواتر لأنَّ الموضوع مرتبطٌ أوثق الارتباط بفشلهم في بناء الدولة والمجتمع، وهي المسألة الأوضح على المدى البعيد. إنَّ أهدافاً كبري عندما تنكمش من تأسيس رؤى حضارية للحياة إلى مراقبة أجساد النساء أمرٌ يدعو للرثاء والتنكيت.

وربما الفكرة تكشف ذهنية الإسلاميين التي تقتل الإنسان بدعاوى التكفير، ومع ذلك تتداول فتاوى حول نزع شعر الإبط والعانة وقتل الذباب والبعوض أثناء العبادات. لقد تحول المسلم باسم الشريعة من ” كائن عاقل ” إلى ” خفير ” درك لنسوانه العاطلات من الحياة. ولو كانت القضية بإرادته لخلقهن بنقاب غليظ يحُول دون رؤيتهن، ولجعلهن كائنات عديمة الكتلة ضد قوانين الجاذبية والحركة والتجسُد. وكأنَّه يريد جنيات من جنس آخر يأتيها سراً ويتركها سراً في عالمها الخفي!!

أيضاً الأمر يوضح أنَّ الأدمغة التي تصْفُر بها الريح تطلُعاً إلى خلافةٍ دينيةٍ بحجم العالم دون مقدمات تنتهي إلى حكم سرير الزوجية تحت مبررات فقهية!! وكأنَّ سرير الزوجية هو كرسي العرش. فقد تجد أحدَّهم بليغاً في مقارعة الحجة بالحجة والحديث بالحديث والإسناد بالإسناد باعتبار النساء أشد فتنةً على أمة الإسلام من اليهود والنصارى!! بينما تدور حياته حول كونه مزواجاً مثنى وثلاث ورباع غارقاً في توزيع الأوقات والمشاعر والأحوال والرغبات عليهن. والأدهى أن تراه سطحياً في فهم المجال العام والتعامل مع الآخر. لأنَّه ينظر إليه بأفكار بدائيةٍ تهدم التنوع الفكري والعقائدي والسياسي. وبدلاً من الاندماج في حركة الحياة يعلن توقيفها عند حدود فاصلةٍ أساسها التفرقة الأيديولوجية إزاء المختلفين عنه.

طوال تاريخهم رفع الإخوانُ المسلمون شعاراً مراوغاً: ” الله غايتنا والرسول قدوتنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا “. وعندما جاءت بهم التجارب السياسية – في أكثر من دولة عربية- إلى السلطة كانت الدولة بالنسبة إليهم كـ” امرأة لعوب” يجب وضعها تحت الوصاية، ونزع تمردها، ولا مناص من ارتدائها النقاب الشرعي خوفاً من الغواية العلمانية. وتكرر الشعار بصيغ مختلفةٍ لدى السلفيين والجهاديين. وبجانب أنَّه كان يلازم دولة الخلافة بمضمونها الكوني. ولم يكن هذا ليشوِّه فقط علاقات الأفراد بالجماعة، بل ترك بصماته على علاقتهم بالعالم… لأنَّ ثمة تقسيماً حتمياً لهذه المساحة أو تلك من الجغرافيا بين دار الكفر ودار الإيمان، دار الشر ودار الخير.

هكذا اندفع الإسلاميون يطالبون بدولة الشريعة ويجاهدون على كافة المستويات. فهذا جهاد الحرب مع الأعداء وهو النوع الأصغر، وذاك جهاد نوازع النفس وغرائزها وهو النوع الأكبر، ليأتي سواهما جهاد تطهير المؤسسات والقوانين والدساتير دون تصنيف… ثم ريثما تتحقق الدولة الإسلامية، تهبط من مكانتها لتمنع اختلاطاً بين الشباب والشابات وتحرِّم التطفل على أحوال النساء وتحول دون مصافحتهن. لتواصل وضع المرأة داخل أسوار عالية من الحظر والمنع ليل نهار. حتى بات وقوف الرجل على أبواب الحياة وأمام السلطان والمؤسسات مثل وقوفه بين يدي زوجاته … كلها تعاليم عنيفة وراء أخرى أشد عنفاً بلا توقف. وبدت المرأة أكثر خطورة من النكوص يوم الزحف إذا حمي الوطيس وأشد خطورة من الكفار!!

بالنتيجة تعاطى الخطابُ الإسلامي مع المرأة  – وتلك مفارقة – بوصفها كائناً لا قيمة له ويجب احتكاره لصالح النكاح المتواصل. حتى قيل إنَّ الله يغضب بقدر ما يغضب لا لشيء في الدنيا إلاَّ لفراغ الأرحام من النطَّف. وأنَّ ذلك سبب بلاء الأمة وكربها المتواصلين!! وكأنَّ المسلم لا مكان له طوال حياته إلاَّ بين خدور النساء. لأنَّ حرصاً على امتلاء الأرحام يقضي بالعيش الدائم في ممارسة النكاح. إنَّ مسألة ( حُكم النساء ) كتجسيد لتلك الذهنية كان وراء استعمالهن في جهاد النكاح، واعتبار المرأة آلة زواج متواصل، ونكاح القاصرات، ووراء الخيال الشهوي الذي يعتبر الجنة متعاً حسية أبرزها الجماع الذي يفوق قوة سبعين رجلاً والطواف الليلي والنهاري على الحوريات.

ربما يعدُّ هذا أكبر عائق مدمر لأيَّة دولة ينشدها الإسلاميون تحت أية عناوين سواء سلفية أو وهابية أو داعشية انتظاراً لعناوين أخرى. وأكاد أجزم أنَّ الذهنية التي تستعمل كافة سلطتها لحكم ( النساء )، لن تقدم شيئاً سياسياً ومعرفياً واجتماعياً يفيد الإنسانية. لأن منطق تبريراتهم ينقلب على أفكارهم بنفس الطريقة، فكما أنَّهم يبنون الخلافة لتصبح ” سلطة جندرية “، فإنَّ تصوراتهم المحتقِرة للمرأة تنعكس على تفاصيل الدولة ضاربةً بنيانها من الجذور.

ولئن كان ذلك يبرز شيئاً، فهذا السلوك يعتبر الدولة ( غطاء الخلافة ) دائرةً لشهوة مركزية خاصة بالرجال. هي شهوة ذكورية حسية أساسها التسلط والمتع العنيفة مهما تمَّ نفي ذلك. فالحاكم( الفقيه، الجماعة، التنظيم، الخطاب ) الذي يقتل الآخرين بمنطق الأوامر الإلهية والتكفير هو نفسه الذي يدمن إتيان النساء. ويعتبر ركوب صهوة حصانه موازياً للمرور عليهن واحدةً واحدةً. وليس أوضح من تعامل الدواعش مع النساء تعاملاً قذراً… تأجيرهن وبيعهن في أسواق النخاسة وإهدائهن والاشتراك في وطئهن واستعمالهن في الترويح عن المجاهدين… واعتبارهن جائزة تُعطى لمن يحفظ جزءاً أو آخر من القرآن كما حصل بمُوصل العراق والرقة السورية أثناء شهور الصيام!![6]

هل تلك المرأة هي ذاتها الكائن الأكثر حساسية وإنسانية ؟ كيف لتصور حيواني بغطاء الدين أنْ يحتل أدمغة دموية حول حياة الإنسان؟ إنَّ المرأة هي الفضاء الوجودي البارز الذي يكشف مدى تحضر المجتمعات من عدمه، ولعل الممارسات بحقهن توضح إلى أي مدى يعتبر الإنسان حيواناً أو يعامل الآخرين على هذا الأساس. والحيوانية قد تكون لاهوتية وأشد وطأة من سواها. وقد تأخذ درجة خفية نحو المجتمع، فتلتحف بالرؤى الاجتماعية لتغدو قاتلة بأسماء متباينة دون فاعل ملموس.. كما تتم باسم الشرف والأخلاق والعائلة والقبيلة والجنة والنار والحقيقة والكراهية والأيديولوجيا… إلى أخره.

إنَّ هناك – كما تقول جوديث بتلر- صناعة لهوية نسوية feminist identity تقوم على تكرار الأفعال بأساليب مقصودة stylized repetition of actions. وهي هوية زمنية تتشكل بحسب صياغة علامات الجسد الأنثوي ودلالتها في الواقع الذي تفرزه ظواهر المجتمعات. وبالتالي يصبح فهم المسألة مرتبطا بتاريخ المعتقدات وأدائها لمضامين السلوك والأفعال[7]. وهذا ما ينطبق على صناعة الهوية الدينية من خلال المرأة كعلامة يمكن تحميلها بمدلول متعال تهيمن عليه جماعة المؤمنين أو من يقوم مقامهم كما في إطار الإسلام السياسي.

لم تتخلص الثقافة الإسلامية السائدة من تحقير المرأة ووضعها في مرتبة أدنى من الرجل. ففي دولة الخلافة – كدولة هوية – لن تنال وضعاً مميزاً. لأن المرأة كشهوة تعدُّ أحد حدودها الحسية والغرائزية. فمن الشعارات الزاعقة كون الحرام يغلف الأنثى كحدٍّ من حدود الله، لا ينبغي الاقتراب منه أو انتهاكه. وسيكون شأنها شأن بغلة السلطان!! الأخيرة تؤْجر لحمل صاحبها المؤمن الذي يرعى عبيده بينما ستكون المرأة بمثابة الفتنة داخل كلِّ بيت. وهو اعتقاد صريح بأن الفتنة كامنة داخل أي إنسان.. وعليه التيقظ لما ينتظره من مجهول!! ويعنى أنَّ المرأة في كل الأحوال مطعون في شرفها سواء رضت أم أبت.

في هذا الإطار تتحول النزعة الذكورية إلى ” مرجعية رمزية ” من خلال تأكيد نموذج ” المرأة الطائعة ” الجاري اجتماعياً وسياسياً. وبالوقت نفسه تفترض خضوعاً مفارقاً لمستواها الدلالي. مما يولد قهراً – كما يذهب بيير بورديو- من نفس أبعادها غير المحسوسة واللا مرئية حتى من ضحاياها أنفسهم. ولأنَّ الخطاب الديني يرتبط بالمثل والقيم، فإنَّ عنفه يسير بـ ” الطرق الرمزية للاتصال والمعرفة أو أكثر تحديداً، بالجهل والاعتراف أو بالعاطفة. هذه العلاقة الاجتماعية العادية بشكل غير عادي، تمنح مناسبة مميزة لالتقاط منطق الهيمنة الممارسة باسم مبدأ رمزي معروف أو معترف به من قبل المهيمن على المهيمن عليه، أو باسم لغة ( أو لفظ ) أو نمط حياة ( أو أسلوب في التفكير أو القول أو الفعل وبشكل عام باسم خاصية مميزة ) شعاراً كانت أو وصمة”[8].

لكن المفارقة الصارخة أنَّ التحكم  في النساء بالخلفية الماضية يفترض اعتبار الرجل كائناً شهوانياً غير عاقل وتتلاعب به المرأة كيفما تريد!! وأنَّه ليس طاقة للعمل والإبداع والإنتاج والسير في مناكب الحياة، إنما كتلة من الغرائز تحكمها المصادفة ليس أكثر. والتجربة التاريخية أكدت أنَّ قصور الأمراء كانت مليئة بالجواري والإماء والخادمات والمغنيات والشاعرات والخليلات… جميعهن يقمن على خدمة غرائز سيدهن. وقد تحول القصر إلى إدارة شهوية لاستنزاف وجود المرأة وحريتها… وفي هذا كانت القصور الحاكمة نسخة مناظرة لبعض أنماط العيش في المجتمعات العربية الإسلامية ووضع النساء فيها.

بوضوح إنَّ سياسة نون النسوة لا تنفصل عن سياسات الخلافة إزاء السيطرة على المجتمعات. بفضل أنّ هناك تصورين ماديين متقاربان للمرأة والسلطة يرجعان معاً إلى برجماتية الخطاب الديني، وأنَّ ما يضبطهما ويستثمرهما اجتماعياً شيءٌ واحد. ألاَ وهو الغرائز التي تتلاعب بالسلطة مستعملةً الشريعة لخدمة مصالحها الخاصة، بينما تستخدم النساء لتمضية الأوقات والاغتراف من معين الحياة لنفس السبب. أي أن الرغبة بوصفها سيطرة وغلبة هي ذاتها الرغبة بوصفها سيطرة ذكورية حينما تتجليان ضمن السياسة والجنس.

وفي تاريخ فكرة الخلافة، نجد أنَّ هندسة الإسلام السياسي لمفاهيم المرأة وتصوراتها على نطاق المجتمع يحكمها هذا التسلط الذكوري على المشهد العام. وقد لُفظت المرأة على قارعة الحياة بوصفها خطاباً لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ ما يريد ذكور المؤمنين. بكلمات أخرى.. كانت الأنوثة كلاماً مضمراً وممارساً حول التربية والطفولة والزواج والعادات والتقاليد والموروثات الفقهية التي تربط المرأة بالرجال دون تحرر. وعندما تكون كلاماً صريحاً، فإنها تعاند مرونة الواقع بشكل كلي فاضح. لأنَّ قهر المرأة لن يستمر أكثر من قهر الإنسان لنفسه على المدى البعيد.

ولهذا كانت كلُّ دولة خلافة محكومةً بمنطق: التآكل الذاتي الذي يدمر تاريخها ويحطم بنيتها. وهذا أحد الأسباب التي تجعل التقاتل بين الجماعات الدينية أمراً مؤكداً. فإنْ لم يكن ثمة عدو خارجي نحن في حروب أبدية وميتافيزيقية معه، سيتقاتل الفرقاء لا محالة حتى الفناء. ألم يتشعب المسلمون إلى بضع وسبعين فرقة… جميعهم يجزمون بأنَّهم الناجون من النار دون سواهم؟ فكانت المحصلة: لم ينجو أحد ولم يفشل أحد، بل استمر القتال إلى الآن مع جميع الأطراف بلا تمييز!! حرب الكل ضد الكل كما يقول  توماس هوبز.

هوامش:

[1]– بصرف النظر عن معنى لفظة ” الحور العين ” بالجنة والتي هي أيضاً من الرغبات المشتركة المتواترة بين الجهاديين، فالتصور الشهوي للأنثى بالآخرة جزء من عتاد الجهاد وحث المجاهدين على السير في طريق  هذا التنظيم أو ذاك إلى نهايته. وصورة الأنثى تستعمل هنا لتغييب الإحساس بالواقع وتعقيده. ولذلك إذا كان الحزام الناسف ينهي حياة الجسد وإحساسه بالحياة، فإن الأخيلة الدائرة حول الحوريات وصورها كانت قد أنهته من قبل عن طريق عدة أشياء:

أولاً: تقديم الأنثى كرغبة خالصة وكلية للمستشهد. وهذا يعني أن الانهماك في الرغبات قد يحدث انفصالاً عن الحياة. والفكرة هنا تتجاوز الدين ولكنه يستعملها لأهدافه الخاصة.

ثانياً: الأنثى بهذا التصور هي الفاصلة بين الموت والحياة، لأنَّها دلالة خيالية شهوانية وبالوقت نفسه سيكون اللقاء بها بعد الموت. أي هي زناد الحزام الناسف والحاثة على الاستشهاد.

ثالثاً: تتناسب الهيمنة على الأنثى في الدنيا طرديا مع الظفر بها في الآخرة على هيئة حوريات. ولذلك فإن المرأة جزء من عتاد الخلافة وجهازها  الرمزي.

رابعاً: النقطة السابقة تطلق عنان الإسلاميين لتخيل دولة الخلافة باعتبارها  ” يوتوبيا الرغبات الحلال ” كما حصل مع خلافة الدواعش واستعمال النساء فيها في كل شيء.

[2] – سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة، الطبعة السادسة 1979. ص 112.

[3] – المرجع السابق، ص 105.

[4]– ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون ( الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون )، تحقيق خليل شحادة، مراجعة سهيل ذكار، دار الفكر العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2001. ص ص 155- 156.

[5] – أغلب تصورات الجماعات الإسلامية حول المرأة كانت في بدايتها عبارة عن فكرة نشر العفة وحفظ الحرمات ونيل السعادة في الدنيا والآخرة. ولا يخفى كون ذلك غلافاً لهيمنة أصيلة على هذا الكائن الرمزي بالأساس تمهيداً للانقضاض على الحياة العامة. حيث كان المتطرفون يدعون إلى ارتداء الحجاب ومنع الاختلاط والتعليم الديني للبنات قبل أن يدخلوا عن طريق ذلك إلى تسييس الفكرة لمآرب أكبر. ولذلك ليس مصادفة الحرص على نشر بعض الشعارات التي تنال من حق المرأة في الشعور بذاتها مثل: أنها يجب أن تحاذر حتى لا تكون مطية الشيطان وأنها تحتاج إلى طاعة الله حتى تنال رضاه، بينما هي شعارات مطروحة لتفريغها كي يقودها الرجال باسم الدين وأن تمر طاعة الله بطاعة سلطة الرجال في واقع هو الخلافة كما يتصورون.

[6]– ليس الأمر الواضح فقط هو استعمال المرأة على نحو مُهين، إنما أتصور أنها  تمثل للإسلاميين معضلة كبرى. فحتى في دولة الخلافة ستكون المرأة محل سؤال دائم، لأن التصور الحضاري والحياتي للمرأة يبقى غائباً تماماً لديهم. ولنلاحظ أنها أصبحت  خلال الممارسات الموضَّحة بالأعلى جزءاً من الغايات، وبالتالي فهي كفيلة بخلخلة أركان خلافتهم، وأن غياب وظيفتها الحضارية سيكون عامل هدم رئيس بهذا الصدد. وخاصة أن هناك ازدواجاً لدى أية جماعة دينية تجاه المرأة: التحكم فيها عن طريق مراسم التدين وفرض أنماط الاعتقاد المادي والشكلي عليها للتقليل من حريتها وفتنتها خارج قالب الحلال والحرام. وفتح مساحة حرة متعددة الأوجه للتمتع بتلك الفتنة عن طريق تعدد الزواج وتعدد أوجه التعامل معها.

[7] -Judith Butler, Performative Acts and Gender Constitution: An Essay in Phenomenology and Feminist Theory, Theatre Journal , Volume 40, No. 4. (Dec., 1988), pp. 519-520.

[8]– بيار بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة: سلمان قعفراني، مراجعة ماهر تريمش( سلسلة المنظمة العربية للترجمة)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى ابريل 2001. ص 16.

شاهد أيضاً

الأنا، الموت والقبر – الجزء الرابع

 بقلم: عمر بن اعمارة   أتساءل في ما معنى أن يرسل إله الكون غُرابَيْن كي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *