الرئيسية / منشورات / مجلات / الترجمة والفلسفة

الترجمة والفلسفة

عبد الصمد البلغيثي/متصرف تربوي

Abdessamad.elbelghyty@gmail.com

لقد عبر القدامى من العرب والمسلمين عن إشكالية الترجمة, بشكل يٌظهِر وعيهم الكامل بها ودرايتهم العميقة بصعوباتها, فلا يخلوا تأليف من تواليفهم, في مجال من المجالات من ذكرٍ أو إشارة لها, تٌظهر مدى مالقيته عندهم من حفاوةٍ واهتمامٍ.

لذلك نقترح الوقوف على جوانب من ذلك الإهتمام, من خلال نصوص لنموذجين في فكرنا العربي والإسلامي هما الفارابي وإبن تيمية.

1-الرابطة المنطقية وإشكالية الترجمة:

يقول الفارابي(260ه339ه/874م950م): “فلما إنتقلت الفلسفة إلى العرب واحتاجت الفلاسفة الذين يتكلمون بالعربية ويجعلون عبارتهم عن المعاني التي في الفلسفة وفي المنطق بلسان العرب, ولم يجدوا في لغة العرب منذ أول ما وضعت لفظة ينقلون بها الأمكنة التي تستعمل فيها » أستين « في اليونانية و  » هست « بالفارسية فيجعلوها تقوم مقام هذه الألفاظ في الأمكنة التي يستعملها فيها سائر الأمم, فبعضهم رأى أن سيتعمل لفظة » هو « مكان » هست « بالفارسية و » أستن «باليونانية”. (كتاب الحروف, ص122) إن هذا النص يلخص وبعمق الإشكالية اللغوية في ترجمة الفلسفة عند العرب والمسلمين, والتي رافقت مسيرة التفلسف عندهم, بداية باكتشافها لدى الأمم المجاورة, ثم انبعاث حركة النقل والترجمة, وتميز هذا الجو الذي رافق تشكل فكرنا الفلسفي العربي والإسلامي, معانات مشاكل الترجمة وصعوباتها وما تخلفه من إضطراب في المعاني وإشتراك في الأسماء, والأمثلة كثيرة لمصطلحات عجز تراجمنا والفلاسفتنا عن إيجاد  لفظة لها بالعربية.

ويقدم الفارابي نموذج لفظ “أستين” اليوناني و”هست” في الفارسية, الذي خلق قلقا لدى الفلاسفة العرب, فاللفظ لم يجدوا له في العربية ما يفيد معناه, فهذا اللفظ يستعمل عند اليونان والفرس ” في الدلالة على رابط الخبر بالمخبر عنه” ويضيف الفارابي: “وهو الذي يربط المحمول بالموضوع متى كان المحمول إسما, أو أرادوا أن يكون المحمول مرتبطا بالموضوع ارتباطا بإطلاق من غير زمان”(كتاب الحروف,ص111). هنا تظهر صعوبة ترجمة “أستن” اليونانية لانها رابطة منطقية تصل بين الموضوع والمحمول, وتدخل في تشكيل القضايا, لكن الفارابي يذكر أن الفلاسفة انقسموا في ترجمتها فريقين فبعضهم ترجمها ب”هو” والبعض ب”الموجود”, ويقول: “واستعملوا لفظة الموجود في المكانين, في الدلالة على الأشياء كلها وفي أن يربط الإسم المحمول بالموضوع حيث يقصد أن لا يذكر في القضية زمان”(كتاب الحروف,ص113). ولا ينبغي أن يفهم الموجود بمعناه لدى الجمهور, لأنه غير مقصود أبدا, “بل يستعمل في العربية على ما تدل عليه “هست” في الفارسية و”استين” في اليونانية” ويحاول الفارابي تقريب ذلك المعنى فيقول: “على مثال قولنا شئ”(كتاب الحروف,ص114).

وينتهي الفارابي إلى أن هذا اللفظ مضلل كثيرا ولا يسلم الإنسان من الغلط في إستعماله, لذلك فكثير من الناس يتجنبونه بإستعمال “هو” أو “الهوية” “وأما أنا فإني أرى أن الإنسان له أن يستعمل أيهما شاء”(كتاب الحروف, ص114-115).

نخلص مع الفارابي إلى مايلي:

  1. الترجمة نشاط يتداخل فيه الفلسفي واللغوي.
  2. لا يفهم المصطلح الفلسفي إلا بالوقوف على صعوبات ترجمته.
  3. ضرورة إبداع المصطلح إن خلت اللغة منه.

2-شروط الترجمة عند ابن تيمية:

يقول ابن تيمية(661ه728ه/1263م1328م) : “فالمترجم لابد أن يعرف اللغتين: التي يترجمها, والتي يترجم بها, وإذا عرف أن المعنى الذي يقصد بهذا الإسم في هذه اللغة هو المعنى الذي يقصد به في اللغة الأخرى وترجمه, كما يترجم إسم الخبز, والماء, والأكل, والشرب, والسماء, والأرض, والليل, والنهار, والشمس, والقمر, ونحو ذلك من أسماء الأعيان والأجناس وما تضمنته من الأشخاص, سواء كانت مسمياتها أعيانا أو معاني”(الرد على المنطقيين, ص90). يظهر أن صاحب الرد على المنطقيين, كان مهتما بالترجمة وقضاياها, ولا غرابة في ذلك, فإمام المعارضين للفلسفة والفلاسفة, ظهر له أن أزمة المصطلح الفلسفي لا تنفصل عن مشكل الترجمة والنقل من اللسان اليوناني, وأغلب انتقاداته تتأسس على صعوبة نقل المصطلح من لغة إلى لغة, والمنطق عنده خير دليل.

ويقدم ابن تيمية في نص أخر صعوبات الترجمة فيقول: “والترجمة تكون للمفردات وللكلام المؤلف التام, وان كان كثير من الترجمة لا يأتي بحقيقة المعنى, التي في تلك اللغة, بل بما يقاربه, لأن تلك المعاني قد لا تكون لها في اللغة الأخرى ألفاظ تطابقها على الحقيقة, لاسيما لغة العرب, فإن الترجمتها في الغالب تقريب, ومن هذا الباب ذكر غريب القران, والحديث, وغيرها. بل وتفسير القران, وغيره من سائر أنواع الكلام”.(الرد على المنطقيين, ص90)

خاتمة:

نخلص في الأخير إلى أن العرب والمسلمين أدركوا إشكالية الترجمة منذ وقت مبكر, أي منذ إحتكاكهم بالحضارات المجاورة, وقد مارسوا الترجمة وعانو صعوباتها, وحاولوا حلها عن طريق البحث في اللغة والمصطلحات, ولذلك وضعوا المعاجم الفلسفية منذ بداية حركة النقل والترجمة, وهي ما كان يسمى بكتب الحدود, كما نعثر في مصنفاتهم على عبقرية قل نظيرها اليوم, إخترعوا الأسماء واشتقوا الألفاظ, وما لم يستطيعوا له سبيلا عربوه وتركوه في لفظه الأصلي. فكانت بذلك تجربتنا الفلسفية غنية ومتنوعة, لذا فإن أي انطلاقة لنا نحن المحدثين العرب من أجل تأسيس عهد جديد في الترجمة, يقتضي إلمام جيلنا الصاعد من المترجمين بهذه التجربة التاريخية, تجربة تراكمت حلقاتها في ثراء وتنوع.

مشكلات الترجمة: كتاب النفس لأرسطو(384ق.م/322ق.م) نموذجا.

كتاب النفس لأرسطو ترجمة اسحاق ابن حنين De lame tradu.j.tricot
“وليس يدرك العقل ولا يفهم شيئا بغير توهم” 25/430أ « et sans l’intellect agent.rien ne pense »

430a/25

“قول هوميروس: إن اقطر متغير بالعقل”30.25/404أ « hector était etendu la raison egaree »

404a/30

شعر ابن قليدس:

“تعرف الأرض بالأرض والماء بالماء”

« c’est par terre que nous voyons la terre par l’eau. L’eau »
“والهواء بالهواء والنار بالنار” « l’éther. Le divin éther. Le feu par le feu »
“والمودة هي الاتفاق مثلها, والغلبة هو الفساد بفساد ومهلك مثله”

15.10/404ب

« par l’amour. L’amour. Et la haine par la triste haine »404b /10.15

ملحوظة: هذه فقط بعض الأمثلة لما يلاحظه الباحث من إختلاف بين الترجمات لكتاب النفس من الصعب الحسم في سببها.

المصادر:

-الفارابي, أبونصر, كتاب الحروف, تحقيق محسن مهدي, ط.2, دار الشروق, بيروت, 1990

-ابن تيمية, تقي الدين, كتاب الرد على المنطقيين, تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكبتي, راجعه محمد طلحة بلال منيار, مؤسسة الريان, 2005

-Aristote. De l’ame. Traduction de Jules Tricot. Vrin. 1977

من أرشيف الكاتب:

المستدرك على المثن الرشد: كتاب جديد للمرحوم محمد مساعد

عبد الصمد البلغيثي يعود الفضل في بناء مدرسة مغربية لدراسات الرشدية تتميز بتقاليدها وخصوصيتها, إلى مركز الدراسات الرشدية الذي أسسه المرحوم جمال الدين العلوي(1992/1945م) سنة 1987م بفاس, ويتجلى هذا التميز من خلال الحرص على دارسة الفلسفة الإسلامية العربية بالرجوع إلى نصوصها والبحث البيليوغرافي حول أعلامها وتواليفهم. وأسفر هذا التقليد إنتاج …

أكمل القراءة »

رسائل فلسفية بين ابن باجه وابن الإمام: قراءة في كتاب لمؤلفه جمال راشق

عبد الصمد البلغيثي Abdessamad.elbelghyty@gmail.com إطار إداري متدرب(مسلك الإدارة التربوية) المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش ابن باجه (460ه533ه/1066م1139م) فيلسوف أسس فلسفته على المنطق والرياضيات وترك لنا الكثير من المؤلفات في الطب والأدوية والنبات والطبيعة والحيوان والفلك والنفس…, أغلبها فُقد وضاع, تشهد على ذلك قوائم تواليف الرجل بفهارس المخطوطات وكتب التراجم …

أكمل القراءة »

 الفلسفة والدين صراع العقل والخيال

  عبد الصمد البلغيثي Abdessamad.elbelghyty@gmail.com إطار إداري متدرب(مسلك الادارة التربوية)بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين مراكش. تقديم: لقد درج الباحثون في معالجتهم لإشكالية العقل والنقل, على مقاربتها من زوايا نظر إديولوجية ضيقة, لا تسعف في الوقوف على جوهر المشكلة فإما من ينتصر للعقل ويضيق النقاش في الجدل حول أسسه مبادئه, وإما …

أكمل القراءة »

شاهد أيضاً

الأنا،الموت والقبر (الجزء الثالث)

* بقلم: عمر بن اعمارة   طيب، أعود إلى حديثي عن المقبرة والقبر، ذلك العلبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *