الرئيسية / منتخبات / عامة / مكسيم غوركي الشيَّال: جال كل أرجاء روسيا قبل البلاشفة بفضل صندوق بحار

مكسيم غوركي الشيَّال: جال كل أرجاء روسيا قبل البلاشفة بفضل صندوق بحار

كوة: رشيد العلوي

“ليس في العالم ألم، أقوى من ألم الكلمة” إنها كلمة شاعر. إلى مكسيموس غوركي.

لِمَا تجد أن اللُّغة بئيسةً؟ اللُّغة غنيَّة جداً أكثر ممَّا نتصور، ولكن تعوزنا العبارات أحياناً لقول شيءٍ ما أو لقول كل شيء، أو على أقصى تقدير قول كل ما نريد قوله.

عاش ما بين 28 مارس 1868 و18 يونيو 1936، كأديب وناشط سيَّاسي روسي، مؤسس مدرسة الواقعيَّة الاشتراكيَّة التي جسَّدت نظرةً مغايرة لما كان سائِداً آنذاك للآداب والعلوم الإنسانية. ولد في نجني نوفجراد عام 1868، وأصبح يتيم الأب والأم وهو في التاسعة من عمره، فتولت جدته مهمة تربيَّته، وكان لها كل الفضل في تعليمه أسلوب القص الراقي، ممَّا صقل مواهبه القصصيَّة. وبعد وفاة جدَّتِه تأثر بالحدث كثيراً.

كان مكسيم غوركي، شيَّالاً، ومتشرِّداً، وعامل مصنع، وطباخاً، ومهنيا، وجال كل أرجاء روسيا يتضور جوعاً، ولكنه أفلح في أن يكون أعظم كاتِبٍ ينقل معاناة الرُّوس المضطهدين إلى كل لغات العالم، وقد تساءل يوماً: “لماذا صرت أكتب؟ وأجاب: “من جراء الضغط العنيف عليَّ من “الحياة الفقيرة الصعبة” وهذه العبارة استقاها من شابَّة كتبت له يوماً وهي في سن الخامسة عشر تعلن عن موهبتها في الكتابة. السبب الأول يقول غوركي عن كونه لا يستطيع إلا أن يكتب: جعلني أحاول أن أحمل إلى الحياة “الفقيرة” أفكاراً، و”تخيلات” مثل “حكاية عن الصقر والأفعى” و”أسطورة القلب المشتعل” و”طائِر النورس”. وبدافع السبَّب الثاني، صرت أكتب قصصاً ذات طابع “واقعي”. فكيف لشيَّالٍ أن يصير كاتباً عالميّاً مرموقاً؟

تعلم غوركي الكتابة والقراءة من ميخائيل مكسيموفيتش سموري: طبَّاخ باخرة الذي يحمل معه أين حل وارتحل صندوقاً من الكتب وصفه غوركي بكونه “أعظم مكتبة في العالم”. وقد مر على مختلف المهن: بائع خمور، خباز، حفار قبور، بستاني، مغني في جوقة… كل هذا علمه معنى المرارة لأن غوركي كإسم يعني المر، أو الريق المرير. وهو ما لا يحس به إلا من يتذوق المرارة، مرارة عصير معتق، أو مرارة صعوبة عيش المتشرد. وقد وهب لحياته المريرة معانٍ شتى في تجربة الحياة الفرديَّة. وقد عبر عن امتهانه للكتابة بالقول إن الإرادة تربى بالتمرين والتدريب، ولعله لخص كل تجارب الكون في التدريب والتمرين. وما الكتابة في نهاية المطاف إلا تمريناً. أنا مقتنع أن امتهان الكتابة تمرين، والتمرين ممارسة، ودون ممارسة لا معنى لتنظير، كما أنه، لا معنى لتنظير دون ممارسة. تلك حكاية مشهورة ولا داعي لتكرارها، فالأسلوب تمرين عقود بل تمرين حياة معاشة أو متخيلة لا غير.

أتذكر القبو والشرفة: في المطبخ يحدث التفاعل بين الطبخ والكتابة والقراءة، فلتصنع لك مكتباً في المطبخ وليس في مكان آخر في المنزل، وإذا قرَّرت أن تضعه في غرفة النوم فلن يلِد إلا حيوانات منويَّة فارغة، وإذا أردت أن يكون لتلك المنويات معنى، صف كل الأعضاء التناسليَّة التي تستمتع بها وتتباهى بها معظم الأحيان؛ وإذا لم تستطع النوم مع العاهرة فصف فرجها وتلك أكبر مزية ستقوم بها في تاريخ غرفة نومك لا غير: أتحدث عن الكتب التي وصفها بنيامين كعاهرة، وليس كتاب الأمير.

صعد الباخرة وهو يتأمل مؤخرة السيَّدة الملكة التي صعدت قبله محاطة بكل أنواع كلاب الحراسة من بني آدم. صعد يستفسر السيَّد رئيس المطبخ عن الأكلة التي تمقتها الملكة. وبَّخه رئيس المطبخ أول الأمر، ولكنه أصر أن يقدمها بنفسه لكي تشتمه أمام الملأ ولكنها لم تفعل بل عظَّمته ودعته إلى مكتبها لتفتنها بلغتها الساحرة. نام في المكتب ينتظر عودة الأميرة، ولكنها لم تفعل. “عليكم أن تتعلموا كيف تنتصرون على أنفسكم، ويجب أن تتعلموا كيف تهزمون في أنفسكم موروث الماضي المرير”، هذه هي نصيحة غوركي التي قدمها للشباب الثائر وكأنه يقول بعبارة أخرى ثوروا في وجه الاستبداد القيصري. تحول غوركي إلى كاتب ملتزم يعشق الدفاع عن البروليتاريا القيصرية.

غوركي الذي عمل أيضا في مخزن الأحذية: هو فتى أشعت طويل ونحيف. لم يستمتع بالعيش مع أبيه وأمه فقد غادرو الحياة وهو في سن مبكرة، لكنه لخص كل العذابات في جملته الشهيرة: “جئت إلى هذا العالم كي لا أوافق”. إنها ممانعة ما بعدها ممانعة. ولهذا كيف جئت أنت أو كيف جئت أنا إلى هذا العالم؟ لا أستطيع أن أحكم على نفسي أو عليك، ولكنني أفهم أن مجيئي إلى هذا العالم – على الأقل أتحدث عن نفسي لا عن أحد غيري – كان مجرد عبث بيولوجي او رغبة مكبوتة وهو ما لن أندم عليه يوما، ولن أشعر من أنجبوني بالندم عليَّ.

الآن، أجيب عن سؤال: كيف تعلمت الكتابة؟ يقول غوركي: “تكونت انطباعاتي مباشرة من الحياة، ومن الكتب. ويمكن مقارنة انطباعاتي الأولى بالمواد الخام الأولية، أما الثانية – فكانت كالقطعة نصف المصنعة، أو بكلام فج، كي أكون واضحا – في الحالة الأولى، كان أمامي حيوان، أما في الحالة الثانية، فقد سُلخ جلده، وصنع تصنيعا جيدا. إني مدين للأدب الأجنبي، وخاصة – الأدب الفرنسي”. ف “هل يمكن لكتاب أن يكتب بلغة موسيقية؟”، يجيب غوركي: العهد القديم، تعلمت منه القراءة والكتابة. العهد القديم يتعلم في الكتاب كما تتعلم جميع النصوص المنسوبة للوحي السماوي. إلا أن: “الكتاب ظاهرة من ظواهر الحياة، كالإنسان، وهو (أي الكتاب) حقيقة حية ناطقة، وهو أصغر من غيره من “الأشياء” الأخرى، التي يصنعها الإنسان.

سمعني المثقفون، ونصحوني: أكتب! جرِّب أن تكتب!” وأجبتهم يقول غوركي: “أناتولي – عامل تركيب الزجاج، صديقي وإنه شاب موهوب، وإذا لم تقدم له المساعدة، فإنه سيموت. وإن العاهرة تيريز، ليست عاهرة، بل هي إنسان جيد، وليس عدلا، أن الطلاب يستغلونها لهذا الغرض، وهم لا يرون ذلك”.

سمى الاتحاد السوفياتي كل ما كتب – كما فعل غوركي – عن مرارة واقع أو شروط وضع بشري مأساوي: أدبا واقعيا. فهل الواقعية الاشتراكية التي فرضها النظام الستاليني بولشفية محضة؟

 

 

شاهد أيضاً

حقيقة الوجود في ادب سارتر

علي محمد اليوسف بنى كل من (سارتر) واكثر منه فعل (بيكيت) صاحب ادب و مسرح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *