الرئيسية / منشورات / مجلات / اليوم الذي اموت فيه، يضرب الغيث نافذتي

اليوم الذي اموت فيه، يضرب الغيث نافذتي

الشاعر الكردي: هيوا قادر – ترجمة: دانا احمد

هيوا قادر

إليكِ أَرْفَعُها، أنْتِ الّتي تَذْكُريْنَ المَنِيَّةَ دَوْماً وتَذْكُرينَنَي وَقْتَها، أحِبُّكِ.

سوف ارى ذلك اليوم
انني ارى ذلك اليوم
ذاك الذي أموت فيه وحيدا
أعلم، أنني اموت وحيدا مثل عاشق محتار
يقتفيني زقاقا تلو آخر
ذاك اليوم، سوف ترفع احدى يديها، لتريني ساعتها
التي نظمتها وفق انتهاء عمري.
اعرف، انني سوف أموت ذلك اليوم، وحيدا، أخطو وهي ورائي
كما أعاصير متعبة تمسك بخاصرتها وتنكس
مثل فتاة بياعة للزهور وهي تحمل سفطا من الزهور السود
تمر بي وهي تمشي على طرف قدميها، تقول لي:
ايها الرجل الغريب، اشتر مني زهرة، هذا المساء!
أقول: بعيني الانوار الماثلة على اطراف ازهارك.

*
اعرف انني سأموت وحيدا
اهوي منفردا كما تفاحة تسقط من شجرها
وبهمهمتي سوف يستيقظ دود من نومها.
اقول له: عذرا، ياصديقي، جاء دورك.
أنضج كما التين وتنثر شذاي في الرياح،
تأتي الزنابير وانا اموت منعزلا،
أجف نحو فراشة، وتتركني الالوان،
تنزعني الالوان ملابسها فأموت وحيدا مجردا من الالوان.
انا اموت منفردا،
فالحروف الاخيرة على لساني، تذروها الريح كما حضن من الورود
أطلق انفاسي الاخيرة مثل طائر حزين وأموت
لا أملي مقلتي كما سمك دافئ واموت.
أحمل جثتي وأمضي الى أعلى المغارب
أنحي قلبي الممزق، تحت اقدم شجرة ارجوانية،
واذرف العبرات، لتوحد هؤلاء الذين يحفظون قصائدي عن ظهر قلبهم.
أشجي لهؤلاء الذين لم ألحق بهم لأقول لهم:
سوف تموتون وحيدين مثلي.
أموت منفردا وأسمع صخب درويش عاشق وهو غارق في التهليلة مثلي،
وأصغي نشيج ناي في أواخر عقد أنفاسه
وهو مثلي، يحبذ ان يقول شيئا ولا يلحق.

*
سوف أموت وحيدا وادع حذائي من دون الاقدام،
واترك ملابسي من دون مكواة،
ولا ألحق لأروي سندانة حبق غرفتي و
بل اتركها عطشان وأموت،
أدع صوتي في قصائدي وأموت،
أدع نظارتي على منضدتي من دون المقلتين
واترك خامتي من دون حرارة اصابعي والسطور غير المكتملة،
واتدع اشرطة موسيقا، وكتبي، وصورتي التي هي مليئة بالضحك والبكاء،
رسائلي التي لم ألحق أبعثها،
واترك غرفتي مقفرة ولوحاتي في حال سكونها.

*

انا أموت وحيدا،
اموت منفردا وأتأسف لتلك الايام
التي سأكون فيها ذرات بخسة ومضجرة على واجهة النوافذ،
تلك الايام التي سيغير العشق أسمها لأن لايعرفه احد.
سوف أموت وحيدا
تقتلني تلك اللحظات التي لا يستطيع احد ان يتحدث بلغة المنية مثلي،
سوف اخمد كما شمع ولا يغيم الظلام على العالم!
سوف اموت وحيدا في وقت يلعب فيه الاطفال.

*

يأتي سبت واموت فيه بأعدادها،
هو سبت لا تعنيه ذكرياتي،
اموت وحيدا وأمضي منكوسا
الى الجزر المغمورة للنسيان.
سوف اموت وحيدا ولا اسمع النبضات الحارة لفؤادي،
سأبتعد جمّاً والتف في حلم يُراني فيه امرات،
وارفع يدي الرعشاء كما انفاسي الاخيرة وامضي.
أمكث في قعر حِب كما حسوة شراب
واسكر تلك الحشرات التي لا تراها الاعين،
انا اقترض صبيحة، أمسية من يوم لأموت فيه
يخطفني ليل لأموت فيه وحيدا.
ادرك، انني اموت يوما يصطدم المطر نافذتي،
اطير في السماء كما غراب مبلل،
كما فقاعات امواج في الرمال، واضيع
أزّ مثل شجرة تليدة واسقط.
سوف اموت وحيدا ويقول لي الموت:
ايها الرجل الغريب، اشتر مني زهرة، هذا المساء!
أقول: بعيني قطرات الماء الماثلة على اطراف ورودك، حتى لا اعطش.
وا أسفا لا املك وقتا لشراء الزهور.
ليس لدي وقت لأكون صديقك.
سوف اموت وحيدا ولا ألحق لوداع جسدي،
اخنق وشفتاي جافتان، ولا الحق قبلات الحبيبة،
سوف اموت وحيدا وادع كل شيء بعدي عدا عزلتي،
ايتها العزلة ايا صديقي العريقة،
لماذا تركني كلهم الا انت؟

*

سوف اموت منفردا واتوق الى شمس تلك الصباحات التي تشرق من دوني،
تنضج الفواكه وتفعمها المياه دون حضوري
يأتي الربيع دون وجودي،
تهطل الامطار ولا تتبلل ملابسي تحتها،
يحمر المساء ويأتي الليل من دوني،
تنظم القصائد الرائعة دون ان أقرأها،
تختمر الشراب وتجنح السكرات وانا لا اطير،
وتكسب الموسيقا كما المياه دون ان اسمعها،
تهب الرياح ولا نتكاتف،
يطير النسيم منخفضا ولا امس اسفل بطنه.
سوف اموت وحيدا
ولا اسمع تفرقع البراعم لضخامة صوت انكسار عظامي كما السرطان.

*

مرة اخرى لا أضع كتكوتا في عشه
ولا امسح برأس ارنب بيضاء،
مرة اخرى لا اقيم طفلا ساقطا على الارض ولا انفض غبار ملابسه،
تحسرا من حرارة الحياة، أدجن رويدا رويدا،
ولا الملم نفسي للتمشي مرة اخرى
ولا يصبح كلب متوحد قريني.

*

ذاك اليوم الذي اموت، يقول الموت لي:
انا لا ابعث رسائلي السريعة بالشيخوخة دوما،
كم من رسالة بعثتها اليك ولم تبلغ بقراءتها
كم برقيةٍ ارسلتها اليك ولم تسلمها
كم لقاء نظمته لك دون علم الحياة ولم تأتي،
كم جرسٍ دقته به بابك ولم تفتحيه،
كم همومٍ بعثتها اليك ولم تسلمي نفسك.

*

يأتي سبت باعدادها واموت فيه،
يأتي زمن ويضعني في اللازمن،
تتركني الحياة في محطة وتمضي،
تدع الحروف لساني وتمنحني الرياح وقت هبوبها صوتها وأمضي،
اتجرد من كل شيء واموت عاريا،
كم هو يوم متذبذب ذاك الذي اموت فيه،
هو يحمل في طياته برد الشتاءات كافة،
تسكن اجنحة اللحظات كلها في جيبه ويفعمه العد دون الخيال،
مليء بوباءات الدنيا ومفعم بالتسليم.

*

اعلم، انني سوف اموت ذات يومـ تضرب الامطار نافذتي،
اطير في السماء منعزلا كما غراب مبلل،
اطير والتف مجروحا،
اطير واضيع في بياض الوحشة.

شاهد أيضاً

برنامج المؤتمر الدولي الفلسفة والفضاء العمومي 20-22 نوفمبر 2018

جامعة تونس المنار برنامج المؤتمر الدولي الفلسفة والفضاء العمومي 20-22 نوفمبر 2018 يوم 20 / 11 / …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *